عشرُ عرائسَ من الرُمّان نَثرْنَ الياقوتَ على جبهتك الشاحبة :

إلى ناهض حتر
أحمد حسين

خذ معك شيئا مما ارتكَبَ الترابُ على هذا الصيف المشرَّدِ فيك واسترحْ قليلا من المشيِ , ولكن لا تَنَمْ . لا يريحُ النومُ مثلَكَ , من وُلد ماشيا على ثوب عوْسَجةٍ محترقةٍ سيظل ماشياً إلى الأبد . إرتحْ من المشي قليلا ولكن إياكَ أن تنام ! سيسرقون حلة موتك العربية عن وجهكَ , فأدِرهُ نحو دمشق وانتظر .
هناك الشجرة اليتيمة في بستان البابلي القديم , الذي رمته الحكاية حيّاً في بئر هاجر , تستدرجُ ذاكرةَ التراب إليك في العشب ورائحة السَرّيس ولون الرمان وأسماء الفرح الكونيّ التي علقها المنسيون على ثوب العالم . هو النسيان ينسِجُ من غياب الأزمنة وغموض المعرفة ,عباءةَ الأزلِ الكونيِّ لتنام جميعُ الأزمنة على عباءةٍ واحدة .
لكن الذين ينسون كلام البارحة بعد دخول الحمام ويتملقون كل الأزمنة التي لَعَنَتْها المعرفة ليصنعوا عباءتهم الشخصية من الخرق الملوّنة التي تركها كُبراءُ الأمس , هم أشخاصٌ لا يجيدون حتي الهلوسَة .

السفينةُ التي ابحرتْ والطائرة التي أقلعتْ لا تُقِلاّنِ الركاب عن الطريق . من اراد فأنت طريقه وسفينتهُ , ليس الوجودُ حصانا أخرق يمتطيه من أرادَ وليست الحياة بقرة حمقاء تعطي حليبها لمن يشاء .

2

مثلُكَ يموتُ فيحيا. لم يكن لك حيلة ٌفي موتِكَ إلا أن تحيا. لم تُولد مثلنا في حِضن مربيةٍ يسكُنُها الغيبُ أتتْ من غيبها كي تقتل روحك وجسدكَ كما قتلَتْنا . أنت الآن الروحُ المقتولة ُفينا , وروحُنا الحيةُ في جسدك .

لم تُولدْ مثلَنا في حضن امرأة ضائعةٍ كشجرة مجهولةٍ في غابةٍ مزوّرة . لم تحملْكَ المُربِّياتُ الموؤودات , مثلنا, إلى برِيّة الهجري التي لا يموت فيها أحدٌ ولا يحيا .
الموت هوية من عاشَ , ترابٌ ظلَّ تراباً وترابٌ أصبح بيتا أومدرسة ً أو قيثارة عِشْقٍ تسكنها الأرواح الممدودة نحو الله صلاةً يُولد منها الحيُّ من الميت والميتُ من الحي . الموت صباحٌ آخَر للديمومة ، والذَّات صليب التجربة الأزليّ .

يُولد الإنسانُ من دمه على الخَشَبة قطرةً قطرة . على غصن حكايته المغروسة في الأرض سيُولدُ من برعم سيرته المكنونة في الغُصن فلا مناصَ له من حَمْلِ دمه .
فمن كان صليبُه عربيا, يحمله كالراية فيموت به ويحيا . والطفلُ الذي يعرفُ سريرَ أمِّه ، لا ينامُ في سرير المُرَبِّية أبداً. والأم التي لم تُرَبِّ ابنها لم تَلِدْه. والماءُ المندفع من فم الصخرة يحمل اسمها فيه إلى الأبد .

كنتَ التاج أنتَ والهامَةُ هامتُكَ ومُربياتُك َ بناتُ أمِّك وأبيك . حَلِّقِ الآنَ فوقَنا ودَعْ غيمةَ روحكَ تُمطر جسدَها رماناً وعنباً وبقولا وحليباً للأطفال على حقول عامونَ ليأكل منهاالراعي والحَمَلُ وعُشبُ الأرض وظِلُّ المراةِ المصلوبةِ على ثوبها التُرابيِّ.
أعطِ حاملات الشموع بموكبك , كَفافَ شمعِهنَّ من غنائم موتِكَ المنتصرِ , وحاملاتِ الطيب كفاف عِطرهنَّ قطرة واحدةً من دمكَ, وأعطنا نحن السَّبئيَّاتُ كفاءَ دمعنا وأَكْثَرَ مطراً لنبكيَ دمَك كما بكينا دمَ ابن فريامَ على سواحل طِروادة .

3

نعرفُ لماذا صَادَقْتَ موتَك ؟ كنت تعرفهم حتى الألم ِ كما تعرف الأمُّ عُقوقَ ابنها . كانوا عقلاً لا عقلَ له , يعطون موائدهم للغرباء لكي يأكلوا من فُتاتها . ويورِّثون حقولهم للعابرين لياكلوا من سَقْطِ مناجلهم .

يروون حقول الغير بماء ينابيعهم ليحملها المطر إلى منازلهم البعيدة . وكنت تعرف أنهم حين تموتُ سينصِّبونكَ في فضائيات التَّحويل فقيها ليبراليا .

سترسم قناة الميادين صورتك بالفحم على لوح رماديٍّ لتبدوَ ذِمِّيا فاضلاَ كأوباما ويكتبون اسمك العربي باللاتينية على ظهر كونداليسا رايس ليحتدم السِّجال في الحلْقة حول موضوع الديموقراطية في الغرب .

تُرى هل تخيلتَ ذلك , فسبقتهم إلى خيارك بأنملة واحدة ؟ خرجت من مُلكهم عائدا إلى مُلكك لتغرس فيه تراب موتك العربي الجميل الذي أورثته لنا .

مرحىً ناهضَ حَتَّر !

أورثتَهم موتا لا حياة فيهِ ولا بَعده ! كأنك كنت تمكُرُ بهم فتلقَّفهم الحضيض من دُبُرٍ وهم قادمون . لو قالوا نحنُ مَلَكْنا ناصية الأرض لنَحْكُمها باسم الكُفر لَصَدقوا .

أو قالوا نحن عصا الشيطان أتينا في زيِّ نبيٍّ صدقوا . لكن الله أراد بهم مَثَلا ً من نقمته لا تطيقه السمواتُ ولا الأرض . فَهَدَتْهُم انفسهم أن قالوا : إنا أتينا لنحميَ الله من عباده بسلاح أمريكي .

4

صلبوا اليوم نبيا من حَتَّرَ فأتينا كي نَزُفَّ دمهُ !

نحن السبئياتُ وصائف عرسِكَ جئناك بعطرٍمن زمن السَرِّيس لِكفَّيكَ وغلائلَ أُمْسِيَةٍ من زمن الحِنطة لسريركَ , لا تحزنْ ! لم تُولد عبثا ًلكِنّا نحن السَّبئياتُ وُلدنا في الحزن لنحزنَ في زمن الهدهد حتى لا ننسى .

لا بد لنا أن نبكيَ قتلانا ليعودوا مطرا ترفعُه الشمس مع الدمع إلى أرْدان الريح المُبتلْةِ فوق دمشق لنسقط من مطر واحد. حَلِّقْ في غيمة روحك وصلاً بالفرح , ولا تحزنْ !
سيموت الهجريون على زمن الهدهد في حانة بلقيس تنازعهم كفُّ الحارس أوجههم عند الباب وتسلبهم كفُّ الزمن السَّاخرِ فَضْلَ ملابسهم , فيُصابون بداء الهدهدِ , يتدَلَّوْنَ على حبل الرحمة في المعارض الورقية كسعادين السيرك , فيرحمهم حتى الرُّوادُ , وحينَ يموتون يُسَمَّوْنَ المرحومين .

مرحىً ناهضَ حتَّر !

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة “كنعان” الإلكترونية أو محرريها ولا موقع “كنعان” أو محرريه.