المؤسسة العسكرية المصرية في مرمى الهجوم؟

مصطفى بسيوني

شهد مصر، منذ 30 حزيران 2013، عمليات شبه منهجية تستهدف كمائن للجيش والشرطة، وأفراداً ووحدات تابعة للقوات المُسلّحة، خاصّة في سيناء، كما تمتدّ العمليات الإرهابية لمحاولات اغتيال شخصيات عامّة ومسؤولين في الدولة في القاهرة ومُحافظات أخرى.
ولكن عملية اغتيال العميد أركان حرب عادل رجائي، يوم السبت الماضي أمام منزله في مدينة العبور على أطراف محافظة القاهرة، تبدو مُختلفة عن العمليات الإرهابية التي وقعت على مدار السنوات الثلاث السابقة، بما فيها عملية اغتيال النائب العام السابق هشام بركات، ومحاولة اغتيال وزير الداخلية السابق اللواء محمد إبراهيم.
لم يكن العميد رجائي أحد الشخصيات العامّة التي تظهر في الإعلام، أو من مسؤولي الدولة المعروفة أسماؤهم ويُمكن تحديد أماكن وجودهم مسبقاً. بل كان أول خبر يحمل اسمه في وسائل الإعلام هو خبر اغتياله نفسه، الذي أعلن تنظيم يُطلق على نفسه «لواء الثورة» مسؤوليته عنه. وهو التنظيم ذاته الذي أعلن مسؤوليته عن استهداف كمين للشرطة في محافظة الشرقية من قبل. وما تداوله الإعلام عن رجائي أنه قائد عميد أركان حرب وقائد فرقة مدرعات في القوات المُسلّحة، وكان مسؤولاً عن تأمين المنطقة العسكرية أثناء أحداث «30 يونيو» 2013، كما أنه قاد عمليات هدم أنفاق التهريب في سيناء ضمن المُواجهة مع الجماعات المُتطرّفة.
ولكن اغتيال العميد رجائي لم يحدث خلال قيامه بعمله في أحد المواقع في سيناء، ضمن استهداف تجمّعات وكمائن للقوات المُسلّحة أو ضمن اشتباكات مع الجماعات الإرهابية، بل وقع أمام منزله. ما يعني أنه تمّ تحديد هويته من قبل التنظيم الإرهابي، ومعرفة منزله وموعد تحرّكه، بل تمكّن مُنفّذو الاغتيال من الهرب من دون القبض عليهم.
استهداف شخصية عسكرية بعينها من قبل تنظيم إرهابي أمر نادر الحدوث في مصر. فعادة ما تستهدف الجماعات الإرهابية مسؤولين وشخصيات عامّة، بينما يسقط ضحايا القوات المُسلّحة، عادة، خلال الاشتباكات والعمليات المُباشرة لا عبر الاغتيال، وهو ما يجعل السؤال عن حدود استهداف المؤسسة العسكرية ورجالها من قبل الجماعات الإرهابية.
مثل أغلب الجيوش في العالم الثالث، ارتبط الجيش المصري بحركة «التحرّر الوطني» في أعقاب الحرب العالمية الثانية. فلا يُمكن الفصل بين نشأة المؤسسة العسكرية المصرية حديثاً وبين الصراع ضدّ الاستعمار. ليست فقط نشأة المؤسسة العسكرية المصرية الحديثة هي التي ربطتها بـ «التحرّر الوطني»، بل الحروب التي خاضتها مصر في أعقاب جلاء الاحتلال البريطاني. فحروب عامي 1956 و1967 وحرب الاستنزاف و «حرب أكتوبر» 1973، اعتُبرت على الصعيد الرسمي والشعبي استمراراً للصراع من أجل التحرّر الوطني.
هذه النشأة للمؤسسة العسكرية هي التي منحتها مكانة خاصة في مصر، وظلّت دائماً بعيدة من أي نقد أو اتهام، واعتُبرت حارس الوطنية المصرية. حتى عندما أنهى السادات مرحلة «التحرّر الوطني» بإبرام اتفاقية «كامب ديفيد»، وإعلانه «حرب أكتوبر» آخر الحروب مفتتحاً مرحلة جديدة من التحالف مع القوى الاستعمارية ذاتها، ظلّت القوات المُسلّحة تمتاز بمكانتها الخاصّة لدى المصريين، وهو ما دعمته المؤسسة العسكرية نفسها باتخاذ مسافة واضحة من الحياة السياسية والصراعات الداخلية. حتى عندما طلب السادات من وزير الدفاع في كانون الثاني 1977 التدخّل بالجيش لمواجهة انتفاضة الخبز، اشترط وزير الدفاع التراجع أولاً عن قرارات رفع الأسعار التي أدّت إلى الانتفاضة، وأن يكون نزول الجيش للشوارع بهدف الحماية لا القمع.
تجلّت تلك المكانة التي امتازت بها القوات المُسلّحة بوضوح في ذروة الثورة المصرية. ففي جمعة الغضب «28 يناير» 2011، عندما انكسرت أجهزة الأمن في مواجهة الانتفاضة، بدأ الجيش مساءً بالنزول إلى الشوارع. وهو ما كان يُمكن أن يؤدي إمّا لصدامات دموية غير مسبوقة في مصر، أو إلى انقسامات في أوساط الجيش خلال المواجهة مع الجماهير. ولكن ما حدث بالفعل هو أن الجماهير المنتفضة لم تتعامل مع القوات المُسلّحة كجزء من النظام الحاكم الذي انتفضوا ضدّه، بل كحكم بينهم وبين النظام.
الفترة التي تلت «يناير 2011»، والتي تولّى فيها المجلس العسكري الحكم، هي التي شهدت بداية التغيّر في العلاقة بين الجيش والمدنيين في مصر. فعلى الرغم من سيطرة دعاية أن «الجيش حمى الثورة»، الممارسات الفعلية خلال حكم المجلس العسكري من شباط 2011 وحتى حزيران 2012، وما تخلّلها من مُحاولات إعادة بعض رموز نظام مبارك إلى المشهد، مثل استمرار أحمد شفيق رئيساً للوزراء، والتباطؤ في محاكمة مبارك ورموز حكمه، وقمع تظاهرات الثوار أمام مجلس الوزراء وفي شارع محمد محمود وسقوط عشرات القتلى في تظاهرات الأقباط في أحداث ماسبيرو وغيرها، ساهمت في خلق صورة مُغايرة لدى قطاعات كبيرة من الثوّار للقوات المُسلّحة، حتى أصبح شعار «يسقط حكم العسكر» أحد الشعارات الرئيسة التي ردّدها المُتظاهرون خلال حكم المجلس العسكري.
انتقال السلطة لجماعة «الإخوان المسلمين»، وجّه كل الغضب لدى الثوار تجاه الجماعة بطبيعة الحال، وعاد الجيش مرة أخرى لدى قطاعات واسعة حكماً بين السلطة والجماهير. ولكن لم يتوقّف الأمر عند هذا الحد، فسرعان ما تحوّل الجيش لدى قوى المعارضة إلى صورة المُنقذ من حكم الجماعة، وهو ما حدث بالفعل في الثالث من تموز 2013.
ساهمت أحداث 2013 في استعادة مكانة القوات المُسلّحة، وظهرت كصمام أمان للمجتمع، وكمُنقذ للبلاد من حكم الإسلام السياسي. ولكن لم يكن ذلك من دون تكاليف. فقد كان ذلك بداية العداء المباشر بين جماعة «الإخوان المسلمين» وجماعات الإسلام السياسي المتطرّفة من جهة، والجيش الذي أطاحها من السلطة من جهة أخرى. كذلك مع عودة بعض أركان نظام مبارك للمشهد عقب عام 2013، وإعادة إنتاج سياسات مبارك على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي، رأى قطاع من القوى الثورية أن ما قام به الجيش لم يكن إنقاذاً للبلاد، بل ثورة مُضادّة لمحو آثار «ثورة يناير». ولكن ظلّت الأغلبية الكاسحة، على الرغم من ذلك، ترى الجيش هو صمام الأمان للمجتمع، ولولاه لشهدت مصر مصير دول أخرى في المنطقة انهارت جيوشها وغرقت في الحروب الأهلية.
ولكن التكلفة الأهمّ، هي أن المسافة التي اتخذتها المؤسسة العسكرية من الصراعات الداخلية والحياة السياسية في مصر، كانت قد انكمشت بشدّة، خاصّة مع تولّي السيسي رئاسة الجمهورية. وعلى الرغم من أن رؤساء مصر السابقين كانت لهم خلفيتهم العسكرية، عبد الناصر كان هو نفسه مؤسس تنظيم الضباط الأحرار الذي قاد تحرّك «23 يوليو» لإطاحة الملك، والسادات كان عضواً في التنظيم ذاته، أما مبارك فقد كان نائباً لرئيس الجمهورية قبل توليه الرئاسة. السيسي وحده هو الذي انتقل مُباشرة من منصب وزير الدفاع إلى منصب رئاسة الجمهورية من دون أي خلفية سياسية، وهو ما أوحى بأن السلطة السياسية الفعلية في يد المؤسسة العسكرية. وهو ما دعمه الوجود الملحوظ للقوات المُسلّحة في الكثير من مناحي الحياة المدنية. ففضلاً عن أن مواجهة الإرهاب في سيناء أصبحت مهمة رئيسة للقوات المُسلّحة لا الداخلية، فقد تزايدت أنشطة الهيئة الهندسية للقوات المُسلّحة وجهاز الخدمة الوطنية للقوات المُسلّحة في مختلف الأنشطة الاقتصادية، ما جعلها أكثر اقتراباً من تقلّبات الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
تحمل عملية اغتيال العميد عادل رجائي، على يد إحدى الجماعات الإرهابية الكثير من الدلالات والأسئلة، وقد تُوحي بوجود ثغرات أمنية، ولكن تُشير أيضاً إلى أن المسافة التي اتخذتها المؤسسة العسكرية من الحياة السياسية والصراعات الداخلية، وحافظت بها على مكانتها وتماسكها، تلاشت في المرحلة الماضية، وأن استعادة تلك المسافة قد يكون ضرورياً في الفترة المُقبلة.

:::::

“السفير”

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة “كنعان” الإلكترونية أو محرريها ولا موقع “كنعان” أو محرريه.