جنرال عون رئيساً

ثريا عاصي

لا شك في أن أنتخاب رئيس للجمهورية في لبنان بعد فراغ في منصب الرئاسة دام حوالى العامين ليس حدثاً عادياً عابرا كمثل الأحداث التي تتابع على الساحة اللبنانية والتي صار الناس لا يعيرونها انتباههم أو يعتبرون أنها جعجعة صادرة عن أمراء الحرب الذين غنموا السلطة. من البديهي إذاً أن يستوقفنا هذا الحدث لا سيما أن الأخصام الذين حالت خصومتهم دون التوافق على انتخاب رئيس الجمهورية، عادوا أنفسهم رغم خصومتهم وانتخبوا الرئيس. مواقف متناقضة لا تمنع من تأييد الجنرال عون. يبدو أن كل جهة تدعي أن الجنرال هو إلى جانبها في حين ان سلوك الأخير يوحي بأنه يعتبر الجميع معه!
قد يقول قائل أن هذا الغموض والإلتباس مردهما إلى خصوصية الدولة اللبنانية التي زادتها الزلازل التي تضرب دول المشرق هشاشة وتشويها. ولكن التسليم بهذا كله لا يعفينا في الواقع من فحص عملية الإنتخاب هذه من زاويتين على الأقل:
1ـ من زاوية طائفية في نظاق النظام الطائفي في لبنان: بمعنى أن الجنرال عون هو المرشح المسيحي القوي، بمعنى انه الأقوى مسيحياً. بكلام صريح، إختار المسيحيون الجنرال عون ممثلاً ووافقت الجهات الأجنبية التي لها تأثير على الحكم في لبنان على مرشح المسيحيين. هذه مسألة مرتبطة بالنظام اللبناني، كون الدولة اللبنانية هي دولة تحت الرعاية… فرئيس الجمهورية السابق أنهى ولايته فعاشت المملكة السعودية.
2 ـ من الزاوية اللبنانية: ولكن التسليم بأن الجنرال هو مرشح مسيحي، لا يلغي السؤال التالي: هل أن الجنرال سيكون رئيساً مسيحياً أم انه سيكون رئيساً للجمهورية اللبنانية. الإجابة عن الشق الأول سهلة: من البديهي أن الجنرال بما هو «المرشح القوي»، سيكون رئيساً مسيحياً، بمعنى أنه سيحاول أن يستعيد شيئاً من حصة المسيحيين التي أطاحت جزءاً منها اتفاقية الطائف. علينا أن نتذكر هنا أن الحكومة في عهد السنيورة اتخذت الكثير من القرارات دون موافقة رئيس الجمهورية. أمسك فؤاد السنيورة وحكومته بمقاليد الحكم بصورة منفردة، وسمعت أنها لم تكن دستورية. من ينسى سلوك السيد مروان حمادة الإستفزازي المحقــِّر للشرعية الدستوريه أثناء جلسة لمجلس الوزراء في حضرة الرئيس أميل لحود. أما الشق الثاني: هل سيكون الجنرال الرئيس رئيساً للبلاد، أو للجمهورية: فالإجابة عليه صعبة. لأننا لسنا أكيدين أن هذه الجمهورية موجودة، بعد كل الذي جرى في هذه البلاد… من البديهي أن الوقت الآن غير مناسب للدخول في تفاصيل هذه المسألة. حسناً قال المسيحيون أن الجنرال يمثلهم وحصلوا على موافقة على أن الجنرال يمثلهم فصارت الأمور واضحة. أي أننا نعرف من يمثل المسيحيين. ولكن من يمثل السنة : هل ان السيد سعد الحريري لا يزال الممثل الوحيد؟ لا أعتقد شخصياً ذلك. في الجانب الشيعي يمكننا طرح نفس السؤال. الإجابة أن حزب الله وحركة أمل هما ممثلا الشيعة. فآراؤهما متباينة في الموقف من المرشح عون وأعتقد أنها متباينة في قضايا سياسة أخرى، ما يدل على و جود صراع على السلطة في الساحة الشيعية، يتجلى ذلك على سبيل المثال في مناسبة عاشوراء! من يمثل الدروز؟ يحسن القول أيضا في هذا السياق، انه لا شك في ان هناك لبنانيون كثيرون من أصول طائفية ومذهبية مختلفة، خرجوا من نطاق الطوائف والمذاهب وربما خرجوا من البلاد أو اضطروا إلى الخروج منها لأن زعماء الطوائف احتلوا كل المساحة وصادروا النشاط السياسي وإدارات الدولة والتمثيل والكفاءة وحتى الشهادة الجامعية.إذ من المعروف أن التمثيل السياسي في لبنان يرتكز على ثلاث دعائم: النفوذ (في الإدارة، الوظيفة، والواسطة)  ـ الأموال (اظن أن زعماء الطوائف جمعوا مبالغ طائلة منها) ـ القوة  (سلاح القتال الداخلي موجود لدى أنصار جميع الشركاء في الحكم). الرأي عندي أن الإجابة على السؤال حول إذا ما سيكون الجنرال الرئيس المسيحي، رئيساً للجمهورية هي صعبة وفي مختلف الأحوال أنا شخصياً لا أعرفها. فأنا من مؤيدي مشروع المؤتمر التأسيسي، وأفهمه بما هو ضروري ولازم في سياق إصلاح سلمي يحفظ البلاد. وحتى أكون صادقة وصريحة أخشى شخصباً من الحرب في لبنان، فالمطلوب من وجهة نظري هو «رأس المقاومة»في لبنان. في الحقيقة أنا أنظر إلى ما يجري في لبنان من هذه الناحية. أتمنى طبعاً أن أكون على خطأ، ولكن لبنان موجودفي منطقة الاعصار بما هو جزء من الهلال الخصيب، شئنا أم أبينا فلا ينفع أن نخبئ رؤوسنا في الرمال هذا من جهة أما من جهة ثانية فإن الهلال الخصيب مستهدف بمشروع تقسيمي وسكاني جديد.
لا بد من القول توخيا للدقة أني انظر إلى انتخاب رئيس مسيحي، نظرة إيجابية جداً لان رئيساً مسيحياً «قوياً» يعيد إلى الأوضاع شيئاً من التوازن. ولكن يلزم التذكير هنا أيضاً قطعاً للكلام الأجوف، بأنه لولا موافقة الأميركين وحلفائهم لما استطاع السوريون إخراج الجنرال عون من بعبدا… تمهيداً لإتفاقية الطائف. دخل السوريون إلى لبنان بموافقة أميركية وأحرجوا منه بإرادة أميركية.
من نافلة القول أنه يوجد تناقض بين حزب الله من جهة وبين القوات اللبنانية. من جهة ثانية، ما هي أسباب هذا التناقض وأي موقف من المحتمل أن يتخذه الجنرال عون في حال تفاقم هذا التناقض الى حد المواجهة، علماً ان حزب الله والقوات إلتقوا على تأييد الجنرال عون. في المقابل نجد أن حزب الله أعلن ان مرشحه هو الجنرال عون في حين أن حركة أمل  تعارض هذا الأخير، ألا يعني هذا انه يوجد تناقض بين حركة أمل ناحية وبين حزب الله من ناحية أخرى. ألا يحق لنا أن نعرف ما هي أسباب هذا التناقض؟
هذه معطيات تحتاج إلى بحث لاحقاً. من المحتمل انها توصل إلى إجابات على تساؤلات كثيرة حول الإمكانيات والظروف التي يجب أن تتوفر حتى يكون الجنرال عون رئيس لبنان. وحول القدرة على التوفيق بين المواقف المتناقضة أو الحد من تأثيرها في الواقع المعيشي. يجب ألا ننسى أيضاً تناقضاً رئيسيا آخر بين أنصار السعودية من جهة وبين حزب الله من جهة ثانية.
مجمل القول ان حزب الله وسورية يخوضان نفس المعركة، ومثلما أنه مطلوب أميركياً إعادة ترتيب الأوضاع في سورية فإن رأس المقاومة في لبنان مطلوب أيضاً.
ينجم عنه انه ليس مستبعداً أن نكون حيال وضع لا يسمح إلا بحلول مؤقته وبرئيس تسيير أعمال، طالما ان الحرب في سورية هي حرب مواقع. فحزب الله عنصر من عناصر معادلة إقليمية لا تشكل فيها المسألة اللبنانية جزءاً أساسياً. يترتب عليه أن الأزمة الإقليمية لن تحسم في لبنان ولكن بالعكس من ذلك فأن حل المشكلة اللبنانية متعلق بالتطورات الإقليمية.
خلاصة القول وقصاراه أن جمْع المواقف المتناقضة يفضي عادة إلى لا شيء. فما يهم في الراهن هو أن يكون حزب الله قد أعد خطة محكمة من أجل أن يتجنب الألغام التي تزرع في طريقه. أما الأسئلة الكثيرة التي ما تزال معلقة فأننا لا نملك إجابات عليها، ومن المحتمل أن هذه الأخيرة ليست موجودة أصلاً في لبنان.فقد تظهر عندما يفرج عنها أصحابها. وأخيرا ليس معروفاً ما إذا كان إنتخاب رئيس للجمهورية يخرح البلاد والناس من أزمة أم أنه نذير بدخولهم في أزمة جديدة.

:::::

“الديار”

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة “كنعان” الإلكترونية أو محرريها ولا موقع “كنعان” أو محرريه.