حلب: ماذا يجري فيها ؟…ولماذا؟ …وما المصير؟

 العميد د. أمين محمد حطيط 

عندما اعتمدت أميركا خطتها الأخيرة في العدوان على العراق و سورية و ارتكزت فيها على وضع اليد على قطاع واسع من ارض البلدين بجبهة  تصل إلى 800كلم و عمق يتراوح ما بيت 80 إلى 120كلم ، كانت تعول على السيطرة على الموصل متزامنة مع تجميد الأعمال العسكرية في حلب التي فشلت هجمات الإرهابيين السابقة في فك الحصار عنها و تاليا السيطرة على الأجزاء المحررة منها غربي المدينة ، تجميد الأعمال من اجل إعادة النظر بخطط الهجوم و تعويض الإخفاقات السابقة ، و التمكن من السيطرة على حلب التي تراها أميركا ركنا رئيسيا في خطتها الأخيرة.

لكن أميركا التي لمست عجزها عن السيطرة على حلب، ثم عجزها عن فك الحصار عن الجماعات الإرهابية في حلب الشرقية، تأكدت أيضا من عجزها في تمرير خداع أو مناورات احتيالية تقود إلى وقف الأعمال العسكرية السورية والتي تهدف إلى استكمال عملية التحرير وفي هذا المجال ومن اجل الضغط وفرض وقف الهجوم السوري لتطهير ما تبقى من حلب بيد الإرهابيين لجأت أميركا إلى ما يلي:

1)  أبرام اتفاق مع روسيا من اجل هدنة في حلب كانت ترمي أميركا منها إلى فك الحصار وتثبيت المسلحين في حلب مقابل وعود لا تنفذها، ولما اكتشفت الخدعة وعطل مسارها لجأت أميركا إلى الخطوة التالية في الضغط.

2)  رفع شعارات حقوق الأنسان في حلب والتهويل بان كارثة إنسانية ستقع في حلب إذا استمر الهجوم السوري لتطهيرها وشاركت الأمم المتحدة وبكل وقاحة في عملية التهويل والتلفيق.

3)  التهديد بتدخل عسكري أطلسي مباشر والتلويح بإمكانية فتح جبهة أطلسية بواسطة تركيا أو سواها من اجل “انقاد حلب من مجزره ” مزعومة تهددها على يد سورية وحلفاؤها.

4)  التلويح بعزل الرقة وتاليا السيطرة عليها في حرب نفسية قصدت منها أميركا تحويل زخم الأعمال العسكرية السورية من حلب إلى شرقيها باتجاه الرقة والباب مع ما يستلزم ذلك من وقت وتأخير في تحقيق إنجازات عسكرية خلال الشهر الذي يسبق الانتخابات الأميركية.

5)  إشاعة القرار التركي بالتوجه إلى الباب في الطريق إلى الرقة أو الاقتراب من حلب من اجل إجبار الجيش السوري الموجود في كويريس على بعد 6 كلم من المدينة بالتوجه اليها والاستدارة شمالا بدلا من مؤازرة القوى المخصصة لمعركة تطهير حلب وهذا ما يفرض التأخير أو التأجيل كما تريد أميركا.

6)  التلويح بإمكانية فرض منطقة حظر جوي فوق سورية وبشكل خاص فوق منطقة حلب والشمال السوري وكانت وزيرة القوات الجوية الأميركية صريحة بانها جاهزة مع كل الخطط لفرض منطقة الحظر هذه “عندما يطلب منه التنفيذ”

لقد ابتغت أميركا من هذه التدابير والتصرفات وغيرها أيضا وقف عملية تطهير حلب باي ثمن، خاصة وأنها كانت تنظر إلى نجاح سورية في تطهير المدينة في الشهر الذي يسبق الانتخابات الأميركية كارثة استراتيجية تنزل على الحزب الديمقراطي ويقطفها سلبا في صندوق الاقتراع.

وفي المقابل تعاملت سورية ومعسكر الدفاع عنها مع الحرب النفسية والميدانية التي شنتها وتقودها أميركا بما يقتضيه الموقف من حكمة وشجاعة وإصرار على متابعة المهمة في حلب، معطوفا على سياسة سحب الذرائع وإفراغ الاتهامات الأميركية الغربية من محتواها. ولأجل ذلك كان إعلان الهدنة في حلب من جانب واحد وتمديد العفو الرئاسي وفتح الممرات الإنسانية ثم كان القرار الجريء الذي فيه شيء من مغامرة أيضا ومن اجل انتتاج بيئة طمأنينة للمدنيين والمسلحين على السواء للخروج من أحياء حلب الشرقية فكان القرار بوقف الطلعات الجوي الروسية والسورية فوق حلب ومحبطها.

لقد وجدت أميركا ان تدابيرها وسلوكياتها لم تؤد المطلوب منها ولم تثن سورية وحلفاءها عن متابعة تنفيذ القرار بتطهير حلب، ولذلك ومن اجل مواجهة هذا الواقع وفي سياق تنفيذ الخطة الأميركية للعراق وسورية المنوه عنها في مطلع هذا الحديث أعلاه، أطلقت أميركا عبر إرهابي جبهة النصرة والفصائل العاملة معها والمنضوية تحت لوائها مبايعة أو التحاقا عملانيا، أطقت ما أسمته “ملحمة حلب الكبرى” لكسر الحصار أولا والسيطرة على كامل حلب ثانيا قبل أسبوع فقط من الانتخابات الرئاسية الأميركية.

لقد اعتمد الإرهابيون العاملون ضمن الخطة الأميركية استراتيجية “النار الثقيلة الشاملة والموجات البشرية المتفجرة ” في أسوأ خطة عسكرية اقتحامية وأكثرها أجراما واستخفافا بالحياة البشرية سواء الاستخفاف بحياة المهاجمين أو بحياة الأخرين من مدنيين وعسكريين في الطرف المواجه. خطة اعتمدت بهذه الوحشية من اجل استفزاز روسيا وحملها على تدابير تبرر تدخلا أميركيا ما في الميدان الحلبي فضلا عن الآمال المعقودة على هذه الخطة لجهة فك الحصار والسيطرة.

ومرة أخرى كان معسكر الدفاع عن سورية بالمرصاد لاحتواء الهجوم الوحشي الإرهابي هذا، فقاد عملية الدفاع لإجهاض الهجوم بشجاعة واحتراف بالغين، إذا انه ورغم استمرار الطلعات الجوية وهو القرار الذي استغله واستفاد منه الإرهابيون، تمكن المدافعون من احتواء الهجوم والتعامل بحرفية مع الإعصار الناري والانتحاري الذي لجأ اليه الإرهابيون وكانت النتيجة ان حرم المهاجمون من فرصة فك الطوق ومنعوا من الاستمرار في التواجد في بعض النقاط التي تمكنوا عبر موجات الهجوم الانتحاري المتتالية الوصول اليها. وفي حين كانت وسائل أعلام العدوان تروج بان أهداف أميركا في حلب كادت ان تتحقق كان الميدان يعلن بان الحقيقة عكس ما اشتهت أميركا وخططت له وأطلقت هجوما وحشيا إرهابيا لتنفيذه.

قد تكون عملية الإرهابيين في الهجوم على حلب في الأسبوع المنصرم و من الجهة الغربية الأخطر و الأعنف خلال الأشهر العشرة الأخيرة و الأكثر دموية إذ قتل من  المهاجمين في غضون 48 ساعة اكثر من القين و جرح اكثر من الف من الإرهابيين ، و لكن الأكيد أيضا ان صد الهجوم حتى وفي غياب الطيران الكثيف الذي كان يؤمن عادة السدود النارية أو النار التدميرية للكتل البشرية المندفعة ، ان الأكيد ان سورية وحلفاءها اظهروا جهوزية عالية لأي ظرف و أي مفاجأة مهما كان حجمها و نوعها و هذا ما عكسه بيان القيادة العامة للجيش و القوات المسلحة بوضوح و الصورة التي تمخضت المعركة عنها.

أما عن المستقبل فأننا نرى ان مرونة ميدانية ما ستعتمد من قبل معسكر الدفاع عن السورية خلال الأيام العشرة المقبلة للاستمرار في سحب الذرائع و فتح الأبواب أمام مزيد من الراغبين الاستفادة من العفو الرئاسي من السلحين أو مزيد من المدنيين الذي يعبرون الممرات الإنسانية للخروج من حلب الشرقية و هذا ما عكسه الاجتماع الثلاثي في موسكوا الذي اكد أيضا على الاستمرار في محاربة الإرهاب دون هوادة ، و لهذا نقول بان  قرار تطهير حلب يبقى نافذا لا رجعة عنه و ستكون حلب بعد أسبوعين كما يبدو أمام مشهد جديد لن يستسيغه أو يريح  أركان العدوان و لن يكون ملائما ابدأ لخطة العدوان الأميركي المعمول بها حاليا بعد جملة التحولات الاستراتيجية و الميدانية الأخيرة و هنا  ننصح من يعنيه الأمر بالإصغاء جيدا إلى موقف الحشد الشعبي العراقي و تحضيراته للتوجه للدفاع عن سورية . وباختصار لن تكون حلب ولا الباب ولا الرقة ثمرة يقطفها إرهابي بأمر أميركي.

:::::

“الثورة”، دمشق