لو لم يؤسّس سعاده حزباً سياسياً

علي حمية*

بدأ أنطون سعاده الذي نحتفل هذه الأيام بالذكرى الخامسة والثمانين لتأسيس حزبه السوري القومي الاجتماعي الكتابة وهو في السابعة عشر من عمره (1921)، حيث عمل مساعداً لوالده في إدارة وتحرير جريدة «الجريدة» ثم مجلة «المجلة» التي حلّت محلها، في سان باولو ــ البرازيل، متابعاً بشغف ما يجري في العالم من تطورات اقتصادية وانقلابات اجتماعية، فلم تفلت ظاهرة دولية أو حادثة سياسية أو تاريخية أو حربية أو ثقافية، إلا وتناولها بالدرس والتحليل والنقد.

كان متقدماً على معاصريه في آرائه الجريئة بخصوص الوقائع والأحداث، المعاصرة له أو السابقة، فاعتبر الثورة الفرنسية، مثلاً، «مجزرة لا ثورة»، الأمر الذي تنبّه له الفرنسيون لاحقاً ما دعاهم إلى إعادة تقييم ثورتهم بوصفها كذلك. وأعلن «سقوط الولايات المتحدة الأميركية من عالم الإنسانية الأدبي»، في مقال نشره تحت هذا العنوان في سنة 1924، وذلك لمصادقتها رسمياً على وصاية فرنسا وبريطانية على سورية، بعد الحرب الكبرى. واعتبر في مقال آخر نشره في سنة 1925، أن «سقوط الخلافة في الإسلام أعظم حادث مؤثر على الشرق عقب الحرب العالمية الأولى، فضلاً عن عدم لزومها»، وذلك قبل عام من صدور كتاب الشيخ الأزهري علي عبد الرازق «الإسلام وأصول الحكم» في سنة 1926 والذي رفض فيه هذا الأزهري الجليل الدعوات الكثيرة، لا سيّما المصرية منها، التي صدرت عن مراجع سياسية ودينية نافذة مطالبة بإعادة إحياء الخلافة الإسلامية و«تعريبها» بعد وقف العمل بها في تركية، وذلك على خلفية اعتقاده بأن الإسلام دين لا دولة. وأثار في مقال تحت عنوان «علم التاريخ وسلام العالم» (1931) قضية السلم العالمي المتدهور، في مرحلة ما بين الحربين العالميتين، ملقياً باللائمة على ما أسماها «الفلسفات المتغرّضة» أي الفلسفات التي تبطن أغراضاً غير فلسفية، من سياسية وتوسعية واستعمارية، من دون أن تفصح عنها تماماً، الفلسفات التي تتحكم بكتب التاريخ، بما تحشوها به من أكاذيب وأضاليل متغرّضة، غير آبهة للنتائج السيئة التي قد تترتب على مثل هذه السياسة التربوية والتوجيهية الهوجاء التي توغر الصدور بالحقد والكراهية. ويمكننا، تأسيساً على رأيه في الفلسفات المتغرضة المبثوثة في كتب التاريخ، اعتباره أحد مؤسسي «مدرسة المراجعة التاريخية» (Révisionnisme) التي انطلقت في مطلع الثلاثينات من القرن المنصرم؟
سعاده، لعارفيه وقارئيه ومريديه، هو عالم وفيلسوف وصاحب دعوة:
هو، أولاً، عالم استقى علمه من علوم عصره، وما أكثرها: علوم الحياة والإنسان والاقتصاد والسياسة والفلسفة والتاريخ والاجتماع، بعدما اطلع على هذه العلوم من مصادرها الأصلية مباشرة، حيث كان متمكناً من لغات العصر الرئيسية، وساعدته إقامته الطويلة، إلى جانب والده، في المهجر الأميركي، على متابعة تطوّرات العلم: مدارسه ومناهجه وتقنياته، أولاً بأول، ما جعله يكتنز ثقافة علمية واسعة وعميقة لا تلبث أن تؤتي أكُلُها في كتاباته الرائدة، سواء في مرحلة الشباب أو في مرحلة النضج.
لكن إقباله الشديد على الثقافة العلمية لم يمنعه من التبصر، عميقاً، في مصادرها واتجاهاتها ومناهجها، ومن إعمال مبضع النقد فيها، إذ أنه لم يكن يطلب العلم لمجرّد العلم، أو الثقافة لمجرّد الثقافة، أو المعرفة لمجرد المعرفة، فالعلم الذي لا ينفع كالجهالة التي لا تضرّ، على حدّ قوله، ولذلك اشترط في الثقافة الجديدة توفر شرطين رئيسيين:
1 ـ الاستقلال الفكري لاعتقاده أن لا حرّية ولا استقلال ولا سيادة ولا تقدّم حقيقي، اقتصادي أو سياسي، إذا كانت البلاد خاضعة لثقافة أجنبية ولمقاييس فكرية غريبة عن طبيعتها ومزاجها وثقافتها الأصلية.
من هنا، دعا المشتغلين بقضايا الفكر والثقافة في بلاده إلى:
(أ‌) عدم الاكتفاء بالاطلاع في مختلف الثقافات والتيارات الفكرية الموزعة، يميناً ويساراً، في طول البلاد وعرضها، دون أن يكون لهم منها رأي وموقف صريحان.
(ب‌) الإقلاع عمّا أسماه «التكلم المبعثر» في المواضيع المتعدّدة أو المتضاربة، من دون غاية وقصد ووضوح، آخذاً على المشتغلين بالثقافة انخراطهم في مواضيع كهذه قبل أن يدقّقوا فيها. فالإقبال، برأيه، على الأفكار والمفكرين الغربيين، أي المفكرين الأجانب وليس الأوروبيين وحدهم، مشروط بإعمال النظر النقدي في هذه الأفكار وفي هؤلاء المفكرين، انطلاقاً من نظرة جلية واضحة إلى الحياة والكون والفن، نظرة تكون منبثقة منا، ونشعر أنها تعبّر بالفعل عن جوهر نفسيتنا وشخصيتنا القومية لأن الأفكار المعتنقة اقتباساً من الخارج لا تحرّك، برأيه، عوامل النفسية الصحيحة.
(ج) وعليه، إذا لم تكن لنا – كأمّة وكشعب – نظرتنا الخاصّة إلى الحياة والكون والعالم – أي فلسفتنا – فلا فائدة من الاطلاع على الأفكار والمفكرين الأجانب. وفي مثل هذه الحالة، يبقى ما يُسمّيه «الفكر الفطري» أي الفكر البعيد عن هذه الأفكار والقضايا والمناهج المقتبسة، أفضل من «الفكر المضطرب» أي الفكر الذي لا يقدر أن ينحاز أو أن يتجه، لأنه، برأيه، فكر متخبّط وليس له نظرة أصلية، ولا يدرك ماذا يريد!
2 ـ الالتزام. سعاده يشترط في الثقافة أن تكون حاملة لقضايا الشعب وهو ما عُرف لاحقاً في الأدبيات السياسية بـ«الثقافة الملتزمة» التي تؤسس لحياة جديدة في مجتمع جديد.
سعاده، إذاً، لا ينشد ثقافة مترفة فارغة من أي مضمون، كما لا ينشد فكراً بليداً، محايداً، بل ينشد ثقافة وفكراً جديدين يؤسسان لنهضة جديدة تطال، في العمق، بنى المجتمع القومي كلها: الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والنفسية والروحية… صحيح أنه عالم – والعالم مجمّع معارف – ولكنه، قبل كل شيء، عالم يُعنى بقضايا المجتمع الإنساني ومصالحه الحيوية، لا سيما مجتمعه السوري في الهلال الخصيب. لم يطمح، يوماً، أن يكون ابن خلدون عصره يفسّر قوانين التطوّر التاريخي، مع أنه قال قوله في التطوّر، واحترم ابن خلدون كثيراً لعلمه ومنهجه، كما أنه لم يطمح أن يكون كانط يؤسس للعقل والعقلانية، مع أنه أرسى قواعد النظر العقلي في هذه البلاد التي كانت محكومة، لسنين طويلة، بالنظر الغيبي المرتكز إلى الأوهام والأساطير والمسلّمات البليدة، كما لم يطمح أن يكون هيغل يكتشف الديالكتيك أو ماركس يسنّ قانون الطبقات والصراع الطبقي، مع أنه قدّم مساهمات جليلة في هذه الناحية من الحياة الاجتماعية والاقتصادية.

هكذا نفهم اتجاهه العلمي في كتابه الرائد «نشوء الأمم» الذي أسّس فيه علم الاجتماع الحديث، متمماً ما بدأه ابن خلدون في هذا العلم، وما طوّره أوغست كونت أو حققه إميل دوركهايم، إلى كتابه الفذ «جنون الخلود» الذي عرض فيه نظريته المتميّزة في المجتمع والدين والدولة والقوميّة، إلى كتابه النقدي «الصراع الفكري في الأدب السوري» الذي أرسى فيه قواعد نظرته الفلسفية الجديدة إلى الحياة والأدب والفن، إلى كتاباته الأخرى في مختلف شؤون الفكر والسياسة والاجتماع.
آه! – أقولها بحرقة ــ لو اكتفى سعاده بما فعل أولئك المبدعون الكبار: إبداع نظرة أصلية وأصيلة إلى الحياة والكون والفن، متجنباً العمل السياسي. نعم، لو فعل ذلك لوفّر على شعبنا وعالمنا العربي والمتوسطي اقتباس، بل استنساخ المزيد من الأفكار والمناهج من الخارج، أفكار ضجّت بها جامعاتنا ومنتدياتنا وأحزابنا وشوارعنا على امتداد الحقبة الماضية، من تاريخنا الحديث، ولكن دون أن تحرّك عوامل النفسية الصحيحة!
وسعاده، ثانياً، هو فيلسوف أرسى فلسفته على العلوم لأنه ابن المدرسة العلمية. وجاء اهتمامه بالفلسفة والتفكير الفلسفي مرافقاً للعمل السياسي التغييري على صعيد المجتمع، مؤكداً على أهمية الفلسفة لكل حركة قومية نهضوية تهدف إلى إقامة نظام جديد، في بلادها.
وإذا كانت الفلسفة تعني تأويلاً نظرياً يهدف إلى بلوغ الحقائق الأساسية من خلال دراسة أحداث واقعة في التاريخ، وإذا كانت الحقائق المدروسة متعدّدة بتعدّد التأويلات الفلسفية لها، فإنه هو، أيضاً، قدّم، كفيلسوف، تأويله الخاص لها، فلم يعد التطوّر الإنساني، مثلاً، حصيلة عوامل مادية بحت، أو عوامل روحية بحت، بل حصيلة تضافر عوامل مادية ــ روحية (مدرحية)، معتبراً الفلسفة المادية وصنوها الفلسفة الروحية فلسفتين جزئيتين مضلّلتين، لاكتفائهما بعامل واحد، روحي أو مادي، في تفسير التطور الإنساني، ولاعتبارهما العالم، عالم حرب مدمرة بين القوى المادية والقوى الروحية، داعياً الأمم إلى الأخذ باتجاه ثالث يرتكز إلى أساس مادي ــ روحي (مدرحي). الأمر الذي تأكدت صوابيته بعد سقوط الشيوعية السوفياتية وانفجار الرأسمالية المتوحشة وتصاعد الدعوات، هنا وهناك، عن حاجة العالم المعاصر إلى طريق ثالث يخطط، على أساسه، مستقبله ومصيره.
وسعاده، ثالثاً، هو الشارع، صاحب الدعوة إلى القومية السورية الاجتماعية. ولكن دعوته لم تنحدّ في بلاده سورية، بل انهمّت بالعالم العربي أيضاً، وخاطبت، من بعدهما، العالم أجمع. فسورية، عنده، هي إحدى أمم العالم العربي، بل هي الأمة المؤهلة لقيادة هذا العالم. كما هي في الوقت نفسه جزء من العالم المتحضر، وقد كانت على الدوام صاحبة رسالة حضارية إلى العالم، من عهد زينون الرواقي إلى يسوع المسيح إلى محمد بن عبدالله الذي هو، برأيه، سوري مستعرب.
إن ما يميّز سعاده عن جميع الذين اشتغلوا في القضية القومية، في بلادنا وفي العالم العربي، هو أنه، منذ البداية، أرسى مبادئ دعوته على الأساس القومي، فلم تختلط، عنده، السياسة بالدين، والدين بالاقتصاد أو الاجتماع. لذلك عمل، باكراً، على تحديد مفهوم الأمة والوطن والقومية والدولة، فتعرّف الناس معه، لأول مرة، على هذه المفاهيم الاجتماعية العصرية، فلم تعد الأمة تعني الملّة الدينية، أو مجرّد العرق أو العنصر، بل أصبحت تعني المتحد الاجتماعي الأتم الذي هو الوطن القومي الذي تجري فيه وضمنه وفوق ترابه وحدة الحياة التي تتأسس عليها وحدة المصالح ووحدة المصير.
ولكن هذه العبقرية الفذة التي أزهرت فكراً وأدباً ونقداً وترجمة، في مرحلة الشباب، اصطدمت في المرحلة اللاحقة التي أعقبت تأسيس الحزب بصعوبات كبيرة انعكست، سلباً، على إنتاجه الفكري، خصوصاً الفلسفي والاقتصادي. الأمر الذي جعله، في عيون مؤيديه وخصومه، مجرد زعيم لحزب سياسي وليس مفكراً أو فيلسوفاً من طبقة الفلاسفة العالميين الكبار، كأنه لا يحقّ لسورية (وهي مهد الحضارة، وفجر التمدن الإنساني، ومخترعة الأبجدية الكتابية والشرائع التمدنية، ومبدعة الأسئلة الفلسفية الأولى، على ما يُجمع العلماء المنصفون) أن يكون لها أسوة بغيرها من الأمم العظيمة ــ كألمانيا مثلاً ــ فيلسوف أو أكثر تفاخر به (وبهم) الأمم، فيكرّسه (ويكرّسهم) العالم منارات فكرية مضيئة، كما كرّس من ذكرنا من تلك الأسماء الكبيرة؟ وهل غير سعاده ــ يُضيف هؤلاء المنصفون الأمميون ــ يمكن أن يملأ مقعد سورية الشاغر في هذا الميدان لو أنفتح له المجال، وتوافرت الفرصة والإمكانيات، وعرف أتباعه كيف يساعدونه على التفرغ للكتابة والتأليف!
إن ما يؤسف له، هنا، أن سعاده لم يتمكّن، كسابقيه هيغل وماركس مثلاً، من شرح فلسفته الجديدة شرحاً وافياً في مؤلف كامل أو أكثر، بل أتت شروحه لها مقتضبة ومبعثرة في مقالات وخطب متفرقة. فبينما انصرف هذان العالمان الكبيران وأمثالهما إلى التأليف والكتابة فنشروا إنتاجاً فكرياً عظيماً استلهمته شعوب العالم قاطبة، اتجه سعاده إلى العمل الميداني، بالإضافة إلى الكتابة، رابطاً النظرية بالممارسة لإيمانه بأن العمل القومي لا يقتصر على التنظير ولا يمكن أن يكون عملاً خالياً من السياسة. ولذلك، أنشأ حزباً سياسياً هو الأول، من نوعه، في تاريخ سورية الحديث، من حيث وضوح غايته وخطّته وأهدافه. ولكن ظروف نشأة الحزب لم تمكّنه من الانصراف الكلّي إلى وضع جميع نظرياته ومقاييسه في الأدب والفن والفلسفة والسياسة والاجتماع والتاريخ في مؤلف أو مؤلفات متخصصة، فبقي كثير منها مبعثراً في رسائل خصوصية أو على ورقة طيارة.
ولا يُخفي سعاده، في رسالة إلى أحد معاونيه إبراهيم طنوس إقلاله في التأليف الفلسفي لعدم وجود وقت كاف، ورغبته الشديدة في التفرغ للكتابة حالما تسنح له الفرصة، كاشفاً عن طموحه في وضع مؤلف أو أكثر لشرح فلسفته «المدرحية» التي تنطوي على نظرة جديدة إلى الحياة والكون والفن؛ ومؤلف فلسفي آخر في «الدولة» وإنشاء نظام جديد لها يختلف عن النظام الذي اتخذته بعد الثورة الفرنسية. وعزمه، أيضاً، على وضع مؤلف فلسفي اجتماعي في «طبقات الأمم» كان قد جهّز عنوانات فصوله، يبحث فيه النظام السياسي ــ الاقتصادي ــ الاجتماعي الأنترنسيوني الذي قام بعامل «الثورة الصناعية» ويستخرج منه نظرة إلى العالم تعيّن اتجاهاً جديداً.
يا ليت سعاده لم يؤسّس حزباً وتفرّغ للكتابة والتأليف، كغيره من الفلاسفة الكبار، لكنا، كسوريين وعرب، ربحنا (وربح العالم معنا) تفكيراً جديداً لمفكر من نوع جديد، سبق أن قرأنا وقرأ العرب معنا ملامح تفكيره في آلاف الصفحات الموجودة بين أيدينا، تفكيراً يمكن أن يُخرج العالم من مآزقه وتشنجاته واضطراباته التي أحدثتها الأنظمة الليبرالية الرأسمالية ويفتح الطريق أمام نظام جديد يوحّد قوى الإنسان المادية والروحية في تفاعل إيجابي تنال به البشرية سعادتها وحريتها وتقدمها.
* كاتب وأستاذ جامعي

:::::

“الأخبار”

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة “كنعان” الإلكترونية أو محرريها ولا موقع “كنعان” أو محرريه.