“كنعان” تنشر على حلقات كتاب ” نحن صنعنا تشافيز: تاريخ شعبي للثورة الفنزويلية”

 

دراسة فكرية نظرية سياسة لتجربة نضال فنزويلا بتعدد أوجهها أي (حرب الغوار، حرب الشعب او حرب البؤرة، حرب الموقع أو حرب الجبهية، الانقلابات العسكرية، التآمر الإمبريالي، نضال المرأة بالسلاح، نضال الطلاب، ثوار من البروليتاريا الرثة، وسكان مدن الصفيح…).

 

اسم الكتاب: نحن صنعنا تشافيز: تاريخ شعبي للثورة الفنزويلية

المؤلف: جورج سكاربيلُّو-ماهر

ترجمة: د. بسام ابو غزالة

دار ورد للنشر والتوزيع، عمان

سنة النشر: 2015

 

مقدمة المترجم

هذا هو الكتابُ الثاني الذي أقدِّمُ ترجمتَه للقارئ العربيِّ حول فنزولا. كان عنوانُ الأولِ “تحوّل فنزولا إلى اشتراكيةِ القرنِ الحادي والعشرين“، الذي تناولَ تجربةَ الرئيسِ الراحلِ هوغو تشافيز في حكمِ فنزولا حكماً اشتراكيًّا حاول فيه أنْ يبتدعَ شكلاً جديداً من الاشتراكيةِ أسماها اشتراكيةَ القرنِ الحادي والعشرين، مستفيداً من التجاربِ الاشتراكيةِ في العالمِ، بحيثُ تكونُ أكثرَ إنسانيةً وعدالةً اجتماعية. وقد “ملأ تشافيز الدنيا وشغل الناسَ” بشهرتِه الواسعةِ في العالمِ كرئيسٍ مقدامٍ تحدَّى الولاياتِ المتحدةَ الأمريكيةَ والإمبرياليةَ الغربيةَ عموماً، بعد أنْ كانت للأولى وطأةٌ كبيرةٌ في فنزولا وأمريكا اللاتينيةِ. ولعلّ تشافيز لم يكنْ الأولَ ولا الوحيدَ في تحدِّي الولاياتِ المتحدةِ في تلك البقعةِ الكبيرةِ من العالم، أعني أمريكا اللاتينيةَ، التي كانت تعدُّها تلك الدولةُ العظمى حديقةً خلفيةً لها، وكانت جمهورياتُها التابعةُ توصَفُ بجمهورياتِ الموز، ذلك أنّ معظمَ دولِ أمريكا اللاتينيةِ اليومَ قد تحرّرت من النيرِ الأمريكيِّ الشماليِّ وبات أغلبُها، كفنزولا، جزءاً من حركةِ التحرِّرِ العالمية.

فكيف استطاعَ تشافيزُ أنْ يحكمَ فنزولا أربعةَ عشرَ حولاً، منتزعاً الحكمَ من يدِ حزبين نُخبويَّيْن تناوبا على حكمِها مُمثِّلَيْن للطبقةِ الغنيةِ في البلاد، وهو ضابطٌ في الجيشِ ينتمي لأسرةٍ عاملةٍ بسيطة؟ هل هبطَ تشافيزُ على فنزولا وأمريكا اللاتينيةِ من سماءٍ قصيّةٍ لا علاقةَ لها بشعبِه المكافح؟ على هذا السؤالِ يُجيبُ الثوارُ الفنزوليون بملءِ أفواهِهم: بل “نحن من صنعنا تشافيز!”

يسبرُ هذا الكتابُ أعماقَ الحركاتِ الثوريةِ الفنزوليةِ التي قاومت تعسّفَ الأنظمةِ الحاكمةِ في فنزولا قبل ظهورِ تشافيز، تلك الأنظمةِ التابعةِ في جوهرِها للولاياتِ المتحدةِ، بالرغمِ من ادعائها الاستقلالَ؛ ولقد كانت تلك أنظمةً مستبدةً، عنيفةً، شرسةً بالرغمِ من ادعائها الديمقراطيةَ، ازدادَ في عهدِها الفقراءُ فقراً وتهميشاً، والأغنياءُ غنىً وفساداً وتسلّطاً على الدولةِ وخيراتِ أرضِها. كان طبيعيًّا لهذا الشعبِ، إذن، أنْ يُفرزَ حركاتٍ ثوريةً نادت كلُّها بالاشتراكيةِ الماركسيةِ سبيلاً إلى العدالةِ الاجتماعية. وقد تبنَّى بعضُها أسلوبَ الكفاحِ المُسلَّحِ، فنجحَ المغاويرُ أحياناً وفشلوا أحياناً أخرى، حتى ظهر تشافيز وحقّق في حكمِه كثيراً مما كان يصبو إليه الفقراءُ المُهمَّشون والثائرون لأجلِهم.

بقيتْ الحربُ العنيفةُ بين الأنظمةِ الحاكمةِ الفاسدةِ وتلك الحركاتِ سجالاً إلى أنْ حاول هوغو تشافيز، الضابطُ المُتمرّدُ في الجيش الفنزوليِّ، أن يقومَ سنةَ 1992 بانقلابٍ عسكريٍّ وُئد في أرضِه. وفي انقلابِه هذا، تحمّل تشافيزُ المسؤوليةَ الكاملةَ عن انقلابِه حتى لا يُورِّطَ رفاقَه، فذاعَ صيتُه وتصرّفُه الشهمُ في البلاد. وفي العام 1998، نجح في انتخاباتِ الرئاسةِ نجاحاً باهراً بفضلِ دعم الحركاتِ الثوريةِ وعمومِ الشعبِ الفقيرِ له.

والسؤالُ الذي لا بدَّ من طرحِه: لماذا يتجشّمُ المترجمُ العربيُّ عناءَ ترجمةِ عملٍ ما إلى اللغةِ العربية؟ ولماذا هذا الكتابُ تحديدا؟

هناك سببان لترجمة هذا الكتابِ: سببٌ أكاديميٌّ لإطلاعِ المثقفين العربِ على تجربةٍ حدثت في دولةٍ ما، هي هنا فنزولا، وسببٌ آخرُ غايتُه نقلُ هذه التجربةِ الثوريةِ لأمتِنا العربية. فما حاجةُ هذه الأمةِ لمعرفةِ هذه التجربة؟

للجوابِ على ذلك علينا أنْ نطرحَ على أنفسِنا السؤالين التاليين:

1)    تزعمُ جميعُ الدولِ العربيةِ أنها مستقلةٌ ذاتُ سيادةٍ؛ فهل هي حقاً مستقلةٌ وذاتُ سيادة؟ هل يصدرُ قرارُ هذه الدولِ عن رأيٍ مستقلٍّ ينطلقُ من مصالِحها، فلا تُملي عليها دولةٌ عظمَى أو أكثرُ إملاءاتٍ لا تتوافقُ مع مصالحِ شعوبِها، بل مع مصالح تلك الدولِ العظمى؟

2)    تزعمُ جميعُ الدولِ العربيةِ تمسّكَها بشكلٍ من أشكالِ “الديمقراطيةِ”. فهل هي ديمقراطيةٌ حقًّا؟ بل هل للفظةِ الديمقراطيةِ معنى واحدٌ لا يختلفُ عليه اثنان؟ وإنْ لم يكنْ بدٌّ من تطبيقِ “الديمقراطيةِ” التزاماً ببندٍ ما من بنودِ الدستور، إن وُجدَ، فهل يُحدِّدُ هذا الدستورُ حدودَ الديمقراطيةِ التي ينبغي على الدولةِ الالتزامُ بها؟ وما مدى ما تُحقِّقُه “ديمقراطيتُها” من عدالةٍ اجتماعيةٍ لكافةِ مواطنيها؟ وهل تتحقّقُُ الديمقراطيةُ حقًّا بمجرّدِ إجراءِ انتخاباتٍ دوريةٍ للرؤساءِ أو لنوابِ الشعبِ؟ ولن نسألَ هنا إن كانت تلك الانتخاباتُ نزيهةً لا مُزوّرة، بل نسألُ إنْ كان في مقدورِ الفقيرِ أن يُنافسَ الغنيَّ في حملةِ الانتخاباتِ، لا في شراءِ الأصواتِ – وهذا فسادٌ عظيمٌ طبعاً – بل في القدرةِ الماليةِ اللازمةِ للدعايةِ المُسبقةِ. وكلُّنا يعرفُ أثرَ الدعايةِ في غسلِ عقولِ العامةِ، التي كثيراً ما تنتخبُ من لا يُقدِّمُ لها نفعا.

أعتقدُ أنّ الجوابَ على هذين السؤالين سيقودُنا إلى مدى ما تُفيدُ القارئَ العربيَّ قراءةُ هذا الكتابِ والاطلاعُ على تجربةِ الثوارِ الفنزوليين الذين “صنعوا” رجلا عظيما مثل هوغو تشافيز.

يكشفُ هذا الكتابُ العنفَ الذي تعرّضت له حركاتُ المُعارضةِ في فنزولا، كما يكشفُ إصرارَها على الصمودِ على المبدأ والقتالِ في سبيلِه. والدرسُ الذي يجدرُ بأحزابِ المعارضةِ العربيةِ أن تتعلّمَه أنّ الصمودَ والتشبّثَ بالمبادئِ سيقودُها حتماً إلى أهدافِها، وأنّ ميوعةَ الموقفِ واللونَ الرماديَّ لا يؤديانِ إلا إلى ميوعةِ النتائجِ وأنصافِ الحلول، والأمثلةُ في حياتِنا العربية كثيرة.

نعم، ترجمةُ هذا الكتابِ تفيدُ الباحثين في العلومِ السياسيةِ، لكنّها أيضاً، وبالدرجةِ الأولى، تُطلعُ الأحزابَ والحركاتِ السياسيةَ العربيةَ على تجربةِ الثورةِ الفنزوليةِ التي حرّرت فنزولا من حكمِ طبقةٍ فاسدةٍ ترى مصالحَها في تبعيّتِها للولاياتِ المتحدةِ ولنظامِها الرأسماليِّ الشرسِ الفاسدِ، وصنعت منها دولةً مستقلّةً بكلِّ معنى الكلمةِ، ذاتَ سيادةٍ حقيقيةٍ، وقرارٍ لا ينقادُ إلا لمصالحِ شعبها. فإن استفادَ منها ولو حزبٌ عربيٌّ واحدٌ، بلغنا الغايةَ من هذه الترجمة.

بسام شفيق أبوغزالة

عمان – حزيران 2015

 

اعتراف بالشكر

ما كان لهذا الكتاب، كالعمليةِ الثوريةِ التي يُوثِّقُها، أنْ يتحققَ لولا الإيمانُ المطلقُ والدعمُ اللامتناهي للكثرةِ من الناس. لقد جعلتني لجنةُ أطروحتي – وِنْدي بْراوْن، مارْك بيفِر، نِلْسُن-مالْدُنادو-تُرِّس، كيرِم تشودْري، فِنْغ شياه – أنْ أقومَ بما لا بدَّ أنهما بدوا قرارين شاقَّيْن: أنْ أذهبَ إلى فنزولا لغيرِ سببٍ واضحٍ، وأنْ أكتبَ كتاباً بينما كنتُ عاكفاً على أُطروحة. إني لممتنٌّ لصبرِهم ولدعمِهم الذي لا يني. كذلك إنّ التي حررت كتابي لدى منشورات جامعة دْيُوك، فَلَرِي مِلْهولَنْد، قد استجابت مشجِّعةً عرضي منذ اليوم الأول. كما أنّ غزالة فوسادو قدمت مساعدتَها في المضيِّ قُدُماً بالمشروعِ حين هبوطِه من المجرَّدِ إلى المحسوس. أشكرُ كذلك مراجعَيْن اثنين مُغفَليْن من منشوراتِ جامعةِ ديوك فاجآني حقًّا بكرمِهما إذ ساعداني في تحسين المخطوطةِ بعدة نسخ.

لقد قرأ المخطوطةَ كثيرٌ من أصدقائي ورفاقي وقدموا لي اقتراحاتٍ كانت حاسمةً للصيغةِ المراجَعة، ومن هؤلاء دان بيرْغَر، ليني كاسِل، فْرِد وِنْتِس، كيراز جانيكه، إلْيوت ليو، نعومي شِلَر، وبالطبعِ جِف سينت أندرُز، الذي شرّفتْ صورُه الرائعةُ هذه الصفحات. ولسنواتٍ، أيّدني بتعليقاتِهم القاطعةِ كلٌّ من سْتيف إلْنَر، ومايكل لابوفِتز، وغريغوري وِلبيرت، فكانوا مصدراً غنيا لمعرفةٍ جامعةٍ حول العمليةِ الفنزولية. أنا أيضاً مدينٌ بالشكرِ للمحررَيْن في نشرةِ كاوْنْتَرْبَنْش، جِفْري سينت كلير والمرحوم ألِكْزانْدَر كُكْبيرْن، إذ على صفحاتِها الرقميةِ امتُحن كثيرٌ من هذه الأفكارِ والنقاشاتِ أولَ مرة. كما أن دانْتي كانورا من “يوروأميرِكانا دي إديسيونِس” (Euroamericana de Ediciones) كان من اللطفِ بحيث سمح لي بأنْ أعيد نشر أشعارِ علي بْريميرا.

بيد أن امتناني الأعمقَ أُقدِّمُه لموضوعِ هذا الكتاب، أعني الشعبَ الفنزوليَّ الشجاعَ، الذي أحيانا ما دحضتْ أفعالُه الموحيةُ كلَّ تحليلٍ والذي جعلتْ وفرتُها المفردةُ من مهمةِ هذا الكتاب – خاصةً في العرفان – أمراً مستحيلاً حدَّ السخافة. لذلك أكتفي بأنْ أقولَ شكراً لكم جميعا للمَثَلِ الذي تُقدِّمون وللسبيلِ الذي تُضيئون. إنّ مَن تعرفتُ عليهم واقعاً وفي الأغلبِ عرَضاً قد علَّموني أهميةَ هذا العرفانِ المفتوح، ذلك أنّهم كانوا قلةً بين ملايين. شكري الجزيلُ لمجتمع 23 دي إنيرو العطوف، لمن قابلتُ منهم ولمن كلمتُهم بقليلٍ من الرسمية، خاصةً تلاميذي في مدرسةِ التخطيطِ الفنزولية. إني مدينٌ في فنزولا وفي الوطنِ للرفاق الملهِمين الكُثرِ الذين لا يزالون يُثيرون جلبةَ الحوارِ ويبنون العالمَ الجديدَ في قلوبِنا: أنتم الهواءُ الذي أستنشقُ، وما كان لهذا العملِ من غيركم أنْ يكون.

شكراً لأبي وأوكلي فرانسِسْكو لجعلِ الكتابةِ صعبة، وللوعد بالفرح والحب باعتبارهما الإغراءَ الدائمَ الذي ينتظر انتهاء العمل. بيد أن هذه المعارضةَ لا تبدو واضحةً إلا حين ينفخان الروحَ في هذه الصفحات. كذلك أقدّمُ شكري القلبيَّ لوالدَيْ أوكْلي الرائعَيْن، مَت وميسا، اللذين غمرانا بلطفهما بدعوتهما الأسرية. ولا يتمُّ الشكرُ من دون العزيزين جِف وأليسيا، حارسَيْ أوك الأمينين، اللذين كنا نستشعرُ حبَّهما حتى من مسافةٍ بعيدة، واللذين كنا ننتظرُ إضافتَهما الجديدةَ على أحرَّ من الجمر. أُهدي هذا الكتابَ لأبي وأوكلي لمساهمتِهما التي لا توصفُ في الفرحِ الجامحِ لماضيَّ وحاضري ومستقبلي. كذلك أُهديه لذكرَى جُوِل أولْسَن، الذي قرأ المخطوطةَ وناقشها معي، لكنّ حضورَه في هذا العملِ قد بذَّ تعليقاتِه كثيراً. قد أكونُ غيّرت رأيَك حول فنزولا، لكنّك أنت غيّرت رأيي.

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة “كنعان” الإلكترونية أو محرريها ولا موقع “كنعان” أو محرريه.