مأزق “القوميات الكردية” قرَّب سمير أمين من القوميةالعربية

عادل سمارة

للتجربة السورية في مواجهة الثورة المضادة دروسا عديدة بالوجهين السالب المدمر والموجب البنَّاء. وبالطبع كل يحدد موقعه ارتكازاً على موقفه. صمود سوريا، القيادة، السلطة عموما، الجيش ، والشعب، والحلفاء أحدثت تغييرات كثيرة في أوساط وقوى وشخوصاً، كانت قد تربت على العداء لسوريا من مدخل التشبُّع بالقطرية، أو بأكاذيب آلة الإعلام الغربي الراسمالي الصهيوني، أو وقفت مواقف وسطية بناء على موتورية حزبية تنظيمية أو فكرية، أو مواقف نقدية بها درجة من إما عدم التدقيق أو تلافي نقد المركزانية اليسارية الغربية. وهذا الأخير ربما موقف الزميل المفكرسمير أمين.

في ما اطلعت عليه من إنتاج سمير أمين في المسألة القومية وخاصة المسألة القومية العربية، ظل يقف إلى حد كبير رافضا لها، وفي افضل مواقفه متذبذبا وغامضاً. هذا رغم وضوح الرؤية لديه طبقيا، وخاصة في الاقتصاد السياسي والنظام الراسمالي العالمي.

لكن، علىى ما يبدو، فإن تجربة الأزمة السورية، وطبقية الاصطفافات وصمود البلد، وتورط أنظمة الريع وطبقات الكمبرادور وافتضاح قوى الدين الإسلامي السياسي دفعت موقفه إلى وضوح وإيجابية أكبر. ونظراً لأهمية سمير أمين، أناقش هنا موقفه من مسألة القومية العربية، وإن كانت المقالة التي كتبها (أنظر أدناه) هي في نقد أو تفنيد القومية في المسألة الكردية.

نشر الزميل سمير أمين مقالة في مجلة مونثلي ريفيو اليسارية، وهو أحد كتابها منذ عقود، مقالة عن الكرد والمسالة الكردية.

http://monthlyreview.org/2016/10/01/the-kurdish-question-then-and-now/.

 قدَّم أمين في هذه المقالة أفكاراً جديدة اضائت على تطورات المسألة الكردية حيث ابانت تفارقا كبيرا بين أهداف وتوجهات كل تجمع كردي في كل من العراق وإيران وسوريا وتركيا. وربما ابرز ما اشار إليه أن “…

حزب العمال الكردستاني يريد دولة ثنائية القومية واشتراكية وديمقراطية”. وهذا ما يفسر علاقة هذا الحزب لسنوات طويلة مع المقاومة الفلسطينية وتلقي مقاتليه التدريب في قواعد المنظمات الفلسطينية في لبنان، ويفسر ايضا احتضان سوريا لزعيمه عبد الله أوجلان بمعنى ان الكرد السوريين لم يعتبرهم حزب العمال هذا جمهوره بالمعنى القومي.

ما يهمني من مقالة سمير أمين هو تعاطيه مع المسألة القومية من منظور أقل عدائية وأكثر تركيزاً مما كان عليه موقفه من المسألة القومية وخاصة القومية العربية.

المفكر سمير أمين نتاج تجربة طويلة منذ بداياته في الحزب الشيوعي المصري، ثم تأثره بالمدرسة الماوية والتجربة الصينية وصولا إلى علاقاته  مع اليسار العالمي وخاصة الأوروبي.

وهنا أغامر بالاستنتاج بأن هذه التجربة والعلاقات بقدر ما مكَّنت امين في التحليل الاقتصادي السياسي وتماسك موقفه وخاصة فيما يخص التحليل المادي التاريخي وعدم التراجع عن هذا التحليل الذي يؤكد علمية التوجه الإنساني للاشتراكية، ولا يهم متى، فإنها أربكت تفكيره السياسي تجاه الوطن العربي وخاصة تجاه المسألة القومية العربية.

لذا، ظل امين على حافة العروبة، مراوحاً بين اعتبار ان هناك قوميات لكل قطر عربي وخاصة المكتمل كتشكيلة اجتماعية اقتصادية ثقافية اي مصر، وهو في هذا يتقاطع مع أطروحات حزب العمال  الشيوعي المصري المنحل، وبين إخضاع العروبة للإسلام في عملية قراءة معكوسة للتاريخ بتوليد العروبة من الإسلام.

بل ربما اذهب ابعد من هذا بأن أقول أن امين كثيرا ما اربكته الهجمات التروتسكية ضد العروبة والوحدة العربية  مما انتهى به إلى موقف متردد من هذه المسألة، وكأنه يشعر بحرج ناجم عن علاقات او صداقات ما، وبالطبع لم يتنبه إلى الجذر الصهيوني في كثير من المنظمات التروتسكية، ناهيك عن عدائهاللكتلة الاشتراكية وتورطها في العلاقات السرية بافمبريالية وصولا إلى المحافظين الجدد أي الدين المسيحي السياسي.

لكن، في مقالته المشار إليها أعلاه، ينحو سمير أمين منحى جديداً أكثر وضوحاً ويدل في الحقيقة على قدرته على التخلص من إرث ثقيل أربك موقفه من المسألة القومية. وهو ارتباك كنت دائما استغرب وقوعه فيه، وهو ذي نهج مادي وعقل تحليلي متميز، وقريب من المدرسة الماوية وخاصة موقفها من القومية، ناهيك أنه كعربي لم يلتقط أن القومية العربية كمسألة ليست هي الأنظمة التي حكمت باسم القومية العربية، هذا مع انهاـ رغم أخطائها، ظُلمت بمعنى أن الثورة المضادة استخدمت نقدها لهذه الأنظمة للتعتيم على كوارث الأنظمة العربية الرجعية القروسطية الكمبرادورية التابعة والتي ليست صدفة أنها انتهت متصهينة.

يقول أمين في مقالته هذه:

“… في عصر القومية في القرن 19 لم تكن هناك قومية كردية…. القوميات البلقانية  والسورية العربية….. القومية العربية والبلقانية لم يفهمن انهن يدعمن القوى الإمبريالية ضد الباب العالي”.

هنا، ورغم تبنيه موقفاً أكثر وضوحا تجاه القومية العربية عامة والسورية العربية منها، إلا أنه يخلط مسالتين معاً دون مبرر لذلك:

الأولى: حيث يخلط بين المسالة القومية وبين قوى قومية و/أو انظمة قومية الاتجاه.

والثاني: بأن الخلل ليس في توجه هذه القوى قومياً، قوى القرن التاسع عشر، بل في تكتيك التحالف مع الإمبريالية. اي مع استعمار رأسمالي ضد استعمار ما قبل راسمالي إلى حد كبير.

وبالطبع، يكون النقاش، هل كان التحالف ضروريا؟ أم أنه كان على هذه القوى أن تفهم بان الاستعمار العثماني إلى هزيمة وأن عليها أن تجهز نفسها لمقارعة الاستعمار الراسمالي الغربي في مرحلة الإمبريالية؟

هذا ما :

·      لم يتوصل إليه تحليلها

·      أو أن كثيرا من هذه القوى هي اساساً مخترقة من الاستعمار الغربي فلم تصل قامتها إلى الموقف المستقل، ولذا رضيت ب سايكس-بيكو

·      ولذا جرى تنصيبها كحكام على كيانات تابعة وبقيت على ذلك حتى اليوم.

 ورغم أن مقالته هي عن الكرد، إلا أن موقفه تدرَّج إيجابيا من القومية العربية في مقالته المذكورة. ففي  تعداده الإمبراطوريات كتب ” الخلافة العربية الإيرانية”  ثم ذكر “القومية العربية”  وليس القوميات العربية.

بينما لو رجعنا إلى ما كتبه في كتابه “ثورة مصر 2011، ص 225″ في رده على موقفي من المسالة القومية العربية حيث يراوح بين موقف استعلائي مطلق ضد القوميين بقوله: ”  وما أخشاه هو أن الخطاب القومي بصفة عامة (أي أقوال معظم القوميين إن لم يكن جميعها فرداً فرداً) يحل قصة عروبية خرافية محل القصة الخرافية الأخرى الأوروبية التمركز، فهذه الأخيرة في تعبيراتها المتطرفة تُسقط ملاحظاتها لظواهر حقيقية خصَّت الدولة العثمانية المنحطة على ماضي العرب، و”الشرق” بصفة عامة”.

 وبين ما إنتهى إليه في نفس الكتاب بقوله ” فأرجو أن يوجّه القوميون نقدهم (وهو مرحب به) إلى ما كتبته، ولا إلى ما “نسبه” إلي العروبيون. فالقومية العربية بالنسبة إلي هي مشروع يسعى إلى إنجاز الوحدة العربية القادرة على مواجهة تحديات العصر، وليست “واقعاً موروثاً”. هذا هو التباين الحقيقي في تناولنا للمشكلة .”

لا يخفى الفارق بين جملته الأولى التعميمية أي “قصة عروبية خرافية” وجملته الثانية المؤيدة لقومية عربية وحدوية …الخ”.

ولكن،  فإن القوميةالعربية اليوم أبعد وأقدم مما توصل إليه الزميل سمير أمين:

أبعد بمعنى أن الوحدة العربية تشتمل بل وتقوم اساساً اليوم على المصلحة المادية للطبقات الشعبية العربية، اي الأكثرية الشعبية في الوحدة والتحرر والاشتراكية (أنظر عادل سمارة: دفاعا عن دولة الوحدة/ دار الكنوز الأدبية –بيروت  2003).

 وأقدم، لأن الوجود العربي سابق على الإسلام، بل ومن الخطورة بمكان ربط الوجود، أو إن شئت الحضور العربي بالإسلام لأن هذا يأخذنا إلى سلفية دينية وهابية نعاني منها اليوم بالدم ناهيك عن أنها مخالفة للرواية التاريخية وتقترب من الرواية الدينية. ولا يقلل من صحة استنتاجي هذا إذا ما صرخ أمين اليوم قائلا: لا ليس هذا ما اقصد!

بإمكان أمين إنكار وجود موروث عروبي، ولكنه هنا يخالف تماما تاريخية الماركسية، تماما كما يخالف التروتسك تماما هذه التاريخية بتورطهم في اعتبار الكيان الصهيوني امتدادا للقبيلة العبرية قبل ثلاثة آلاف سنة وتنافق لهم الأكاديميا المركزانية الأورو-أميركية.

في رده على ما كتبته ذهب أمين إلى إطراء طرح سلامة كيلة أحد المروجين للحرب على سوريا عبر انتظام الأخير  في معسكر الثورة المضادة بقيادة امريكا وتركيا والوهابية ولكن باسم الماركسية ايضا وبزعم أن الإرهابيين هم ثورة بروليتارية (انظر نقد أمين وردي في كتابي (ثورة مضادة، إرهاصات أم ثورة، منشورات دار فضاءات، عمان 2012 انظر الملحق 1  ص ص 285-290 ). وعلى فرض أن صح الطرح النظري لسلامة كيلة، هل يمكن لأمين أن يشرح لنا موقف صاحبه وموقعه اليوم في قطر؟

 

القوميات الكردية:

لا شك أن أمين يحاول مغادرة القراءات الاستعلائية و/أو الحرفية وخاصة التروتسكية  للمسألة القومية وكذلك من قبل كثير من الماركسيين حيث ذكر في مقالته:

” …يجب ان لا نخلط بين القومية العصرية الضد امبريالية وبالتالي تقدمية، وبين مختلف  التعبيرات للحركات القومية  غير الضد امبريالية سواء كانت مستوحاة وتحت تأثير الطبقات الحاكمة  للأمم الإمبرياليةكالتي في البلقان”.

لست أدري إن كان يقصد أن هناك أمما إمبريالية بكاملها. لكنه صحيح في عدم الخلط بين قومية ضد إمبريالية وأخرى ليست ضد إمبريالية.  ولكن أمين لا يدفع موقفه إلى مداه الضروري وهو أن القوميات الخاضعة للاستعمار، وخاصة  العربية الخاضعة لعدة أشكال من الاستعمار هي تقدمية وثورية. فهل توقف أمين عند “القومية العصرية” كي لا يجد نفسه مضطرا لقول كلمة حق لصالح حزب الله حيث بخل بذلك سابقا؟

  هذا وإن حاول في نفس المقالة الفصل بين: ” الإسلام السياسي وبين الإسلام السياسي الرجعي”.

إن تسمية الإسلام السياسي هي خطاب مركزاني غربي منافق في مستويين:

·       في مستوى علمي بمعنى القبول بتسييس الدين لتبرير تحكمه بالحياة كونه دينا

·      وفي مستوى التغطية على الدين السياسي لدى اليهودية أول دولة تعتمد االهوية الدينية في العصر الحديث، وكذلك التغطية على الدين السياسي/ تسييس الدين في المسيحية  أي “المحافظية الجديدة”،  وبالتالي تحصر تسييس الدين في الإسلام وحده!

أعتقد أن التعبير الأدق هو “الدين السياسي أو تسييس الدين” كأن نقول ” أنظمة وقوى الدين السياسي”.

عود إلى القومية، فقد اثبتت تجارب النضالات ضد الاستعمار أن القومية كاية فكرة أو حتى مشروع يمكن استخدامها كأداة تحرر أو أداة تبعية.

فالطبقات الحاكمة في الوطن العربي تزعم انها قومية ولكنها تابعة وقطرية وتعيش ببقاء التجزئة، بينما قومية الطبقات الشعبية هي القومية الكامنة ذات المصلحة في التحرر والوحدة والاشتراكية (أنظر كتابي دفاعا عن دولة الوحدة 2003).

ينتقد أمين، بحق، قومية الكرد بأنها ليست ضد إمبريالية. وأعتقد أن هذه النقطة ايضا بحاجة إلى تطوير، كي تكتمل على صعيد عالمي. فلا يكفي التصنيف ضد الإمبريالية او معها، وإن كان التصنيف صحيحا.

لقد هيمن الخطاب المركزاني الأوروبي في مستويات عدة منها المسالة القومية حيث حشر تاريخ البشرية قوميا في ما اسماه عصر القوميات أي منتصف القرن التاسع عشر حاصرا الأمر في التطورات الاجتماعية الاقتصادية لأوروبا الغربية.

إن ما أُسمي زورا وتكبراً ب “عصر القوميات” لا ينطبق إلا على أوروبا المركز الراسمالي الغربي وليس على العالم بأسره. فعصر القوميات في أوروبا الغربية هو الموجة القومية الأولى التي قادتخا البرجوازية هناك والتي كتب ماركس نقده اللاذع  فيها نفسها. لكن مشكلة مقرئي ماركس من متتلمذين وبسطاء وخبثاء سحبوا هذا النقد ليعمموه على المسألة القومية في كل عصر وموقف.  إنها القومية البرجوازية لدول بل أمم أوروبا الغربية هي التي لعبت دورا استعماريا مُهلكا للبشرية. ولعله من المضحك أن كثيرين لا يزالون ينطمون الغزل الإنساني في الثورة الفرنسية  التي اسست لفرنسا الاستعمارية مأخوذين بها كثروة متعامين عن نتاجها الاستعماري! بينما الموجة القومية الثانية هي تحررية في المحيط وإن لم تكن جذرية بما يقود إلى القطيعة مع المركز الراسمالي العالمي فانكفأت في كثير من بلدان العالم إلى تابعة تقودها طبقات الراسمالية الكمبرادورية. أما ما حصل في حقبة العولمة وبعد تفكك الكتلة الشرقية، فهي الموجة القومية الثالثة التي بدأت تابعة وتصنيع مزدوج بين الإمبريالية وشرائح كمبرادورية لبنى إثنية وقومية غير مكتملة الملامح ولكن مكتملة الجاهزية لتكون أداة للإمبريالية.

إن ما تسمى القومية الكردية اليوم هي من الموجة الثالثة هذه. وأوضح تمظهراتها حكم عشيرة البرازاني لكرد العراق، وهي النظام الذي لا يفتح منطقته للكيان الصهيوني وحسب، بل يسرِّبهم إلى كل الجسد العراقي (انظر فضيحة نقله قبل ايام لفريق القناة العاشرة الصهيونية من كردستان العراق إلى البصرة) ، وجماعة صالح مسلم في سوريا الذين تتم تزجيتهم بين مخالب امريكا، وروسيا، والكيان الصهيوني وتركيا.

لقد ربط أمين حراك الكرد: “… بدعم واشنطن لهم في سوريا والعراق… وتوصل إلى أن قوميتهم ليست ضد إمبريالية” ، وهذا صحيح اليوم فيما يخص الموجة “القومية” الثالثة كتصنيع إمبريالي، ، لكنه لم ينتبه إلى علاقات مصطفى البرازاني بالكيان الصهيوني وأمريكا منذ خمسينيات القرن العشرين.

لقد كانت إشارة أمين إلى: “… لا توجد لغة كردية بل لغات متقاربة متجاورة” هي إشارة  دقيقة وهامة مما يؤكد توزعهم حسب البلدان التي هم فيها، وينفي وجود مشترك قومي حقيقي بينهم، إلى أن يصل إلى الاستنتاج بأن : “… العرب والفرس جددوا قومياتهم  عصرنوها الكرد لا” وهذا ما أوصله إلى نتيجتين إيجابيتين:

·      إقراره بوضوح أكثر بالقومية العربية

·       دعوته القوميات الكردية  لتناضل مع العرب والإيرانيين ضد الامبريالية.

وهذا موقف متقدم على طريق تقويض السيطرة الإمبريالية على المنطقة، وإن كان ربما بالصدفة، لم يُشر  ولو بكلمة إلى دور الكيان الصهيوني وهو إغفال في غير محله لأن الحضور الإمبريالي الوحشي للكيان الصهيوني لا يمكن نسيانه.

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة “كنعان” الإلكترونية أو محرريها ولا موقع “كنعان” أو محرريه.