تراخي الإمبريالية، خلط ترامب ببوتين والفاشية بالشعبوية

عادل سمارة

مناسب أن نبدأ  القول بالمفارقة التالية:

·      منذ احتلال العدو الأمريكي للعراق 2003 بدأت تتضح ومن ثم تتعمق أزمة هذا العدو مع حلول ازمة 2008 الاقتصادية المالية وهو ما آل إلى تراخي قبضة هذه الإمبراطورية.

·      وهذا يعني بالضرورة وبتجارب الأمم النامية فرصة لاستغلال ذلك التراخي لبناء اقتصادات محلية تتجاوز التبعية نحو فك الارتباط.

يبين عدم استغلال هذه الفرصة كم كانت معظم الأنظمة العربية مثابة خائنة للشعب. فهي لم تكتفي بعدم اقتناص فرصة التراخي بل دفعت ووظفت فائضَيْها في خدمة العدو:

·      وظفت فائضها المالي لإنقاذ اقتصاد العدو الراسمالي الغربي سواء كسيولة أو شراء صفقات السلاح

·      وجندث فائضها البشري في ما نسميه الجيش الأمريكي الثالث اي منظمات الدين السياسي الإرهابي التي أتت إلينا بالذبخ!

لذا، ليس دقيقا أن فوز ترامب كان ضربة ساحر بل هو تطور طبيعي لمناخات داخلية وخارجية أنتجته. لكن المفاجىء تلك الضجة المفتعلة والمنافقة التي تزعم الحرص على الإنسانية وعلى حقوق النساء والفقراء والملونين في أمريكا، وكأن كلينتون كانت ستحِّول لهم السمن والعسل. لعل ذلك كما قال الشاعر دوقلة المنبجي:

ضِدان لما استُجمعا حسنا…والضد يظهر حسنة الضدُّ.

هنا الذي يظهر هو القبح لا شك. ربما لم يبق أي مجال في علم الاجتماع إلا وتم تسخيره ضد ترامب: الاقتصاد، والمرأة والمثليين، والفاشية والسياسة بالطبع.

وإذا كان موقفه من سوريا لافتاً، وإن كان بلا رصيد بعد، ولا يؤكد إنزياحا حقيقيا عن سياسة اسلافه مما يجعل ابتهاج سوريين ضرباً من الذهنية والخطاب التابعين،  فإن موقفه من روسيا مقلق لمراكز القوى في امريكا والغرب الراسمالي بشكل عام.

أوروبا قلقة من تفكير ترامب بترك أو تقليص دور بلاده في الأطلسي. وهنا يمكننا فهم قلق اوروبا التي كانت منذ الحرب الإمبريالية الثانية كانت بين:

·      من يتكىء على أمريكا لمواجهة الخطر المزعوم من الكتلة الاشتراكية

·      أو غدت مثابة مستعمرة  او محمية امريكية.

يصرخ اليمين في  أوروبا اليوم بأنها وجدت نفسها بحاجة لجيش يحميها طالما قد يتقلص دور أمريكا في الأطلسي من جهة ولكي تتمكن بهذا الجيش من التدخل الخارجي من جهة ثانية. وهذا موقف يكشف عدم تخلي العجوز عن ممارسة الجريمة/الرذيلة التاريخية اي الاستعمار. كما أن تصنيع عدو روسي شبيه بقيام حكام النفط العرب بتصنيع عدو إيراني.
أما اليسار، فهو من الضعف بمكان بحيث هو ملحقا باليمين ويصرخ معه. وهذا يسمح لنا التساؤل: هل هناك يسارا في اوروبا؟ أو هل الفارق بين يسار أوروبا ويمينها أوسع منه بين يسار ويمين الكيان الصهيوني؟ ما الفارق بين أولاند أو بلير وبين شمعون بيرس؟ وهذا ينفي قيمة فزاعة “اليسار” الأوروبي من صعود اليمين في أوروبا على أثر فوز ترامب بمعنى قصقصة الحريات ومضايقة الأقليات والمهاجرين…الخ. ورغم أن هذه درجة من الانحطاط، ولكن لماذا لا تنشغل أوروبا وأمريكا بإشكالات داخلية؟ لعل هذا تراخِ آخر هو لصالحنا، اللهم إلا إذا تُرجم إلى عدوان خارجي للتنفيس. وهذا يؤكد أن الراسمالية الغربية عدو في كافة ظروفها، في الأزمة والازدهار على حد سواء.

في مقلب آخر، يثرثر بعض اليسار الكوزموبوليتي بأن ما يحصل في الغرب، أي صعود اليمين هو حالة فاشية. وهذا من نافل القول. ولكن في الوقت نفسه هو تعبير عن أزمة الثورة العالمية  من جهة وتعبير موضوعي عن أن الدولة القومية لم تمت. وهذا يطرح السؤال التقليدي في البيان الشيوعي بان العبور إلى الاشتراكية يحتاج العبور بدولة قومية قوية. وهذا ربما  ما يجب على اليسار القتال من أجلة بمواجهة الفاشية وليس بالتباكي على كلينتون.

الشعبوية والفاشية:

لقد تم الاتكاء من معارضي ترامب بانواعهم، على استعادة مصطلحات الفاشية والشعبوية وخلطهما معا،  في محاولة لعقد تشابه بينه وبين الرئيس الروسي بوتين. وفي المقلب الآخر ذهب كثيرون إلى وصفه بأنه شبيه جورباتشوف الذي فككت سياساته أو مشروعه السياسي كامل الاتحادالسوفييتي. وبالطبع ما من مؤشرات حقيقية على انزياح فعلي عن “ثوابت” السياسة الأمريكية بعد.

بداية، ليس شرطا أن تكون الشعبوية فاشية كما يتورط كتاب عرباً في نقل الخطاب المركزاني أو الغربي عموما. ولنقل على الأقل ليس شرطا ان تكون الشعبوية في المحيط (العالم الثالث) نسخة عن الشعبوية في المركز الراسمالي العالمي ولا نسخة عن الفاشية بما هي اساساًإحدى تمظهرات الراسمالية المأزومة. .

يعيدنا هذا إلى موقف المنظرين الغربيين في حق  قيادات حركات التحرر الوطني التي هي الموجة القومية الثانية في العالم؟ وهي موجة قومية/ وطنية ثورية راديكالية ضد الاستعمار لكنها ليست شرطا فاشية. وكثيراً ما أُطلق هذا الوصف على كل من مصر الناصرية والأرجنتين البيرونية. وبالطبع كان التوجه الاقتصادي لهذه الشعبويات هو استراتيجية “إحلال الواردات” كي يتم اكثر وأرقى تصنيع ممكن محليا.  وهي سياسات او استراتيجيات كان لا بد للغرب من تقويضها لأنها تمس مصالحه الاقتصادية وليس لأنها “شوفينية” كما زعمت الإمبرياليات.

بل ليس من السهل وصف سياسات ترامب بالشعبوية، بمعنى انها أقل من ذلك تقدميا، سواء لأن لا شيىء واضح بعد ولأن ترامب هو ايضا أبن وحليف الراسمالية الأمريكية التي ، على الأقل كما يقول ترامب تدفع باتجاه:

·      حرية التجارة

·      وحماية الأسواق المحلية

وهذه سياسة كلاسيكية راسمالية دائمة يمكن ان تتقاطع حين الأزمة مع الفاشية أكثر منها مع الشعبوية.

ولا ننسى ابدا ان رأسمالية المركز هي دائما ما تثرثر عن حرية السوق بينما تمارس عمليا الحماية الاقتصادية! إنها أكذوبة اللغو الإمبريالي عن حرية السوق. بكلام آخر، فالمركز يطالب بحرية بيع منتجاته وبحماية أسواقه في نفس الوقت بمعنى أن الانفتاح يجب ان يكون حال اسواق المحيط.

ليس صحيحا وصف رغبة ترامب بإرجاع الشركات الأمريكية كي تنقل أعمالها من الصين إلى أمريكا بانها سياسة شعبوية/شوفينية قومية مغلقة. بل هي بمفهوم السوق سياسة برجوازية حمائية كما هو جوهر الرأسمالية اقتصاديا. وبمعنى آخر فإن سياسة ترامب هي إلى حد كبير  تعبير عن أزمة راس المال غير  الممولن؟ اي الانحياز لراس المال الإنتاجي. وهنا تحديدا يتقاطع مع سياسة بوتين. وعليه يكون وصفه بوتينيُّ التوجه هو من باب انحيازه للبرجوازية الصناعية والزراعية الإنتاجية وليس من باب كونه شوفيني أم لا، أو من باب ان بوتين شيوعي كما يصفه غُلاة الإمبريالية.

وليس شرطا أن إرجاع الشركات إلى البلد الأم هو فقط لصالح العمال حيث البطالة متزايدة؟ وهذا ما يرتكز علية معارضوه بانه شعبويا. فالشركات إن عادت إلى امريكا فهذا أساساً  لصالح قطاع من الطبقة الراسمالية الأمريكية فهو قد وعدها بتخفيض كبير في الضرائب وهي السياسة التي لم يركز عليها سابقوه.

وإذا كانت سياسة ترامب في خدمة الطبقة الراسمالية والطبقة العاملة، فهل هي ضد الطبقة الوسطى؟ أم أن الانتعاش الاقتصادي بنشاط انتاجي افضل وتشغيل اعلى هو الذي يعيد للوسطى توسعها؟ وهي السياسة التي إن نجحت هي التي ستخلق له الطبقة الوسطى التي تحتضن أو تولد الشعبوية، وبالطبع ليس شرطا دائما هذا.

إن حصل هذا سيكون على حساب الصين التي تشكل المنافس الاقتصادي لأمريكا. وهو في هذه الحالة يختار الحرب الاقتصادية وليس العسكرية كما كان يحاول تحالف را س المال المالي/المضارباتي والمجمع الصناعي العسكري كحلفاء لثنائي أوباما-كلينتون. واختياره هذا ناجم عن  ما أشرنا إليه أعلاه، اي العجز عن شن الحروب وليس تأدب راس المال.

إن نجحت سياسة ترامب، فهو يحاول إنعاش رأس المال الصناعي الإنتاجي على حساب راس المال المالي في حالته الممولنة Financilization . وهو بهذا لا ينغلق عن السوق العالمي بل يعود إليها بقوة إنتاجية.

وفي هذه يتقاطع ترامب مع بوتين، اي التحالف مع راس المال الإنتاجي أكثر منه مع المالي.

بمعنى انه من الطبقة نفسها، ولكن ربما يختلف تحالفه من شريحة إلى شريحة أخرى وهذا يفتح على مسألة نظرية تمت الكتابة فيها منذ زمن بمعنى أنه داخل الطبقة الواحدة توجد شرائح تتناقض مصالحها مع مصالح شريحة أخرى من نفس الطبقة. لقد تحدث جيدا عن هذا نيكوس بولنتزاس في سبعينات القرن العشرين قبل ان ينتحر في سن مبكرة.

ما نقصده أن ترامب يتقاطع مع بوتين ولكن ليس شرطا أنه مبهور أو تابع لبوتين كما حاول خصومه ومنهم منظمة الأنجزة الأخطر (موف أون Move-on وكأنها ترجمة للشعار الصهيوني كاديما أي إلى الأمام أو تقدم) التي يمولها المضارب الكبير اليهودي البلغاري جورج شورش. وقد يكون هذا الاستشراس المعلن من ملك المضاربات المعولم اوضح دليل على أن هدف شورش ليس الحريات بل حرية نقل معظم السيولة المالية إلى القطاع غير المنتج بل وضعية مالٌ يولد مالاً.

إن اختيار ترامب جوانب من سياسات بوتين القومية/الوطنية في الاقتصاد وليست السياسات الاقتصادية الحربية في الخارج هي نتاج معرفة معسكر ترامب أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة اقتصاديا على فتح حروب في الخارج. وذلك ليس فقط لوجود اقطاب بل هو غالبا لعدم القدرة. ومن هنا، فليس شرطا أن يقول ترامب :”نحن لا يمكننا الشروع في حروب” كي لا يهز علانية صورة بلاده، أو “يهز كتفيه في استسلام” كما كتب الاقتصادي البرجوازي جوزيف شومبيتر في منتصف القرن الماضي عن الراسمالية حين كانت الاشتراكية في صعود .

وليس شرطا أن ترامب سوف يختار أطروحات الاقتصادي الأمريكي (هوبسن) قبل اكثر من مئة عام الذي نادي برأسمالية قومية أي غير استعمارية تعمل في البلد ووقف ضد الإمبريالية وخاصة في وصفه لحرب البوير في جنوب إفريقيا 1895 بأنها حرب إمبريالية متوحشة. وهو ما تأثر به لينين.

كما أن ترامب ليس تماما ممن يتبنى تحليلات الاقتصادي الأمريكي  من أصل الماني، جوزيف شومبيتر الذي دافع عن إمكانية او قدرة امريكا على الانعزال نظرا لإمكاناتها الهائلة حتى وهي تتمتع اليوم بكفاية نفطية، لأن امريكا تبقى اساس مرحلة العولمة او الراسمالية المعولمة. ولكن الانسحاب النسبي إلى الداخل هو قرار حمائي وتكتيكي مؤقت.

من “إبداعات” الرئيس الأمريكي الجديد استبدال احتلال بلدان بحماية توابع وفي الحالتين ربحاً للرأسمالية الأمريكية. فبدل أن يحارب إيران، سوف يطالب حكام النفط العرب بدفع مبالغ أعلى مقابل الحماية الأمريكية. إنها سياسة تصنيع العدو الإيراني كمبرر للاستحلاب. ربما يحث إيران أن تطالب امريكا بحصة مما تربح مقابل استخدامها فزاعة ضد الخليج.

وبهذا، فهو يستفيد من جزء من سياسة أوباما اي إنشاء الجيش الأمريكي الثالث (قوى الدين السياسي) من جهة، ويحافظ على توتر هادىء مع إيران كما فعل أوباما، وفي الوقت نفسه يبتز حكام النفط ماليا ويبيعهم السلاح. وهذا يعني أنه إذا كان ترامب مع اجتثاث داعش فهو ليس مع اجتثاث مختلف منظمات الإرهاب.

وإذا كانت أولويته الخارجية تصفية داعش وليس سوريا، فذلك لا يعني أن النظام والمصالح الأمريكية والشبق الصهيوني لدم سوريا قد توقف.

ولعل الدرس المستفاد هو: كيف نعمل على استعادة المشروع العروبي على اسس جذرية وعلمية وكفاحية وعلمانية في الحد الأدنى؟

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة “كنعان” الإلكترونية أو محرريها ولا موقع “كنعان” أو محرريه.