تونس – دعم جمعية “حماية واحات جمْنَة”

“جمنة” هو أسم لقرية في الجنوب الغربي (تونس)، تنتج واحتها تمورا من صنف “دقلة”، لا توجد سوى في العراق والجزائر وتونس وأصبحت أمريكا تنتجها أيضًا في كاليفورنيا.

كان الجنوب التونسي تحت الحكم العسكري خلال فترة الإستعمار الفرنسي (1881 – 1956) وكان عدد المُسْتَعْمرين المدنيين الأوروبيين قليلا، بل نادرًا، واستولى أحدهم (بدعم سلطات الإستعمار) على واحة “جمنة” من أصحابها، وأسَّسَ شركة تحت اسم “سْكَاسْت” تستغل هذه الواحة… استولت الدولة على الواحة بعد 1956 بواسطة الشركة الوطنية لصناعة الحليب “ستيل”، رغم مطالبة أصحاب الأرض باستعادة واحتهم، وأودعوا مبلغًا ماليًّا لإعادة شراء أرضهم، لكن الدولة لم تستجب لطلبهم، بل عمدت إلى التفريط في الواحة إلى مُقاوِلَيْن من المُقَرَّبِين للحكم، بعد خصخصة شركة “ستيل” وتقسيمها وإفلاسها، وظل أصحاب الأرض يُطالبون بها واستعادوها في تظاهرة جماعية شعبية خلال انتفاضة 2010-2011، قبل فِرار زين العابدين بن علي بثلاثة أيام، وأسسوا جمعية تُمثِّلُ أصحاب الأرض والعمال وأهالي القرية تُشْرِفُ (بشكل تطوعي) على إدارة الواحة وعلى الإنتاج والتَّسْوِيق، وساعدت الجمعية في إنجاز عدد هامٍّ من المشاريع ذات الصبغة الإجتماعية في منطقة الجنوب الغربي… استهدفت الحكومات المتعاقبة هذه الجمعية وتجربتها الرائدة وحاربتها بكافة الأشكال، ولكن الحكومة الحالية التي يرأسها موظف سابق في الإدارة الأمريكية، وفي سفارتها بتونس، فاقت الحكومات السابقة في عدائها لهذه الجمعية (وفي عدائها للعمال والفقراء والمُنْتِجين) فعمدت إلى تجميد الحسابات المصرفية للجمعية وللتجار الذين اشتروا محاصيل التمور… لكن ذلك لم يحد من إشعاع الجمعية وجماهيريتها، بل أصبحت التجربة مشهورة في تونس وفي بعض البلدان الأخرى…

الطاهر المُعِز

16/11/2016

■ ■ ■

“جمّنة”: آراء في تعميم تجربة التسيير الذاتي

القطاف في جمّنة / من صفحة “جمعية نخلة”

بماذا تمتاز تجربة جمنة 
في المنوال التنموي الذي يعتمد الاقتصاد التضامني الاجتماعي، عادةً ما يتقاسَم عُمال التعاونية ومُسيّروها الأرباحَ ولا تثريبَ عليهم، فهم متضامنون من أجل خدمة مصالحهم الخاصة لا غير، أو على الأقل يتقاضون أجورًا نسبيًّا محترمة حسب حجم الأرباح. على حد علمي لم أسمع بمسيِّرِي تعاونية اقتصاد تضامني اجتماعي في العالَمِ أجمعِ عملوا طيلة ست سنوات دون أجرٍ. لله درّكم أبطال جمنة! أما في جمنة، فأشهد على شرفي أن كل أرباح واحة ستيل بجمنة (ملك عمومي مشترك بين جميع أهالي جمنة. لم أقل ملك الدولة) تُصرَف لفائدة مؤسسات عمومية في جمنة وفي مُدُنِ ولاية ڤبلي (المدرسة الابتدائية، المعهد، البلدية، المستوصف، المركز، مدرسة المعوقين، جمعية الطفل المتوحد بڤبلي وجمعيات خيرية وثقافية بالولاية) ولا يأخذ منها عمال الواحة المباشرون إلا أجورهم. أما مسيّرو الواحة الحاليّون، أعضاء جمعية حماية واحات جمنة، فهم متطوعون على مدى ست سنوات مَضَتْ من أجل خدمة الصالح العام. وخِلافًا لعمال التعاونيات المعهودة، اكتفى عمال الواحة بما يسد رمقهم من أجورٍ زهيدةٍ (SMAG)، ولم يطالبوا بتقاسم الأرباح المراكَمة من عرق جِباهِهِم، ولم يفعلوا مثل ما فعل زملاؤهم في التعاونيات الأخرى، فَصَحَّ فيهم قوله تعالَى: “وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ” وهم فعلاً في خصاصةٍ، مثل العامل نجاح حميد وزملائه الــ132 المناضلين المحترمين الذين لم نوفِهم إعلاميًّا حقهم في الاعتراف بمساهماتهم الجبّارة في إنجاح تجربة جمنة، ولولا شجاعتِهِم وتضحياتِهم لَما صمدنا طيلة ست سنوات ضد هجمة الدولة الليبرالية الشرسة المتوحشة.
خاتمة: يبدو لي أن تجربة جمنة هي ابتكارٌ من إبداع مواطنين جمنين لم يسبقهم إليه أحدٌ. تجربةٌ تمتاز على الاقتصاد التضامني الاجتماعي بالنبل الإنساني متمثلاً في التطوع لخدمة المصلحة العامة وتفضيلها على الربح الخاص المشروع شرعًا وقانونًا.
ملاحظة منهجية: لستُ مختصا في الاقتصاد التضامني الاجتماعي، لكنني أعرف أبناء مسقط رأسي جيدًا وأؤكد لكم أنهم رضعوا في حليب أمهاتهم حب التطوع خدمة للقريبِ والجارِ والضيفِ وعابرِ السبيلِ.
إمضائي يطلب الداعية السياسي أو الفكري من قرائه أن يصدقوه و يثقوا في خطابه أما أنا واقتداء بالمنهج العلمي أرجو من قرائي الشك في كل ما أطرح من إشكاليات وأنتظر منهم النقد المفيد.
لا أقصد فرض رأيي عليكم بالأمثلة والبراهين بل أدعوكم بكل تواضع إلى تجريب وجهة نظر أخرى وعلى كل مقال يصدر عَنِّي قد يبدو لكم ناقصا أو سيئا نرد بمقال كامل أو جيد، لا بالعنف اللفظي.

وإذا كانت كلماتي لا تبلغ فهمك فدعها إلى فجر آخر” (جبران) تاريخ أول نشر على النت: حمام الشط، السبت 5 نوفمبر 2016.

***

لماذا يجب تعميم تجربة جمنة؟ 

تعميم تجربة جمّنة ستكون هي وحدها الإمكانية الكفيلة بحمايتها من أنياب مافيات رأس المال وبيروقراطية دولة اللصوص. حيتان القرش الكبيرة الممسكة بشرايين الاقتصاد وبدواليب الدولة سيجدون ألف طريقة وطريقة لمحاصرة التجربة وتجفيف منابعها وخنقها لو بقيت معزولة. في الأرجنتين في التسعينات واجه الخدامة والمعطلون الذين استولوا على عديد المعامل والمصانع وقاموا بإدارتها وتسييرها ذاتيا حصار الكارتيلات الاقتصادية الرأسمالية عبر حرب استنزاف كبيرة ضدهم انتهت بإغراق مشاريع التسيير الذاتي الاقتصادية في عجز وعدم قدرة على الإنتاج والترويج انتهى بضمور هذه المشاريع ثم باضمحلالها. مثال الأرجنتين مثال يؤكد أن مافيات رأس المال سوف لن يتركوا تجربة جمنة تتطور وتنافس وتشعّ وستجد المافيا ألف طريقة وطريقة لمحاصرة التجربة وخنقها.
تجربة جمنة أعادت المعركة إلى قاعدتها الطبقية معركة الأغلبية المجردة من ثرواتها ضد الأقلية الفاسدة المستولية على هذه الثروات تحت عناوين متعددة ولأنها يجب أن تتواصل وتستمر وتنجح يجب أن تُعمم وتنتشر .
هذا هو التحدي الأكبر الذي تواجهه تجربة جمنة.
هذا هو التحدي الأكبر لمواصلة المقاومة على قاعدة مهام 17 كانون الأول / ديسمبر الثوري.
ليس هناك من خيار آخر أمام الجماهير في حربها الدائمة مع نظام رأس المال ومافياته سوى الانتظام الذاتي والاستقلال تنظيميا وسياسيا عن النظام و أجهزته من أجل تحقيق مهام ملموسة عبر الإدارة والتسيير الذاتيين لتحقيق السيادة على القرار والثروات والموارد والتخطيط .
هذه هي معركتنا أمس واليوم وغدا.

التسيير الذاتي بديل الفوضى الرأسمالية
التسيير الذاتي بديل الإدارة البيروقراطية
التسيير الذاتي بديل السلطة الفاسدة ضيعة نخيل في الجنوب التونسي تمكن العاملون فيها من استردادها من متسوغها سنة 2011 وانطلقوا في تسييرها ذاتيا عبر جمعية كونوها للغرض وهي تشغل حاليا 130 عاملا وقد حققوا منذ العام الأول في إدارة عملية إنتاجها أرباحا كبيرة استثمروها في تنمية الجهة وفي تحسين عملية الإنتاج وتواجه التجربة حاليا حصارا من الحكومة لإعادة بسط نفوذها عليها بوصفها كما تدّعي “ملكا للدولة”

بشير الحامدي 10 أكتوبر 2016

 

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة “كنعان” الإلكترونية أو محرريها ولا موقع “كنعان” أو محرريه.