كنعان” تتابع نشر كتاب ” نحن صنعنا تشافيز: تاريخ شعبي للثورة الفنزويلية”

·      دراسة فكرية نظرية سياسة للتجربةالفنزولية

مقدمة

أيُّ شعبٍ وتاريخُ من؟

الشعبُ شاعرٌ يُغنِّي لصَلاتِه،

بالرغمِ من أنّ مسبحةً من حزنٍ تتدلَّى على صدرِه.

علينا أن نشحذَ غايتَنا وممارسةَ هدفِنا

ورغمَ نبسِه بكلماتٍ قبيحةٍ، فللشعبِ الحقُّ

وهو ما لا يُغضبُني، لكنّها الحقيقةُ الخالصة:

ما من كلمةٍ أقبحُ من هذا المجتمع.

(علي بريميرا)(*)

من أنتم، وماذا تفعلون هنا؟

حين بلغنا “لا بْييِدْريتا”، كانوا قد عرفوا أننا قادمون. فلو لم يكن من مهاتفةٍ وصلتهم من رفيقٍ موثوقٍ به، فمِن كَمَرةِ الفيديو التي تُزنِّرُ محيطَ هذه المنطقةِ الثوريةِ التي، بما يُثيرُ الغَيْرةَ، تحمي استقلالَها عن الحكوماتِ كلِّها، اليمينيةِ منها واليسارية. فإن لم يكن من الكَمَرات، فمن شبكةِ العيونِ المنتشرةِ بين الجماعة، المتيقظةِ دوماً للأشخاصِ غيرِ المعروفين. فإن لم يكن من كلِّ هذا، فقطعاً من الحارسِ القابعِ فوق الدرَجِ المتهالكِ الذي يتصاعدَ من موقفِ السياراتِ في مجمعِ الشُّققِ إلى الخليطِ الفوضويِّ من الأزقةِ في الخلف. حيّانا الحارسُ بفوهةِ مُسدسٍ ذي عيارِ تسعةِ مليمتراتٍ وبسؤالٍ حادٍّ: “من أنتم، وماذا تفعلون هنا؟” ولو لم نُحِرْ جواباً مناسباً للسؤال، فقد نستثيرُ مشكلة. لكنّ جوابَنا كان جيداً حقاً؛ أجبنا بكلمتين اثنتين: “فالَنْتين سانتانا.”

قبل ذلك ببضعِ دقائق، كنتُ ومصوِّري نستمتعُ بغسقِ حزيرانَ الدافئِ على بُعدِ بضعِ كتلٍ بنائيةٍ في الأسفل، بالقربِ من حديقةٍ صغيرةٍ في حيِّ مونتي بيداد من 23 دي إنيرو، وهو المعروفُ بالمنطقةِ الثوريةِ من كَاراكاسَ الغربيةِ الجاثمُ بشكلٍ خطرٍ فوق قصرِ ميرافْلورِس، المقرِّ الاسميِّ لسلطةِ الدولة. حين أثار صديقٌ جديدٌ السؤالَ عن سببِ وجودِنا هناك، كنا نُدردشُ، ونضحكُ، ونحتسي الجعةَ والميشي – وهو، على نحوٍ مُذهل، مشروبٌ ناريٌّ قويٌّ مَحَلِّيُّ الصنعِ، مُقطَّرٌ من قصبِ السكر – بينما كان الآخرون يلعبون الدومينو. لقد جئنا لفهم الجماعاتِ الثوريةِ التي تُشكِّلُ القاعدةَ الأكثرَ جذريةً لدعمِ الرئيسِ الفنزوليِّ هوغو تشافيز، ولإدراكِ رؤيتِها السياسيةِ وعلاقتِها المتوترةِ غالباً بعمليةِ التحوُّلِ السياسيِّ المعروفةِ باسم الثورة البوليفارية. هل ذهبنا إلى “لا بْيِيدْريتا”؟ لا، لم نفعل. كان مَن أقامَ صلتَنا بالجماعةِ يُحدِّق برهبةٍ إلى الجدارياتِ القريبةِ المحيطةِ بمنطقةِ نفوذِهم، التي كانت أشدَّها إثارةً الصورةُ الضخمةُ للسيدِ المسيحِ وهو يحمل رشّاشَ كَلاشْنِكوف، وعليها عبارة تقول، “المسيحُ يدعمُ الكفاحَ المسلح.”

“حسناً، ينبغي عليكم أنْ تُقابلوا فالَنْتين.” هكذا أصرّ هذا الصديقُ الجديدُ، وقد عرفتُ فوراً من الذي قصده. فالَنْتين سانتانا هو القائدُ التاريخيُّ الرمزُ، عضوُ “لا بْيِيِدْريتا” الأكثرُ شعبية. بعد بضعِ مكالماتٍ هاتفيةٍ عصبيةٍ تكرَّرَ فيها رفضُ زيارتِنا المقترَحةِ، أثمرَ إصرارُنا وسُمحَ لنا بأنْ نتوجَّهَ إلى “لا بْيِيدْريتا”. أخذنا نصعدُ، متجاوزين الكتلَ البنائيةَ 5 و6 و7 من 23 دي إنيرو. بعد ذلك، قادتنا الأبراجُ ذاتُ الألوانِ المتعددةِ المشهورةُ بها تلك المنطقةُ إلى كتلٍ بنائيةٍ أقصرَ مُجمَّعةٍ تجميعاً مُحكَماً لتكوِّنَ مُربَّعاتٍ كبيرةً مُغلَقةً هي، من منظور عسكريٍّ، أسهلُ للدفاع عنها.[i]

كانوا يعرفون أننا قادمون، مع هذا تصنّعوا المفاجأةَ والتهيُّؤَ العدائيَّ والانضباطَ العسكريّ. هنا، بينما كانت البندقيةُ مصوَّبةً إلى صدري، لم أستطعْ إلا أنْ اشعرَ وكأنني هيربِرْت ماثيوز([1]) في جبال سْييرا مايسْتْرا (الحقيقة أن “لا بْيِيدْريتا” تُجاورُ قطاعَ سْييرا مايسْتْرا في 23 دي إنيرو). وحسبَ القصةِ الخاطئة، كان ماثيوز قد خدعه فِدِل كاسْتْرو، قائدُ المغاويرِ الكوبيين، الذي قيل إنه عام 1957 سيَّرَ عدداً صغيراً من الجنود في دوائرَ أمام الصحفيِّ في جريدة نيويورك تايمز كي يوهمَه بكثرةِ قواتِه. وبالرغم من تهافتِ مصداقيةِ هذا الوصفِ للأحداث، غدا اسمُ ماثيوز مرادفاً للسذاجةِ الصحفية.[ii] وعلى الرغمِ من هذا الدرس، لم ينحسرْ مسرحُ حربِ الغِوارِ، بل شغلته حركاتٌ ثوريةٌ – من السانْدِنِسْتيين إلى الزباتيين وما بعدهما – تخوضُ معاركها باضطرادٍ في وسائلِ الإعلام، ومثلُها القوى الرجعيةُ التي تُنظمُ صفوفَها ضدها. لكنْ، إذ أجلسُ هنا أشاهدُ عرضاً شبيها، لمعتْ ببالي خاطرةٌ أنّ الانفصامَ بين الصورةِ والحقيقة ضعيف، وأنّ ضبطَ المظاهرِ هو المعادلُ الأدائيُّ لضبطِ الواقع. إنّ عرضَ القوةِ لدى “لا بْيِيدْريتا” يتطلبُ النوعَ ذاتَه من الضبطِ المحليِّ التلقائيِّ الذي يسعَى إلى أدائه: أنّ الصورةَ هي الواقع، وأنّ الواقعَ ضربٌ من حكمٍ ذاتيٍّ من قِبَلِ الدولة. وهذا الحكمُ الذاتيُّ ليس محدوداً بالسياقِ الثوريِّ لفنزولا المعاصرة؛ ذلك أن “لا بْيِيدْريتا” تُقاتلُ منذ نيِّفٍ وخمسةٍ وعشرين حولا.

كالجماعاتِ الكثيرةِ المنتشرةِ في الفضاءِ الثوريِّ من كاراكاس الغربية، ظهرت “لا بْيِيدْريتا” كاستجابةٍ مجتمعيةٍ عفويةٍ لجائحةِ تهريب المخدرات. وإذ كانوا شباباً ثوريين – تشرَّبوا تاريخَ النضالِ وعقيدتَه – فقد واجهوا تجارةَ المخدراتِ والدولةَ الفاسدةَ التي ترعاها بعنف (راجع الفصل الثالث). كانت بداياتُ الجماعةِ متواضعةً بعضوٍ واحدٍ (هو سانْتانا نفسُه) كرَّس نفسَه لما أسماه “عمل النمل” (trabajo de hormiga): فقد أصدر نشرةً محليةً كانت تتضمّنُ إشاراتٍ إلى تشي غيفارا ووصفاتٍ وتهانٍ بأعياد الميلاد.[iii] وقد انعكست روحُ التواضعِ عينُها في اختيارِ اسمِهم، الذي يعني “الحصاة” [La Piedrita]، كنوعٍ من المماحكة. لكنْ، سرعانَ ما باتت “لا بْيِيدْريتا” أكثرَ من مماحكة، إذ غدت تعني “الزعرانَ” (malandros) والشرطةَ معا، وقضت كليًّا على تجارةِ المخدراتِ وأجبرت الشرطةَ بشكلٍ فعالٍ على الابتعادِ عن مجتمعِها. واليومَ، نجد وضعَ “لا بْيِيدْريتا” في حكمِها الذاتيِّ مُعبَّراً عنه أفضلَ تعبيرٍ في الشارةِ المرسومةِ باليدِ التي تُحيِّي الزوارَ جميعا: “ههنا تُصدرُ لا بْيِيدْريتا الأوامرَ والحكومةُ تُطيع.” وما هذا بمُبالَغٍ فيه: ذلك أنّ حكومةَ تشافيز أرسلت ذات يومٍ نقيباً من الاحتياطِ العسكريِّ إلى تلك المنطقة، فاعتُقل على الفور. وحين احتجّ ذلك الموظفُ الرسميُّ قائلاً إنه لم يكن هناك إلا ليتدبّرَ سبيلاً ممكناً لهروبِ الرئيسِ إذا تكرر انقلابُ عام 2002،([2]) كان الجوابُ من لدن “لا بْيِيدْريتا” واضحا: ليس للحكومةِ أن تفرضَ علينا شيئاً، بل عليها أن تطلب.

بينما كنتُ أنتظرُ وصولَ سانتانا لمقابلتي، كان الجوُّ في تلك القرنة من 23 دي إنيرو ثقيلاً متوترا. فحين انفجرت قنبلةٌ قبل أوانها في 24 شباط 2008 في أثناء زرعِها خارجَ مكاتبِ غرفةِ التجارةِ الاتحاديةِ ذاتِ التوجهِ الجذريِّ المضادِّ لتشافيز، قررت القوى الحكوميةُ أنّ المقاتلَ الذي قُتل عَرَضاً كان يَعُدُّ هذه المنطقةَ وطنَه.[iv] وبالرغم من أن غرفةَ التجارةِ الاتحاديةَ يزدريها أتباعُ تشافيز كثيراً لمشاركتِها في الانقلابِ العسكريِّ الذي لم يطلْ عام 2002 والذي أُحلَّ فيه محلَّ تشافيز لوقتٍ قصيرٍ رئيسُ تلك الغرفةِ آنذاك، بيدرو كَرْمونا إستانغا (راجع الفصل الثاني)، فإنّ زرعَ المتفجراتِ قد تجاوزَ الحدود. فلأولِ مرةٍ لسنواتٍ عديدة، منذ أن توصّل هؤلاء المغاويرُ المحليون إلى نوعٍ من الهدنةِ مع الولايةِ المركزيةِ، دخلت الشرطةُ إلى المنطقةِ، وفتّشت المنازلَ بحثاً عن المشبوهين المرتبطين بـ”جبهة المغاوير المنتصرين” التي ظهر اسمُها على منشورات وُجدت في المكان. وللكثيرين، ومن ضمنهم فالَنْتين سانتانا ولا بْيِيدْريتا، كانت هذه الغزوةُ غيرُ المرحَّبِ بها هجوماً مفتوحاً على تقليدِهم في الحكمِ الذاتيِّ المحليّ، وقد أجابوا بأنْ جعلوا ذلك الحكمَ الذاتيَّ واضحاً تماما: ففي 3 نيسان، اشترك عديدٌ من جماعاتٍ محليةٍ من ضمنها “لا بْيِيدْريتا” في “حصارٍ مسلحٍ” لـ23 دي إنيرو، وقد ظهروا على الملأ مُقنَّعين ومُدجَّجين بالسلاحِ لإغلاقِ تلك المستوطنةِ بالإطاراتِ المحروقةِ والحواجزِ كتهديدٍ عنيفٍ للحكومة. وقد وبّخهم تشافيز بصرامةٍ في برنامجِه المتلفَز “مرحباً أيها الرئيس”، مُصرًّا على أن “هؤلاء الناسَ لا أراهم ثوريين بل إرهابيين.” بل وصفهم بإنهم باتوا أدواتٍ مخترَقةً لوكالةِ الاستخبارِ المركزية.”[v]

لقد أُخذتُ بهذا القائدِ النضاليِّ الذي يقطرُ كلامُه نعومةً، والذي يبدو، ببشرتِه الفاتحةِ وقبّعتِه العسكريةِ الخضراءِ، أقربَ إلى أعضاءِ الجيشِ الجمهوريِّ الأيرلنديِّ منه إلى المغاويرِ الملتحين الذين شاعت نسبتُهم أكثرَ إلى أمريكا اللاتينية. والآن، يسخرُ سانتانا، إذ يجلسُ على حائطٍ متهافتٍ أمامنا، من أنّ لا بْيِيدْريتا قد تكونُ، من غيرِ قصدٍ، تخدمُ مصالحَ العدوِّ الإمبريالي. مقابلَ ذلك، يشرحُ منجزاتِ المستوطناتِ قائلاً إنهم، بعد القضاءِ على تجارةِ المخدراتِ وما ارتبط بها من عنفٍ، تحوّلوا إلى القضاءِ حتى على سوءِ استخدامِ العقاقيرِ والإدمانِ على الكحول، وهم الآن جاهزون لمواجهةِ العنفِ الداخلي. ومع القضاءِ على هذه الآفات، تولت المستوطنةُ منذ زمنٍ تشجيعَ البدائل، ومن ضمنِها الأنشطةُ الثقافيةُ والرياضيةُ التي تهدفُ إلى إعادةِ إنعاشِ معنى المجتمعِ الثوريِّ بين الشبابِ المحليين. وفي هذا النضالِ على جبهتين – مجابهةِ المخاطرِ على المجتمعِ ودعمِ إعادةِ تنميةِ نسيجِه الثقافيِّ – تولَّى سانتانا أكثرَ من معظمِه. وفي العام 2006، قُتل ابنُه دْييغو مع وورنر لوبيز، وهو عضوٌ شابٌّ آخرُ في لا بْيِيدْريتا (نقلاً عن سانتانا، لقد قتلهما أعضاءُ في منظمةٍ جذريةٍ مسلحةٍ أخرى، هي حزب توبامارو التابعُ لخوسيه بِنْتو).

 بعد ذلك من الشهر عينِه، دُعينا لمرافقةِ هذه الجماعاتِ الثوريةِ حين أوضحَ أقصى يساريِّي كتلةِ أنصارِ تشافيزَ امتعاضَهم في عربةٍ كبيرةٍ جابت حيَّ كاتْيا كلَّه، الذي لا يُشكلُ 23 دي إنيرو أكثرَ من جزءٍ صغيرٍ فيه، مُصرّين على القول، “لسنا إرهابيين.” مع هذا، بالرغم من مثلِ هذه النداءاتِ العنيفةِ، ما كان للتوترِ إلا أن يزداد. في السنة التالية، أعلن أعضاءُ لا بْيِيدْريتا أنّ العديدَ من قادةِ المعارضةِ باتوا “أهدافاً عسكريةً” لهم، فهاجموا بالغازات المُسيلةِ للدموع محطةَ تلفزةِ المعارضةِ “غْلوبْفِزْيون” وأهدافا أخرى مثلَها “عقاباً” لها على جرائمَ في الماضي والحاضر، بل إن سانتانا هدّدَ جَهاراً حياةَ مارسيل غْرانْيِير، مديرِ شبكةِ التلفزةِ المعارضةِ الأخرى، “RCTV”.[vi] فردَّ عليهم تشافيز بأن وصفهم بالـ”إرهابيين” وأصدر مذكرةَ اعتقالٍ بشأن سانْتانا نفسِه. بل إن تشافيز، إذ لاحظ صعوبةَ اعتقالِ أعضاءِ هذه المنظماتِ المقاتلةِ (وكانت قد فشلت محاولةُ اعتقالٍ بحقِّ سانْتانا)، أصرَّ على القول إنني “سأذهبُ لجلبِه بنفسي.” وأوضح ما كان يخشى منه، مضيفاً قولَه، بتجاهلٍ ظاهريٍّ لتاريخ هذه الجماعة، “لا يمكننا أنْ نسمحَ لـ’لا بْيِيدْريتا‘ كذا-و-كذا بأن تصبحَ دولةً بذاتها.”[vii] لذلك، نتيجةً لهذه النزاعات، قد لا يكونُ مفاجئاً أنْ نجدَ في أقصَى اليسارِ من ينتقدُ تشافيز: ففي نهايةِ المَطافِ، يُواجهُ هؤلاء المقاتلون الثوريون الآن دولةً فنزوليةً، بما فيها من بيرُقراطيةٍ منتفخةٍ، وفسادٍ قذرٍ، وشرطةٍ عنيفةٍ، وسجونٍ فوضويةٍ، تبدو كثيرا كتلك الدولةِ التي كانت تقتلُهم وتُعذِّبُهم لعقودٍ خلت من الزمن.

في الإعدادِ لعربةِ هؤلاء المقاتلين الكبيرة، كانت شابّةٌ تتجوَّلُ خلال الحشدِ عارضةً أنْ ترسمَ شعاراتٍ ثوريةً على زجاجِ السيارات. وحين أصرّ أحدُ المقاتلين الغاضبين، وإن كان غيرَ جادٍّ تماما، على أن تُزخرفَ زجاجَ سيارتِه بعبارةِ “الموتُ لتشافيز!” تنهدت بشكلٍ مسموع. ولكي نُدركَ تماماً العلاقةَ ما بين هذه المنظماتِ المتطرِّفةِ في ثوريّتِها وبين حكومةِ تشافيز، علينا ألا يقتصرَ فهمُنا على تنهدِها المذهولِ، بل ينبغي أن نفهمَ أيضاً الانفجارَ الغاضبَ الذي استثاره. بعبارةٍ أخرى، علينا أن نحاول التشبُّثَ بحقيقةِ أنّ الأغلبيةَ العظمَى من هؤلاء المقاتلين – أولئك الذين يحتقرون احتقاراً عميقاً الفسادَ، والبيرقراطيةَ، بل حتى الدولةَ نفسَها، وهم أكثرُ احتمالاً لربط تلك الدولةِ بالتعذيبِ، والقتلِ، و”الاختفاء” – لا يزالون أنصاراً لتشافيز، في الوقتِ الحاليِّ على الأقل.

كنت أجسُّ هذا التوتّرَ بصورةٍ خاصةٍ من خلالِ نقاشي مع فالنتين سانْتانا، محاولاً إدراكَ عنصرٍ مركزيٍّ من العمليةِ السياسيةِ الجاريةِ في فنزولا عموماً، أعني العلاقةَ ما بين التسييرِ الذاتيِّ الجذريِّ من قِبَلِ الدولةِ الذي تقومُ به تلك الجماعاتُ وبين توحيدِ القوى الثوريةِ كي تأخذَ على عاتقِها وتمارسَ سلطةَ الدولةِ تحت قيادة تشافيز. لكنّ مثلَ هذا التوترِ الأساسيِّ، الذي يؤلِّفُ بطرقٍ عديدةٍ المعضلةَ النظريةَ المركزيةَ التي يُناقشُها هذا الكتابُ عموماً، لا يمكنُ تفسيرُه بسهوله. كنت أُسائل سانتانا عن كيف يرى تشافيز، علماً بأن الرئيسَ عدَّ هذا الرجلَ الرمزَ شخصيةً “إرهابيةً” وحاول هذا الرئيسُ عينُه اعتقالَه. الأمرُ غامضٌ ولا قدرةَ لي على اليقين، لكنّ وجهَه بدا لي ملثَّماً بتصنّعِ يشي بأنه يستثيرُ ارتباكي حول الموقفِ الطاردِ للحدسِ الذي كان على وشكِ اتخاذِه: فلقد أصرّ على القول، “إن تشافيزَ قائدُنا الأعلى.”

“المفارقات” في السلطة

وهكذا أبدأُ بما يبدو مفارقة: بالرغم من التسييرِ الذاتيِّ العسكريِّ لدى “لا بْييِدْريتا” ورفضِها الدولةَ الفنزوليةَ، فإنّ أعضاءها موالون للرجلِ الجالسِ فوق قمةِ تلك الدولةِ، مهما كان الأمرُ مؤقتاً أو مشروطا. ما يجبُ أن يكون واضحاً تماماً في هذا الأمرِ أنّ ما هو أهمُّ من أي شيءٍ آخرَ بالنسبةِ إلى هذه الجماعةِ الثوريةِ والمجموعاتِ الأخرى المشابهةِ ليس ما يحدث في القاعاتِ المزخرفةِ للسلطةِ الرسمية. ما هو أهمُّ من الرئيسِ إنما هي العمليةُ، تعميقُ الحركاتِ الثوريةِ التي تشكِّل “قاعدةَ” الثورةِ البوليفارية، وتجذيرُها، وتسييرُها ذاتيا.[viii] لكنّ هذا لا يعني أنّ كلَّ ما هو فوق هذه “القاعدةِ” محضُ “بناءٍ فوقيٍّ”، وأنّ عالَمَ السياسةِ الرسميةِ غيرُ ذي صلةٍ كليا، وأنّ الدولةَ ذاتَها لا تتمتّعُ بدرجةٍ من الحكمِ الذاتيّ. بل، كما يُبيِّنُ ولاءُ “لا بْييِدْريتا” لتشافيز الذي يبدو متناقضاً، هناك بدلَ ذلك تداخلٌ مُعقدٌ وحركيٌّ وتصميمٌ متبادَلٌ بين الاثنتين: الحركاتِ والدولةِ، “الشعبِ” وتشافيز.

حين نبدأُ بالمفارقة، نلجُ فضاءً بينياً يُعاني من ألمِ الوقوعِ بين وجودِ القائدِ العظيمِ وعدم وجودِه قطّ، بين الدولةِ وغيابِها، بين أخطاءِ اليمينِ واليسارِ الجنونيةِ، مع مفارقةِ المفارقاتِ كما عبّر عنها تخطيطٌ بالقرب من “إل فالي” جنوبيَّ كاراكاس يقول، “عاش تشافيز، لا الحكومة.”[ix] بيدَ أنّ المفارقاتِ ابتداعاتٌ فكريةٌ عموماً، حيث يختصُّ تعريف “الرأيِ السائدِ” بالقلة المميَّزة. لذلك، كمثلِ المفارقاتِ الظاهرةِ الكثيرةِ، كشفت هذه أيضاً لازمنيتَها وهي، إلى حدٍّ ما، وبشكلٍ عمليٍّ، قرّرها عملُ 27 مليونَ يدٍ شادّةٍ جرّدتها من لازمنيتِها الجامدة. لذلك فإن نقطةَ البدءِ في هذا الكتابِ ليست تلك التي كثيراً ما نربطُها بفنزولا المعاصرة. ليست قصةَ مُستبِدٍّ شريرٍ قويٍّ جداً، قابضٍ وحدَه على زمامِ السلطةِ كلِّها، وليست سيرةً فاجعةً لرجلٍ شعبيٍّ أضلَّ سبيلَه فسادُ السلطةِ الموروث. على العكس من ذلك، إنها ليست قصةَ قائدٍ عظيمٍ يُلهبُ طريقاً لامعاً ويجرُّ شعبَه الساذجَ المطيعَ خلفَه على دربٍ وعر. بعبارةٍ أخرى، إنها ليست أيا من القصصِ الكثيرةِ التي نسمعُها عن هوغو تشافيز فْرِياس، لأنها ببساطة ليست على الإطلاقِ قصةً عن تشافيز.

غالباً ما يدورُ الحديثُ عن فنزولا المعاصرةِ حول شخصيةِ الرئيسِ الفزوليّ. وسواءٌ أكان الأمرُ من لدن خصومِه اليمينيين المُحافظين، أم الفوضويين اليساريين، أم مؤيديه فيما بينهم، فإن قصرَ النظرِ واحد.[x] وما هذا لغيرِ سبب: فمنذ انتخابِ تشافيز سنة 1998 بعد حبسِه لمحاولةِ انقلابٍ فاشلةٍ عام 1992، غدت فنزولا مكاناً مختلفاً جذريا، و”الثورةُ البوليفاريةُ” التي دشنها (بالاسم، على الأقل) قد شهدت سلطةً انتُزعت من الصفوةِ القديمةِ، وتحسيناتٍ اجتماعيةً غيرَ مسبوقةٍ، وهي مُهيَّئةٌ لتحويلِ حتى الدولةِ نفسِها. لكنْ، بالرغم من أن تشافيز مهمٌّ حقاً – وآملُ على مرِّ الزمنِ أن يُعالِجَ علاقتَه الحاليةَ المُعقدةَ بالحركات والجماعات الثورية – ينبغي أن تكونَ نقطةُ انطلاقي مختلفة. ذلك أنّ في الإمكانِ من خلالِ بساطةِ العكس وحدها أن نبلغَ مستوى أعلى من النباهة، والتعقيد، والفرق الدقيق، فيأتي الحلُّ العمليُّ لهذه المفارقةِ من التصميمِ منذ البدءِ على أنّ الثورةَ البوليفاريةَ ليست عن هوغو تشافيز. فما هو بالمركزِ، ولا بالقوةِ الدافعةِ، ولا بالعبقريِّ الفردِ الذي يعتمدُ عليه مُجملُ العمليةُ أو الذي تجدُ فيه إيحاءً شبهَ مُقدَّس. وهنا نُعيد صياغةَ عبارةِ المُنظِّرِ والمُؤرِّخ الترينِداديِّ العظيم س. ل. ر. جيمْس: إنّ تشافيز، مَثَلُه مَثَلُ الثوريِّ الهاييتيِّ توسينت لوفيرتير، “لم يصنع الثورة. بل كانت الثورةُ هي التي صنعت” تشافيز.[xi] أو كما أخبرني أحدُ المنظِّمين الفنزوليّين حين قال، “لم يخلق تشافيز الحركاتِ، نحن خلقناه.”[xii] وإنه، برفضِ تركيزِ تحليلِنا على الرئيسِ الفنزوليِّ منذ البدء، وبمقاومةِ الإغراءِ التأريخيِّ الدائمِ الذي رفضه جيمس باحتقارٍ باعتبارِه “شخصنةَ القوى الاجتماعيةِ،” وبإشاحةِ عيننا عن الوهَجِ الباهرِ لدى المعالي المسيطرةِ للسلطةِ السياسيةِ – التي يُعمي ضوءُها في أكثرَ من وسيلة – فإن عالَماً جديدا كلياً يتجلَّى للعِيان.

لكنْ، بطريقةٍ ما، لا تعطينا هذه الإزاحةُ البسيطةُ لمركزية تشافيز سوى القليل فيها وعنها؛ فكما حذَّرَ جيمس أصلا، “حتى هذه ليست الحقيقةَ كلَّها.” وتحديداً، إن إزاحةَ التركيزِ عن تشافيز، ببساطة، لا تُفيدنا في أين يجبُ أن يقعَ هذا التركيز، أين ينبغي لعيوننا أن تُحدِّق بدل ذلك. فإن كنا “نحن خلقناه،” فمن يكون هؤلاء الـ”نحن”؟ هل هي الطبقةُ العاملة؟ الفلاحون؟ البروليتاريا الرثةُ المدنيةُ التي لا تتقيّدُ بالرسميات؟ إذا لم يقدْ تشافيز “الثورة”، إذا نحن أنكرنا عليه ذلك العرشَ الشهيَّ، فأيُّ جهةٍ تاريخيّةٍ تتولاه؟ أو، هل فكرةُ الجهةِ التاريخيّةِ عينُها – أي الحاملُ الفردُ للتاريخ المستقبليّ، أكان امرأً فردا أم طبقةً – وحدويةٌ ومُجانسةٌ أكثرَ مما ينبغي لتفسِّرَ على نحوٍ صحيحٍ القوى المحركةَ السياسيةَ الفنزوليةَ المعاصرة؟ أهمُّ من ذلك، إنّ محضَ رفضِ التركيزِ على تشافيز الرجلِ لا يُقدِّمُ إلا القليلَ عن تعقيداتِ العلاقةِ القائمةِ بين الجهةِ التاريخيّةِ التي لم تُعرَفْ بعدُ، والعمليةِ المُحوِّلةٍ ككلٍّ المعروفةِ باسم الثورةِ البوليفاريةِ، وبين تشافيز نفسِه (وبشكل أكثرَ عموميةً، جهاز الدولة الذي يقطنُ فيه).

 

 


(*)أشعار علي بريميرا مقتبسةٌ من المجموعة الشعرية التالية، وأنا مدين بالشكر لدانتي كانورا ولآل بريميرا للسماح لي باقتباسها:

Ali Primera, Que Mi Canto No se Pierda, (Caracas: Euroamericana de Ediciones, 2006).

[1] هيربِرْت ماثيوز (1900-1977) كان مراسلا صحفيا لجريدة نيويورك تايمز، وقد اكتسب سمعة سيئة لدى الأمريكان حين كشف عن أن فِدِلْ كاسْتْرو كان يعيش في جبال سْييرا مايسْتْرا، بينما زعم باتِسْتا، دكتاتور كوبا قبل أنْ أطاحت به الثورة الشيوعية، أن كاسترو قُتل. وعلى هذا علّق تشي غيفارا بقوله، “حين تخلَّص العالم منا باعتبارنا أمواتا، كذَّبت مقابلة ماثيوز اختفاءنا.” وكان كاسترو هرّب ماثيوز إلى تلك الجبال كي يغطي الثورة، وعلَّق تشي غيفارا على ذلك بالقول إن وجود أحد الأجانب [الأمريكيين] كان أهم عندنا من نصر عسكري. وقد حدثت المقابلة في 17 شباط 1957. [المترجم؛ مأخوذ عن الموقع التالي: http://en.wikipedia.org/wiki/Herbert_Matthews]

[2] في هذا إشارة إلى الانقلاب العسكري الذي دبّرته المعارضة ضد الرئيس هوغو تشافيز في 11 نيسان 2002، وأطيح بتشافيز عن الحكم مدة 47 ساعة فقط، أعاده بعدها ائتلاف من ضباط الجيش والجماهير الغفيرة التي خرجت إلى الشوارع مطالبة باستعادته. [المترجم]


[i] في مناقشته لا بْيِيدْريتا، يُلاحظ ألجاندرو فِلاسْكو أيضاً موقعها “الإستراتيجي”: “’نحن لا نزال متمردين‘: تحدي التاريخ الشعبي في فنزولا البوليفارية،” في ديمقراطية فنزولا البوليفارية: المشاركة، والسياسة، والثقافة تحت حكم تشافيز(Venezuela’s Bolivarian Democracy: Participation, Politics and Culture Under Chavez)، تح. سْمِلْده و هِلِنْغَر (درهام، كارولينا الشمالية: منشورات جامعة ديوك، 2010)، ص. 60-61.

[ii] للمزيد حول أسطورة ماثيوز، راجع:

Anthony dePalma, The Man Who Invented Fidel Castro (New York: Public Affairs, 2006).

[iii] مقابلة مع فالَنْتين سانتانا، 24 أيار، 2008.

[iv] راجع:

YVKE Mundial (2008). http://venezuelanalysis.com/newsbrief/3195.

“وفاة شخص واحد عقب انفجار فيديكاماراس،” تر. ن. جانيكِك، (Venezuela Analysis)، 24 شباط.

[v] فيما يلي آخذ من جورج سيكاريلو-ماهر، (2008). “التشافيزيون الجذريون يُكشّرون عن أنيابِهم،” (Venezuela Analysis)، 15 نيسان، (http://venezuelanalysis.com/newsbrief/3358?quicktabs_2=1)؛

ومن جورج سيكاريلو-ماهر، (2008):

“Embedded with Tupamaros,” Counterpunch”, April 25, (http://www.counterpunch.org/maher04252008.html )

[vi] Sebastiana Barraez Peres. (2009). “La Piedrita pasara por la armas a enemigos de la revolucion,” Quinto Dia, Feb 6, 22-23.

[vii] Maria Lilibeth Da Corte. (2009). “Chavez califica de terrorista y fascista a Coloectivo La Piedrita,” El Universal, Feb. 9.

[viii] لزيادة العلم بـ”العملية” البوليفارية – وهي ظاهرة أوسع بكثير من تشافيز نفسه – راجع بصورة خاصة:

Ronald Denis, Rebelion en Proceso: dilemas del movimiento popular luego de la rebellion del 13 de Abril (Caracas: Ediciones Nuestra America Rebelde, 2004), 15-17.

سوجاثا فيرناندس، متبعةً خوسيه روبيرتو دوك، تعرّف “العملية [proceso] بأنها حركة موازية وسرية لحماية حكومة تشافيز، لكن لها مسارها الخاص المستقل عن توجيهات الحكومة المركزية” (Fernandes, Who Can Stop the Drums?, 5). لكني قلق من أن الانزياح بسرعة أكبر مما ينبغي من “أنصار تشافيز” إلى “العملية” إنما يتجنب السؤال الأشد حسماً حول العلاقة ما بين الاثنين.

[ix]  هذه العاطفة المعقدة ليست جديدة لا على فنزولا ولا على أمريكا اللاتينية عموما. ففي فنزولا المعاصرة، كثيراً ما يسمع المرء أو يقرأ إشارة لكلمات الجنرال الثوري المكسيكي بلوتاركو إلياس كالِس: “لقد تداعت الثورة إلى حكومة.” أضف إلى ذلك أن هذه الفكرة قد وُجدت في الحركات الثورية سعيا إلى مجرد القبض على سلطة الدولة قبل تشافيز بكثير، كما كان حين ردد هذه الكلمات ألفريدو مانيرو في كتاب (Notas Negativas. Caracas: Ediciones Venezuela 83, 1971:)، ص. 31.

[x] من “اليسار” الفوضوي، راجع:

Rafael Uzcategui, Venezuela: Revolution as Spectacle (Tucson: See Sharp, 2011);

بالرغم من وجود عدد ضخم من الأدبيات المضادة لتأييد تشافيز لدى اليمين، راجع:

A.C. Clark, The Revolutionary Has No Clothes (New York: Encounter, 2009).

من الأعمال الممتازة الكثيرة والضرورية التي تتشارك، رغم هذا، بمقاربةٍ من الأعلى إلى الأسفل، راجع:

Richard Gott, Hugo Chavez and the Bolivarian Revolution (London: Verso, 2005).

راجع أيضا: غريغوري ولبيرت، تحول فنزولا إلى اشتراكية القرن الحادي والعشرين، ترجمة بسام أبو غزالة (عمّان: دار ورد، 2013).

ومن النقد المتنامي لهذا الاتجاه، راجع: (Fernandes, Who Can Stop the Drums?, 3-5)؛ يلاحظ فرناندس سيطرة التحليلات المستندة إلى “مركزية الدولة” و”المنظور المستند إلى الحركة من أعلى إلى أسفل” الذي “لا يجد قوة إلا في تشافيز” بينما يُظهر الفقراء عاجزين عن العمل الذاتي؛ راجع أيضاً مقدمة دافيد سْمِلْدِه لكتاب “Venezuela’s Bolivarian Democracy“. وفي الكتاب عينه، راجع نقد فيلاسكو لـ”التحليلات المستندة إلى الحركة من أعلى إلى أسفل التي تترك المسارات المحلية للتنظيم والحشد من غير تفحص” (“We Are Still Rebels”, 159)؛ كذلك:

Carlos Martinez, Michael Fox and J. Farell, eds., Venezuela Speaks! Voices from the Grassroots (Oakland, CA: PM Press, 2010).

[xi] C.L.R. James, The Black Jacobins: Toussaint L’Ouverture and the San Dominigo Revolution (New York: Vintage, [1938] 1963), X.

[xii] مقابلة مع جوان كُنتْريراس، 21 نيسان 2008.

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة “كنعان” الإلكترونية أو محرريها ولا موقع “كنعان” أو محرريه.