قراءة في كتاب “من أجل غد واعد: في الربط بين الجهد والنتيجة لبناء الدولة”

 

عن الجهد والنتيجة … في كتاب داود خير اللّه

نجلاء حمادة

النهار – يشكّل هذا الكتاب (“من أجل غد واعد: في الربط بين الجهد والنتيجة لبناء الدولة”) بما يحتويه من معلومات وبحث وتحليل وتوصيات، جهداً معرفياً ووطنياً كبيراً. وهو يشتمل على فصول تكمّل بعضها بعضاً تغطي قضايا مثل الاستبداد والفساد وتأثير النزعات الدينية في السياسة والقانون والتعبئة ضد المستعمر والمحتل، كما في إعاقة التغيير والتطوّر والتحديث. وفيه إضاءات على أمور آنيّة في لبنان وسوريا والعراق.

يتخلل طروحات الكتاب المتعدّدة رابطان، اعتبار التباعد بين الحاكم والمحكوم سبباً ونتيجة لكثير ممّا تعاني منه الشعوب العربية، وحض النخب العربية على الاضطلاع بدورها كـ”أداة التغيير الرئيسية”، لاجتراح الحلول بدل الاكتفاء بتفنيد الإشكالات واستقصاء مسبباتها.

ومن أهم القضايا التي يعالجها التواطؤ بين الأنظمة المستبدّة والدين الظلامي لاستمراريتهما في السلطة. فالاثنان يتضامنان للهيمنة على المجتمع العربي، بحجج سلالية أو قدسيّة، متوعدين كل معارض أو محاجج بأقسى العقوبات. وإخافة الناس تحمي الفاسدين وتسهم في نشوء ثقافة اجتماعية وسياسية تعيق أي تغيير أو تطوير للمجتمع. ويتفق خيراللّه مع صادق العظم في أن كل نظام عربي مستبدّ “يسيطر على مؤسسات إسلامية ذات مرجعية محترمة مستعدة لإصدار فتاوى مفادها أن سياسات النظام هي في انسجام تام مع الإسلام.” (ص. 74، من صادق العظم، نقد الفكر الديني، بيروت: دار الطليعة، 1969).

ويلاحظ خيراللّه أن الدين استخدُم كعجلة للتغيير، كما في التحفيز على محاربة المستعمر في الجزائر ومقاومة إسرائيل في لبنان، كما استُخدم في الإبقاء على الأنظمة الفاسدة والمستبدة. وهو يذكر أمثلة على الاتّجاهين النقيضين عند الفقهاء والمفكرين، أمثال المعاصر أبو العلاء المودودي القائل بأن “سيادة اللّه على سلوك الإنسان تسلب الأخير حريته” (ص. 71، من مقال بالإنكليزية للمودودي، صدر في دورية باكستانية سنة 1980، ص. 48) وغيره من المنادين بوجوب إطاعة ولي الأم، وعبد الرحمن الكواكبي وخالد محمد خالد وقد طالبا بإقامة حكومات علمانية وبفصل الدين عن الدولة.

ويذكر الكاتب أن الإسلام في نموذج المدينة المنورة دعا إلى الوحدة، بعكس ما يقوم به مدعيه اليوم من تهديم وتفتيت. وهو يسوق ما يقوله ابراهيم شحاته من أن العضويّة المتزايدة في الحركات الإسلامية في مصر تعود إلى تنامي الأمية والهجرة من المناطق الريفية إلى المناطق الحضرية، ومن مصر إلى بلدان شبه الجزيرة العربية حيث تسود التفسيرات الأكثر تقييداً للشريعة. ومقولة شحاته تذكّرني بما سمعته من رضوان السيد في ثمانينيات القرن الماضي من أن الثورات الإسلامية الحالية في معظمها ثورات رعاع على النخب المسلمة، حيث تحاول الأولى أن تفرض على الثانية أساليب عيشها ومحدودية تفكيرها وتصوّرها الضيّق والمتحجّر للدين، وهي بهذا ثورات يصح فيها قول الحديث النبوي الشريف “اتبدّ بعد الهجرة؟ إنها لمن الكبائر”.

وينحى خيراللّه نحو ما أوصى به النبي من توحيد وتحضّر، لكن ليس من طريق الدين بل من طريق ديموقراطية لا تتعارض مع الدين المنفتح على التغيير والتحديث والعقلنة الواعية للواقع، بعيداً من اعتبار الدين قانوناً أزلياً صالحاً، بحلّة وقيافة ثابتتين، لكل مكان وزمان. وهو يعطي أمثلة من الواقع على أن كلا من الأنظمة المستبدة والفرق التكفيرية يخدم مصالح العدو وتطلّعاته. وقد سمعت مؤخراً وزير التربية الإسرائيلي يقول ما فحواه: “على رغم أننا نعيش في منطقة تعجّ بالكوارث، فنحن مرتاحون لمعرفة أن الدول العربية في طريقها للتفتت إلى قبائل بحيث لا يبقى في منطقة الشرق الأوسط منارة حضارية ودولة قوية إلا إسرائيل”.

ورغم تحيّزه للديموقراطية، لا يغفل الكاتب عن انتقاد استبداد الولايات المتحدة الأميركية، الديموقراطية المستقوية بكونها القوة الأكبر في العالم، إذ تملي إرادتها على القانون والعدالة، فتحمي إرهاب الدولة الذي تقوم به إسرائيل والذي تشارك هي فيه من طريق تسليحها لها، وبحرصها على أن يستهدف قرار الأمم المتحدة الرقم 1373 ضد الإرهاب الهيئات والأفراد والشبكات دون الدول، وتصرّ على وصم المقاومة اللبنانية بالإرهاب، على رغم أن مقاومة المحتل حق يكرّسه القانون الدولي في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة كما يكرّسه القانون الإنساني الطبيعي.

ولعلّ وصفه لسلوك أميركا غير الأخلاقي وغير العادل، وهي أكبر المروجين للديموقراطية، يضعف من موقفه المطالب بالديموقراطية. فعلى رغم الفضائل الواضحة للديموقراطية كنظام يحوّل الشعب من رعايا إلى مواطنين ويشركه في صنع القرارات التي تحكم مصيره كما يحدّ من استبداد الحكام، وتالياً من استشراء الفساد ويقاوم إضعاف سلطة القانون، فإن تعاطي الدولة الأميركية مع الشعوب العربية يشكّل وصمة لها وللديموقراطية التي تمثّل. وهذا التعاطي يفسّر، وقد يبرّر، مواقف وسلوك جماعات عربية كثيرة تعادي أميركا وتجرجر الخطى بدل أن تحثّها لتلحق بركب الديموقراطية.

ومن التوصيات التي ترد في الكتاب المطالبة بالعلمنة. فالتحيّز للدين والطائفة يشرذم المواطنين في بلد كلبنان يضم أكثر من 18 طائفة. وهو، حتى في البلدان التي يتجانس مواطنوها دينياً، يعيق التطوّر عندما يكون التديّن متحجّراً يتعارض مع الواقع المعيش ومع التوجّه الإنساني الخيّر. فالتاريخ والحياة السياسية والاجتماعية دائمَي التغيّر، والدين، إن قاوم الإصلاح والعقلنة، يبقى ثابتاً ومغلقًا. وفي رأيي أنه حتى إذا اتّبع الدين مثال المدينة المنوّرة المنفتح والجامع، يبقى الجمع بين الدين والسياسة مسيئاً لكليهما. وقد أظهر فرج فوده في أحد كتبه أن الخلفاء المسلمين، باستثناء عمر، كانوا إما مثل معاوية ناجحين في السياسة وغير متدينين، وإما مثل علي متدينين وفاشلين في السياسة. فكلما غزا الدين الثقافة، أضعف من القدرة على التعاطي السياسي مع العالم. والحوار مع الآخر يستحيل بنيوياً عندما ينطلق خطاب أحد المتحاورين من اعتبار ما يقوله منبثقًا من مرجعية مصدرها الذات الإلهية. وهذه الاستحالة نجدها حالياً بين معتنقي الدين الواحد.

والانتماء أو الهوية هي الإشكالية الأكبر التي يطرحها خيراللّه وينتهي في شأنها بتوصيات واضحة. فانتماء الإنسان العربي يتأرجح بين العائلة – العشيرة والدين والطائفة والوطن الذي صنع الآخرون حدوده، وصولاً إلى القومية العربية كلغة وثقافة جامعة. وتعتمد بعض الدول العربية أنظمة ديموقراطية مستعارة من الغرب، قوامها الفرد، في حين يسلك كثيرون مسلك من يعتبر الجماعة الوحدة المكوّنة. وفي توصيته، ينحاز الكاتب إلى الانتماء القومي العربي الذي يتعدّى حدود القطر- الوطن ولا يتعارض معه، مع التشديد على ضرورة تنمية الإرادة والفعالية الفرديين.

وفي هذا الصدد، أشير إلى ثلاثة أمور:

أولاّ: يجب التمييز بين الانتماء الفكري أو الكلامي غير المؤثر في الإرادة والسلوك وبين المعتقد الأصيل الذي يحكم السلوك. فمع التغني بالقومية، نجد مجتمعات عربية غير معنيّة كثيراً بالقضية الفلسطينية، تهادن العدو وقد تنحاز إليه. كذلك، فالتجاوب الكبير مع الطروحات الطائفية والمذهبية، حتى بين المتعلمين والمستنيرين، يظهر قلّة رسوخ القومية العربية في نفوس أبنائها. فهل لا تزال القومية العربية هوية جامعة بالمعنى العملي المعبئ للجهد أم أنها فكرة جميلة نتداولها ولا نعمل بموجبها؟

ثانيًا: كل من القومية والمواطنية يغدو أكبر تأثيراً لو نادينا بهما من وجهة نفعية. فالتناقض بين سلوك المواطن اللبناني الذي ينفعل لدى سماعه فيروز تغني “بحبك يا لبنان” ثم يكسر القوانين ويرمي القمامة في الشارع ويتعدّى على حقوق مواطنيه يظهر قلّة فعاليّة المواطنة الرومنسية. وقد تغدو القومية أكثر جاذبية لو نادينا بها من أجل التكامل الاقتصادي وتوحيد القوى، اللذين يذكرهما خيراللّه في معرض ما ينادي به من نزعة قومية.

ثالثًا: قد تختلف الفردانية العربية عن الفردانية التي تتطلبها الأنظمة الديموقراطية الناجحة. فتاريخنا يظهر أن العدالة والتعاطي الأخلاقي نميا في العصور الأولى للإسلام التي كان التركيز فيها على الجماعة. فكأن بُعدَ الفرد العربي عن الجماعة يعيده إلى البداوة الخشنة والوعي البدائي، وفق توصيف هيغل ووفق ما يحذّر منه الحديث النبوي. فالفردانية لِمن لم يعوا بعد أبعادهم الفكرية والروحية قد تؤدي إلى غير ما تتطلبه الديموقراطية.

وفي النهاية، أحب أن أستجيب لتقريع داود خيراللّه للنخب العربية على عدم اضطلاعها بمسؤولياتها في وضع الخطط لتصويب المسار نحو مستقبل أفضل. وإذ أدلي بدلوي هننا، أقتدي بمفكرين أؤمن بنظرتهما للسياسة والتاريخ. أولهما غاندي، من ينصح المُطالب بحق أو غاية أن يوظف الجهد في العمل على استحقاق ما يطلبه. وثانيهما هيغل، من يعتبر نضج الفرد والمجتمع متوقّفاً على درجة وعيه لذاته.

أرى أن التربية والإصلاح الديني هما المنطلق. فلو بقي تطلّع الناس إلى منتهى الأمل عبارة عن توق إلى حوريات وطعام وشراب لما عرفنا كيف نترك البدائية ونصل إلى مستويات من الوعي الحضاري، أعلى فكرياً وروحياً. والمؤشر على هكذا ارتقاء هو أن نصبح من منتجي الثقافة والعلم وليس مجرّد مستهلكيهما. أتمنّى أن نبدأ بالتركيز الفكري على النواحي الخلقية والروحية من الدين، وكتاب الإسلام يحث “ذوي الألباب” على هذا. وأتمنّى أن نتعظ بمعاني ورموز الأمثلة المذكورة في النص بدل الغرق في حرفيته.

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة “كنعان” الإلكترونية أو محرريها ولا موقع “كنعان” أو محرريه.