“كنعان” تتابع نشر كتاب “نحن صنعنا تشافيز: تاريخ شعبي للثورة الفنزويلية”

  

تابع المقدمة

 

أيّ شعب؟

في إلحاحِنا للحصولِ على جوابٍ، لم نجدْ أفضلَ من اتباع إحدى المنظِّماتِ الثوريةِ من حي بيتاري في كاراكاس الشرقية، حين تساءلتْ بإصرارٍ، “ما الداعي لقلقِ الناسِ جميعاً على تشافيز؟ ماذا عن الشعب؟ اقلقوا على الشعب.”[i] لكنْ، إن كان هذا تاريخَ شعبٍ، فإنّ لفظة “شعبٍ” تُعقِّدُ الأمرَ أكثرَ مما توضحُه، مستثيرةً من الأسئلةِ أكثرَ مما تُجيب، وعليَّ هنا أن أسأل: “أيُّ شعب؟” و”تاريخ من؟” لقد رفضَ حديثاً بعضُ المُنظِّرين في الولاياتِ المتحدةِ وأوربا تعبيرَ “الشعب” كتصنيفٍ مفيدٍ للتغييرِ الثوريِّ، فقالوا بدلَ ذلك – مستندين كثيراً إلى تجربةِ الثورةِ الفرنسيةِ – إن تعبيرَ “الشعب” ينطوي في ذاتِه على ميولٍ محافظةٍ، وتوحيديةٍ، وتجانسية.[ii] لكنّ المرءَ لا يحتاجُ إلى الذهابِ أبعدَ من المُعجمِ ليرى أنْ ليس في مثلِ هذا الفهمِ سوى القليلِ من الصلةِ الوثيقةِ بالعالمِ الناطقِ بالإسبانية: فالأكاديميةُ الملكيةُ الإسبانيةُ تُقدِّمُ لنا خمسةَ تعريفاتٍ لـ”الشعب”، أي (pueblo)، أربعةٌ منها تُشير مباشرةً إلى سكانِ فضاءٍ أو بقعةٍ ما، لكنّ آخرَها مُخرِّبٌ بشكل حاذق، إذ يُشيرُ بدلَ ذلك إلى “دهماء العامَّةِ والفقراءِ” من السكان – أي المضطهدين.[iii] ويُبيِّنُ لنا تاريخُ الحركاتِ الثوريةِ والاجتماعيةِ الأمريكيةِ اللاتينيةِ هذا التمييزَ عملياً: ذلك أنه غالباً ما اتُّخذَ تعبيرُ “الشعب” شعاراً يرفعُه هؤلاء “العامةُ والفقراءُ” تحديداً، بينما تنشرُه في الوقتِ عينِه الحكوماتُ، والنشطاءُ الشعبيون وغيرُ الشعبيين على السواء، في محاولةٍ للحفاظِ على الوضعِ الراهن.

وهكذا، ففكرةُ “الشعب” هذه في أمريكا اللاتينية إنما هي مرحلةٌ نضالية. وبالرغم من أن تعبيرَ “تاريخ الشعب” قد ابتُدع وعُمِّمَ في السياقِ الأمريكيِّ [الشماليِّ] من لدن هِوارْد زِن،([1]) تُشيرُ معالمُ هذا التاريخِ في السياقِ الأمريكيِّ اللاتينيِّ والفنزوليِّ إلى محتوىً أدقَّ تحديدا. يتوسعُ فيلسوفُ التحريرِ الأرجنتينيُّ- المكسيكيُّ إنريك دوسِل حول هذه الإمكانيةِ الجذريةِ المنطويةِ عليها فكرةُ الشعب، مستوحياً من خطاب فِدِل كاسترو عام 1953، “سيغفر لي التاريخ”، حيث يُضيف كاسترو لفكرةِ الشعبِ التعديلَ المميَّزَ “si de lucha se trata“، إن كانت مسألةَ نضال. ويصرُّ دوسِل على أن تعبيرَ “الشعب ليس” فكرةَ وحدةٍ، بل تعبيرٌ “يؤسِّسُ حدًّا أو جزءاً داخلياً في المجتمعِ السياسيّ،” ويقف، حسبَ تعبيرِه، “مُتعارضاً مع صفوةِ النظامِ السياسيِّ، وفوضوييه، وطبقاتِه الحاكمة.”[iv] و”الشعبُ” الأمريكيُّ اللاتينيُّ، بالنسبةِ إلى دوسِل، إنما هو تصنيفٌ للتمزيقِ والكفاحِ معاً، لحظةُ قتالٍ يتدخلُ فيها المضطهَدون في النظامِ السياسيِّ السائدِ والمُقصَوْن عنه كي يُحوِّلوا النظامَ، فيتكلمُ جزءٌ مُضحًّى به من المجتمع مُحاولاً تغييرَ الكلِّ جذريا. وحسب دوسل، ينعكسُ التقسيمُ الخارجيُّ الذي يُحدِّدُه الشعبُ بكفاحِه في تعدُّديتِه، حيث يُفيدُ الحوارُ والتأويلُ بين حركاتِه المُكوِّنةِ في تقديمِ هويةٍ مشترَكةٍ في مجرى الكفاح.[v]

لذلك، سيكونُ “التاريخَ” المتعلِّقَ بهذا “الشعبِ” من نوع مُحدَّد: بدلَ التاريخِ التقليديِّ الذي يُركِّزُ على توالي القادةِ السياسيين، أعني ذلك “التاريخَ الفوقيَّ” الذي يقودُ إلى المبالغةِ في دورِ تشافيز، وأبعدَ حتى من تاريخِ أولئك الفقراء والمقموعين من الشعب، سيكون هذا تاريخاً نابعاً من الأسفل، تاريخاً يقودُه كفاحُ الشعبِ نفسِه ونشاطُه الذاتيُّ، كفاحٌ من قِبَلِ الشعبِ لما يعني أن يكون “الشعبَ” ابتداء. ولفعلِ هذا، ينبغي أن نُفكِّرَ تحديداً (لكنْ، ليس حصرا) بالمصطلحات الفنزولية؛ وفي فنزولا، ماضياً وحاضراً، كان النشيدُ الوطنيُّ هو المرجعَ المركزيَّ للصراعِ حول ما تعنيه عبارةُ “الشعب”، “المجدُ للشعبِ الشجاع.” حقيقةُ الأمر أن هذا النشيدَ غالبا ما شكّلَ أرضيةَ هذا الصراعِ، منطوياً على هذا الخلافِ بين من في يدهم السلطة وضحاياها ومُبلوِراً له: و”إذ يُثار هذا النشيدُ في السياقاتِ الرسميةِ، كالمناسباتِ الاحتفاليةِ للدولةِ وكتحيةِ العلم المدرسيةِ، فإنه يُشيدُ بـ”الشعب الشجاع” في الماضي البعيد؛ وأن يُغنَّى بطريقةٍ عفويةٍ في احتجاجٍ شعبيٍّ في الشارعِ إنما يُنعشُه كنقدٍ حيّ، لا كإقرارٍ للسلطة.”[vi] وبينما يستخدم أهلُ السلطةِ النشيدَ الوطنيَّ لاستثارةِ الوحدةِ الوطنية، يستقي منه المقموعون عناصرَه الأشدَّ جذريةً – عباراتٍ مثل “الموت للاضطهاد!” و”فلتسقط القيود!” كي يحشدوا الطاقاتِ اللازمةَ لتحويل النظامِ السياسيِّ تحويلاً جذرياً.[vii]

لكنّ تاريخَنا لا يبدأُ من سنة 1810، حين كتب فيسِنْتِه سالْياس “المجدُ للشعبِ الشجاع.”([2]) فإن كان ما يهمُّنا هو التاريخ الشعبيّ للعمليةِ الجاريةِ حاليّاً في فنزولا، فلا بدّ لنا من أن نبحثَ عن تركيزٍ أقوى على التاريخِ الحديثِ، متمسكين بتلك اللحظاتِ التأسيسيةِ التي تُقدِّمُ حدودَ الصراعِ الحاليّ. وفيما هو آتٍ أبدأُ هذا التاريخَ في العام 1958، وهو العامُ الذي أُزيلَ فيه آخرُ دكتاتورٍ غيرِ منتخبٍ في فنزولا، مارْكُس بيريس جِمِنيس، والعامُ الذي يُحدِّدُ شكلياً إقامةَ “الديمقراطيةِ” الفنزولية. فإن بدا غريباً أن تبدأَ تاريخاً للكفاحِ الشعبيِّ بإقامةِ نظامٍ ديمقراطيٍّ تمثيليّ، فلأنّ معالجتي للموضوعِ هي أيضاً قلبٌ واعٍ للخرافاتِ التقليديةِ حيث تُعَدُّ الديمقراطيةُ هي النتيجةَ – النتيجةَ النهائية لهذا الكفاحِ وخرافاتِه مُثارِ التساؤل، الغرضَ النهائيَّ للكفاح، واللحظةَ التي يتوقف فيها ذلك الكفاحُ أيضا. بدل ذلك، لقد حدّدتْ إقامةُ ديمقراطيةٍ رسميةٍ في فنزولا البدايةَ لكفاحٍ آخرَ، كفاحٍ لأجل الديمقراطيةِ والمساواةِ كجوهرٍ لا كمحضِ حدودٍ رسميةٍ للحياةِ الاجتماعية.[viii] إنه هذا الكفاحُ الأطولُ المُستمرُّ اليوم؛ فالنظامُ الديمقراطيُّ الرسميُّ الذي أقيمَ سنة 1958 وعُزِّزَ لاحقاً بحلفِ الحزبين المُشاركين في السلطةِ الذي وُقِّعَ في بُنْتو فيجو (لذلك عُرف عامياً باسمِ بُنْتوفيجِسْمو) كان في كثير من الطرقِ اعتداءً على الشعب، وتدميراً للإرادةِ الشعبيةِ التي طردتْ الدكتاتور، ومحاولةً لمنعِ غزوِ الشعبِ قاعاتِ السلطةِ الرسمية. كان هذا جوهرَ الديمقراطيةِ “التحالفيةِ”، بل “الديمقراطيةِ اللاديمقراطية”، التي تكلّمَ عنها الكثرةُ من النقادِ عبرَ السنين، والتي برزت فيها الحاجةُ الملحةُ إلى ترويضِ القوةِ نفسِها التي مكّنت من التحوُّلِ الديمقراطيِّ، وإلى خنقِ طاقاتِها والسيطرةِ عليها.[ix]

لهذا كان “الأبُ المؤسِّسُ” المزعومُ لفنزولا، رومولو بيتَنْكورْت،([3]) أكثرَ مسؤوليةً وأقلَّ اعتذاراً من الأغلبيةِ، وكان يستهدفُ فكرةَ “الشعب” نفسَها بشكلٍ مباشر. فـ”الشعب لا يوجدُ في المجال التجريدي”، حسبَ قولِ بيتَنْكورْت، الشيوعيِّ الذي تحوّل مناهضاً مسعوراً للشيوعيةِ، والذي أخذ السلطةَ عام 1959 في الانتخاباتِ الحرةِ الأولى عقبَ الدكتاتوريةِ، وبدل ذلك غدت الفكرةُ تُمثّلُ سلاحاً، إنها “فكرةٌ محققةٌ يستخدمُها الشعبويون المحترفون لقلبِ النظامِ الاجتماعيّ.” لم يكن بيتَنكورْت ليرى بديلاً عن الشعب إلا تعدديةَ المنظَّماتِ – “الأحزاب السياسية، الاتحادات، القطاعات الاقتصادية المنظمة، الجمعيات المهنية، المجموعات الجامعية” – التي ينبغي أن تسلكَها المطالب.[x] لقد كان بيتَنْكورْت وغيرُه يرون في أي محاولةٍ لتوحيدِ هذه المطالبِ خطراً متأصِّلاً للسلطةِ القائمةِ وفوضويةً بالقوة: وإذ كان يرتجفُ رعباً من الغابة، لم يكنْ ليتحمّلَ إلا الشجر. والسخريةُ أنّ عداءَ بيتَنكورْت المفتوحَ لفكرةِ الشعبِ جعله متفقا مع منافسِه الأكبر، فِدِل كاسترو: لقد كانت الإمكانيةُ التخريبيةُ الجذريةُ لـ”الشعب” خطراً مميتاً لرجال مثل بيتَنكورْت ممن لم يحاولوا سوى الهيمنةِ على طاقاته وتقنينها.

وهكذا، بينما امتطى بيتَنكورْت الطاقاتِ الجذريةَ التي تفتّقتْ عن الجماهيرِ الشعبيةِ للوصولِ إلى السلطةِ، كان، مع هذا، ذا ارتيابٍ عميقٍ بمن يطالبون بالتغييرِ الجذريِّ لا التدريجيِّ، من كانوا يسعَوْن إلى الاشتراكيةِ لا الرأسمالية، وفوق كلِّ هذا من كانوا يفهمون الديمقراطيةَ كشيءٍ أكثرَ مباشَرةً، وأقلَّ تقييداً، وأوسعَ تشاركيةً من الديمقراطيةِ المحدودةِ التي يُفضِّلُها بيتَنكورْت. نتيجةً لذلك، وبالتضادِّ مع هذا الخيارِ الجذريِّ، سعى بيتَنكورْت وآخرون إلى بناءِ نظامٍ ديمقراطيٍّ محميٍّ من الشعبِ، حيث تُحوَّل كلُّ المطالبِ عبر أقنيةٍ دستوريةٍ، وتحديداً عبر الحزبين السياسيين المُسيطرين. كان هذا نظاما ديمقراطياً مضادًّا للديمقراطيةٍ بشكلٍ دستوري، لا يستطيعُ الشعبُ فيه أن يظهرَ إلا مُجزَّءاً مُتشظياً. وهكذا نجدُ في جوفِ ما تُسمَّى الديمقراطيةَ الفنزوليةَ مؤامرةً حقيقيةً ضدَّ الشعبِ كحركةٍ جذريةٍ ذاتِ طاقةٍ تمردية. وما هو مُتميِّزٌ هنا أنه حتى حين أنكرَ بيتَنكورْت وجودَ الشعبِ، فحضورُه على شكل طيفٍ – أي الخوف الذي أوحى به لدى الصفوة – كيّف خلقَ نظامٍ سعَى إلى منعِ الشعبِ من التوحُّدِ كقوة واحدة. لذلك فالنظامُ السياسيُّ اللاشعبيُّ كان امتدادا، مَهما كان سلبياً، لسلطةِ الشعب، والتاريخُ الذي يرويه لنا هذا الكتابُ إنما يستقي من المنهل عينِه، ولكنْ من الجهة المُعاكسة.

في بنائه مثلَ هذا النظام، كان التدجينُ سلاحَ بيتَنكورْت المُختارَ: الجهدُ المنهجيُّ البطيءُ لبناءِ مؤسساتٍ قادرةٍ على احتواءِ السخطِ الشعبيِّ وتقنينِه في مجاريَ رسمية. وكأن المُغنِّيَ الشعبيَّ علي بريميرا – الذي تتألقُ فصولُ كتابي هذا بأشعارِه – كان يعكسُ تجربتَه الخاصةَ بسني حكمِ بيتَنْكورْت حين كتب لاحقاً أن “القومَ المُدجَّنين دائما يُزرَبون، لكن هذا لا يكونُ إن كانت الشكيمةُ شيمتَهم.” وإذ سعى بيتَنْكورْت إلى خلقِ شعبٍ مُدجَّنٍ، فإنه لم يكن ليتحمَّلَ ذوي الشكيمة، لذلك انصرفَ إلى استراتيجيةٍ مزدوجة: تدجينِ من ينصاعون لهيمنةِ حزبِ العمل الديمقراطيِّ (حركة العمال والفلاحين) الذي كان يقودُه، بينما يُقصي ويُهاجمُ من لا ينصاعون له (خاصةً التلاميذَ والشيوعيين).[xi] يبدأ التاريخُ الشعبيُّ هذا، التاريخُ النابعُ “من الأسفل”، بحركاتِ تمرُّدٍ فوريٍّ حيَّت انتخاب بيتَنكورْت؛ فإن كان هذا الرجلُ مُرتاباً من الحركاتِ الجذريةِ، فقد كان هذا الارتيابُ متبادَلا. أما الأحياءُ الفقيرةُ حول كاراكاس، فكأنّها كانت تعرفُ ما ينتظرها يومَ انفجرت بمظاهراتِ الشغبِ حين وصلتها أنباءُ رئيسِها “الديمقراطيِّ” الحقيقيِّ الأول. وأما بيتَنْكورْت، فلم يغفرْ للعاصمةِ خيانتَها قطُّ. فبعد تقلُّدِه السلطةَ استمرت التعبئةُ الجماهيريةُ، لأن هذه الافتتاحيةَ الديمقراطيةَ المحدودةَ نفسَها – حين تُقارَنُ بالتجربةِ المُفرحةِ للخلاصِ من الدكتاتورِ – ساعدت في إذكاء نارِ التمرد. يومئذٍ احتلّ التلاميذُ جامعاتِهم، والفلاحون أراضيهم، ومشَى العاطلون عن العملِ في العاصمةِ يطلبون عملا. تصوّر هذه: في أقلَّ من سنةٍ بعد انتخابِ “أبي الديمقراطيةِ الفنزولية”، كانت حكومتُه تُطلقُ الرصاصَ القاتلَ على الشعبِ في الشوارعِ، وقد صُرف معظمُ سنتِه الأولى في الحكمِ تحت الكعبِ الحديديةِ لأحكامِ الطوارئ.[xii]

حين عجز بيتَنْكورْت عن احتواءِ هذه الطاقةِ المتمردةِ النابعةِ من الأسفل في نظامٍ قادرٍ على نزعِ فتيلِها، جرّب الإقصاءَ وأتبعَه بالقمع. فقامت حكومتُه تدريجيًّا بدفعِ القطاعاتِ الجذريةِ خارجَ المؤسساتِ الديمقراطية، مُحوِّلةً ما كان يمكن أن تكونَ معارضةً مواليةً إلى غيرِ موالية. وقد تبلورَ هذا “الخارجُ” في شكلِ حربِ غِوارٍ بدأت بعد فترةٍ وجيزةٍ من وصول بيتَنْكورْت إلى السلطة؛ فقد سعى إلى الانقلاب على الديمقراطيةِ الفنزولية مئاتٌ من الشبابِ الفنزوليين، مستلهمين النجاحَ الحديثَ لعصبةٍ صغيرةٍ من الكوبيين. وبحسبِ أيٍّ من المعايير القياسية – أكانت عسكريةً أم سياسيةً – لقد مُني كفاحُ الغِوارِ الفنزوليُّ بفشلٍ ذريع؛ ذلك أن المغاويرَ تمادَوْا في ابتعادِهم عن قاعدتِهم، وكانت هذه القاعدةُ تختارُ على نطاقٍ واسعٍ “التناقضَ الظاهرَ” في المشاركةِ الانتخابية.[xiii] لكنّ السرَّ كامنٌ، ببساطةٍ، في إدراكِ أنّ تلك الطاقاتِ الجذريةَ النابعةَ من الأسفلِ، التي ولّدت في البدءِ كفاحَ الغوارِ، لم تتلاشَ، وكذلك تلك المطالبُ من قِبل الجماهيرِ الشعبيةِ التي لم يكنْ النظامُ الديمقراطيُّ الجديدُ يريدُ الاستجابةَ لها أو أنه لم يكنْ قادرا. بدل ذلك، فتح الفشلُ الخارجيُّ الظاهرُ الذي أصابَ الكفاحَ الغِواريَّ الطريقَ إلى حركاتٍ اجتماعيةٍ ثوريةٍ متعددةٍ متشظيّةٍ، وتودّد المغاويرُ السابقون أنفسُهم لـ”الشرعيةِ” بطرق مختلفةٍ، ودار كلا القطاعين دورانا حلزونياً حول بعضِهما بعضاً في كفاحٍ ثابتٍ لتثوير الدولةِ وتجنبِ مجساتِها.

تاريخُ من؟

لذلك، ليس هذا تاريخَ فنزولا “الاستثنائية”، فنزولا الوحيدةِ المرئيةِ، على ما يبدو، للكثرةِ من العلماءِ الاجتماعيين في الولاياتِ المتحدةِ وللبعضِ في فنزولا. فلعقودٍ خلتْ، بدت فنزولا للكثيرين واحةً للاستقرارِ وسطَ الفوضى الاقتصاديةِ، والحكمِ العسكريِّ، والحربِ الأهليةِ التي اجتاحت المنطقةَ خلال ستيناتِ القرنِ العشرين وسبعيناتِه. بل زعم بعضُهم، كالعالِمِ السياسيِّ دانيِل ليفايْن، أنّ هذا الاستقرارَ يُعزَى إلى قدرةِ بيتَنْكورْت، أولا، ثم إلى نظامِ الحزبين في دمجِ النزاعِ والتغييرِ بنجاحٍ في مجالِ السياسةِ الرسميةِ بـ”تنظيمِ الحياةِ الاجتماعيةِ من القمةِ إلى القاعدة،” مما يقطعُ دابرَ التهديداتِ الجذرية.[xiv] لكنّ هذا الرأيَ يُهملُ الدرجةَ التي عمل فيها الدمجُ إلى جانبِ الإقصاءِ، وحقيقةَ أن المجتمعَ الفنزوليَّ، بشكل واضحٍ، لم يكنْ مُنظَّماً “من القمةِ إلى القاعدة،” لأن “القاعدةَ” سرعان ما كشفت عن نفسها.[xv]ولما استُبعدت هذه “القوةُ النابعةُ من تحت” بالتدريجِ، باتت “القوةُ الهابطةُ من فوق” غريبةً، واهمةً، وفوق كلِّ هذا، قاسيةً، وبهذه القسوةِ باتت نظيرا مباشراً لاستقرارِ النظامِ المزعوم. وكما قال ميرابو عن المستعمرين في هاييتي، إن هؤلاء النخبةَ الذين عدُّوا أنفسَهم استثنائيين لسنينَ كثيرة “كانوا ينامون على حافة [بركانِ] فيزوف حتى من غير أن يعلموا.”[xvi] كذلك فعل الأكاديميون من أمثال ليفايْن، الذين ارتكبوا خطأ تقديرياً في حجم الملحمةِ يوم زعموا أن “المستقبل في فنزولا في أيدي الرجالِ الحريصين.”[xvii] مثلُ هذه المزاعمِ – و”أطروحةُ النظريةِ الاستثنائية” التي يتكئون عليها – سرعان ما سوف تُدفن مثل بومباي تحت الحمم الهائلة.([4])

لما غدا نظامُ الديمقراطيةِ التمثيليةِ في فنزولا قاسياً وإقصائيا، فاسداً وعنيفاً، أصبح تحذيرُ الجوقةِ الثيبيةَ في أنتِغوني،([5]) “انحَنِ أو انكسرْ، انحنِ أو انكسر” معبِّراً جداً عن الحال.[xviii] فتزايدَ الضغطُ كلما تعثّر تحقيقُ أحدِ المطالب. وقد كان في هذا الوقتِ أن حوّل علي بْريميرا – الذي لم يكن معروفا كـ”مُغني الشعب” – النشيدَ الوطنيَّ إلى نشيدِ حربٍ حقيقيّ. وقُبيل موتِه المشكوكِ فيه عام 1985، قدّم بْريميرا لأدائه نشيدَ “المجدُ للشعبِ الشجاع” أمام جمهورٍ مدينةِ بارْكِيسيميتو بهذه الكلمات: “لكي نُطهِّرَه، لكي نُطهِّره فيما بيننا، لكي نُطهِّرَه في أيدينا، في قلوبِنا، في عيونِنا، في أرواحِنا. لكي نُطهِّرَه للأوقاتِ التي لوثوه فيها. أغنيةُ شعبنا الأسمى، الأغنيةُ التي صيغت في الدروبِ وفي المعاركِ التي منحتنا اسم فنزولا، الوطن. الأغنيةُ الدائمةُ، أغنيةُ الطيورِ، والأطفالِ، أغنيةُ الوحدةِ الفنزوليةِ، أغنيةُ معركةِ المستقبل.” وإذ مرّ الزمنُ، وساء الاقتصادُ، ودفعت الإصلاحاتُ اللبراليةُ الجديدةُ الملايينَ إلى هاويةِ الفقرِ المُدقع، وسطَ عملةٍ مُنهارةٍ، وأسعارٍ تُطاولُ السماءَ، وإذ أصبح التمرُّدُ حدثا يومياً، لم ينحنِ هذا النظامُ، وما كان له إلا أنْ ينكسر.

ولقد انكسر في 27 شباط 1989، في اليوم عينِه الذي طُبِّقت فيه الإصلاحاتُ اللبراليةُ الجديدةُ التي وضعها الرئيسُ كارْلُس أنْدريس بيريس. قُصم ظهرُ البعيرِ، وانفجرت الأحياءُ الفقيرةُ في شغبٍ دامَ أسبوعاً، وعُرف باسم “كاراكازو” [أي هبَّة كاراكاس]، التي كادت تتحوّلُ إلى عصيانٍ جماهيريٍّ مُسلِّحٍ (راجعْ الفصلَ الإضافيَّ المتعلقَ بها). خلال هبّةِ كاراكاس هذه، عبّرَ نشيدُ “المجدُ للشعبِ الشجاع” بشكل متزايدٍ عن المحتوى الجذريِّ لـ”الشعب” نفسِه، حيث أعيدت في الشوارعِ دلالة عبارة (si de lucha se trata) حسب معناها العاميِّ المزدوِجِ: “الغضب من” أو “الملل من” حال الأمور. فقد عكُس الاسمُ والنعتُ، فكانت عبارة “الشعب ملّ” اتهاماً مباشراً للنظامِ السياسيِّ بكاملِه. وفي أثناء العصيانِ – حين كانت شدّةُ الغضبِ لا تقارنُ إلا بالشجاعةِ أمامَ معظمِ المصاعبِ الوعرة – أثبت النشيدُ الوطنيُّ مرةً أخرى نبوءتَه، إذ أنّ الفنزوليين والعالمَ “حذَوْا حذوَ كاراكاس” في لحظةِ غضبِها الشديدِ والعمليةِ السياسيةِ التي دشّنتها هبّةُ كاراكاس. أما هؤلاء الناسُ الذين استولى عليهم المللُ، فلن يجدوا كثيراً من الراحةِ في المدى القصير: ذلك أن ما بين ثلاثمائةٍ وثلاثةِ آلافٍ قد ذُبحوا في سبيلِ استعادةِ وجهِ الاستقرارِ الديمقراطيِّ، وبالرغمِ من أنّ الضربةَ أصابت هذا النظامَ المشرفَ على الموتِ، فقد استمرَّ يعرجُ حتى نالت منه أخيرا وقتلته.

إنّ موضوعَ التاريخِ الذي أرويه هو هذا “الشعبُ الشجاعُ” الذي أعلنَ حضورَه المدوِّيَ سنة 1989، ففجَّرَ بظهورِه “أسطورةَ التناغمِ” السائدةَ التي قدّمت لاختفائها.[xix] وما تقنَّعَ على شكلِ “تناغمٍ” فريدٍ انكشفَ الآن على أنه اثنان، بالجزءِ المخفيِّ سابقاً من المعادلةِ متجمّعاً تحت عباءةِ “الشعب” (لكن ليس من غير إدامةِ تميّزِه الداخليِّ الذي اكتُسِب بصعوبة).[xx] هذا تاريخٌ كُتِبَ من ذلك اللامكانِ الذي لم يظهرْ مرئياً تماماً إلا سنةَ 1989، والذي يسميه علي بريميرا “فنزولا الأخرى”، والذي يمتلك حتى “حقيقته” الخاصةَ به:

آتي من حيث لم تذهبوا إليه قط…

من فنزولا الأخرى، فنزولا الفقراء،

فنزولا التي لا سببَ عندها، لا سببَ لوجودِها…

حقيقةُ فنزولا لا يُعثَرُ عليها في النادي الريفيِّ

ففي التلالِ [حيث الأحياءُ الفقيرةُ] توجدُ هذه الحقيقةُ

مع الشعبِ ومع سخطِه

هذا تاريخٌ للإقصاءِ والإحباطِ، للتعذيب والذبح، للثروةِ واللصوصية، لغمزةِ السياسيِّ وإيماءةِ البيروقراطيِّ. لكنه أيضاً أبعدُ بكثير من ذلك، لأن تحديدَ تاريخِنا بجرائمِ الأقوياءِ يعني أن نبقَى منوَّمين مغناطيسياً بخرافاتِ حُكمِهم، خرافاتٍ تشي بأنهم حقيقةً “في” السلطةِ وليسوا، في نهايةِ المَطافِ، محضَ محتلين مناصبَ هشةً داخل المؤسسيّةِ السياسيةِ في الدولة. ولئن كان الإفلاسُ الأخلاقيُّ لدى النخبةِ الفنزوليةِ انكشفَ ليراه العالمُ كلُّه في هبّةَ كاراكاس سنة 1989، فقد ظهرت هشاشتُهم السياسيةُ في أوضح حالِها في انقلابَيْن عسكريَّيْن فاشلَيْن سنة 1992، قاد أوَّلَهما – في 4 شباط – تشافيز نفسُه.

تروي عبارةُ “نحن من صنعنا تشافيز” قصةَ ما حدث بين عامَيْ 1958 و1989، القصةَ التي تربطُ هبّةَ كاراكاس لسنة 1989 بانقلابِ تشافيز الفاشلِ سنة 1992 وانتخابات 1998 اللاحقةِ، وأخيراًَ قصةَ العلاقةِ بين هذا الشعبِ الشجاع والعمليةِ السياسيةِ القائمةِ الآن. وهكذا، بالرغم من أنه “تاريخُ الشعبِ”، كما يقول العنوانُ الفرعيُّ لكتابي، إنه أيضاً تاريخُ الثورةِ البوليفاريةِ، وإذ أنه يُضيِّقُ المجال على الأول، فهو يسعى لتوسيعِ فهمنا للثاني: لقد كانت هذه الثورةُ عمليةً أطولَ بكثيرٍ مما يُدركُ الكثيرون. يبدأ معظمُ التقاريرِ التاريخيةِ للثورةِ البوليفاريةِ سنةَ 1998، سنةَ انتخابِ تشافيز، كتعبيرٍ عن الانهيارِ لنظامِ الحزبين في فنزولا.[xxi] وبينما كانت هذه الفترةُ مُهمةً بما لا يُنكَرُ لما حدث منذئذٍ، فإني أسميه “تعبيراً” بحذرٍ: كمثلِ الاشمئزازِ الذي شعرَ به الناسُ تجاه من حلَّ محِلَّهم، كان انتخابُ تشافيز نتيجةَالنضالاتِ السابقةِ، لذلك يجبُ أن ننظرَ أكثرَ إلى الخلفِ. تفعلُ هذا بعضُ رواياتِ التاريخِ الحاليةِ باحثةً عن أصولِ نجاحِ تشافيز الانتخابيِّ في عدم نجاحِه عام 1992 وفي ظهورِه المتلفزِ المباشرِ الذي أعلن ذلك الفشل. وإذ تحمَّلَ تشافيز مسؤوليةَ فشلِه كاملة في هذا اليوم – وهو حدثٌ نادرٌ للرموزِ السياسيةِ في فنزولا – فقد نطق بكلمتين حاسمتين غدتا، بين ليلةٍ وضحاها، شعارا ووطّدتا مستقبلَه السياسيَّ: إن المتمرِّدين، حسب هذا المُقدَّمِ الشابِّ، قد فشلوا في “الوقتِ الراهن” (par abora).

هذه أيضاً كانت لحظةً حاسمةً؛ لكنْ مرةً أخرى، ليس كافياً مجرَّدُ ربطِ سنةِ 1998 بسنةِ 1992، أي نسبةُ نجاحِ تشافيز في القبضِ على السلطةِ انتخاباً إلى فشلِه في ذلك انقلابا. ذلك أن تاريخاً يمدُّ الخطَّ ما بين سنتي 1992 و1998 إنما هو تاريخٌ هابطٌ “من أعلى”، تاريخُ سلطةِ الدولةِ، للفشل أوّلاً ثمّ للنجاحِ في “القبضِ” على الدولةِ، بدلَ أن يكونَ تاريخاً صاعداً “من أسفلَ،” تاريخَ السلطةِ الشعبية. ولإعادةِ كتابةِ هذا التاريخِ من أسفلَ لا بدَّ من النظرِ نظرةً أبعدَ إلى الخلفِ، بمزيدٍ من تقليصِ قائمةِ الأسبابِ التاريخيةِ الحاليةِ لمن يُحدِّدون في تاريخٍ سابقٍ مكانَ الدافعِ الأساسيِّ لسنتي 1992 و1998 كلتيهما: ألا وهي هبّةُ كاراكاس سنة 1989. التحوُّلُ هنا تحوُّلٌ أساسيٌّ: إن تركّزت سنتا 1992 و1998 على تشافيز الفردِ وعلى الدولةِ كغايةٍ عنده، فإنّ سنة 1989 تكشفُ عن أنّ هذا المشروعَ الفرديَّ كان يتكئُ على قاعدةٍ جماهيريةٍ أكثرَ نزوعاً إلى التدمير منها إلى القبضِ على الدولة. وبينما ركّزت سنتا 1992 و1998 على مسائلِ “السلطةِ الشرعيةِ”، سلطةِ الدولةِ الدستوريةِ، كانت سنة 1989 بدلَ ذلك تفجيراً “للسلطةِ الانتخابية”، وكانت تلك القوةُ العنيفةُ جذرياً موجَّهةً ضدَّ تلك المؤسساتِ، بينما هي نفسُها تُقاومُ المأسسة.[xxii] مع هذا، حتى الكثيرُ من تلك الرواياتِ التاريخيةِ التي تعترفُ بالأهميةِ الأساسيةِ لسنة 1989 لا تتبعُ هذه الأهميةَ إلى ختامِها الأقصى، فتختارُ بدل ذلك تركيزَ التاريخِ المعاصرِ على تشافيز نفسِه، فتُسهمُ بهذا، ولو من غير قصد، لما يعدُّه فيلاسكو “نسباً تاريخياً يستندُ إلى نهوض هوغو تشافيز كمُخلِّصٍ للقطاعاتِ الشعبيةِ التي عانت طويلاً، والتي يمكنُ إرجاعُ يقظتِها السياسيةِ، في أحسن الأحوال، إلى منتصفِ ثمانيناتِ القرنِ العشرين ونهايتِها.”[xxiii] آملُ أن أستفيضَ أكثر. في نهايةِ المطافِ، من أين جاءت سنةُ 1989؟ هنا، لا حدَّ لرجوعِنا إلى الخلف، وإن الصدامَ الذي وقعَ في الشوارعِ في شباط 1989 بين “من أسفل” و”من أعلى” يجدُ كلا الطرفين شرعيين في السنين التاليةِ لسنة 1958: في حربِ الغِوارِ وانهيارِها وفي فترةِ بناءِ الحركةِ الذاتيِّ التي تبعت ذلك.

 

 

 


[1] هوارد زِن (Howard Zinn) (1922-2010) مؤرخ أمريكي، وكاتب مسرحي، وناشط اجتماعي. درّس العلوم السياسية في جامعة بوسطن. من أشهر كتبه “A People’s History of the United States” (التاريخ الشعبي للولايات المتحدة). كما كتب حول حقوق الإنسان والحركات المضادة للحرب. وكتب أيضاً مطالبا الولايات المتحدة بالانسحاب من فيتنام، كما عارض بشدة حرب بلاده على العراق واحتلاله عام 2003. وصف نفسه بأنه “فوضوي نوعا ما، واشتراكي نوع ما، وربما ديمقراطي اشتراكي.”

راجع:  http://en.wikipedia.org/wiki/Howard_Zinn#Anti-war_efforts [المترجم]

[2] هذا النشيد الوطني الفنزولي (المجد للشعب الشجاع – Gloria al Bravo Pueblo) قرّر تبنيه الرئيس أنطونيو غُسْمان بلانكو في 25 أيار 1881. وقد كتب كلماتِه الطبيبُ والصحفيُّ فِيسِنتِه سالياس عام 1810. ثم ألّف الموسيقى لاحقاً خوان خوسيه لانديتا. وقيل إن هذا اللحن كان معروفاً منذ عام 1840 على أنه المارسِليزا الفنزويلية (La Marsellesa Venezolana)، في إشارةٍ للنشيد الوطني الفرنسي، المارسيليز (La Marseillaise). [المترجم]

[3] رومولو بيتَنكورْت (Rómulo Ernesto Betancourt Bello) كان رئيسا لفنزولا من 1945 إلى 1948 ثم من 1959 إلى 1964، وكان زعيم حزب العمل الديمقراطي الفنزولي. ويعده الأكاديميون الأب المؤسس لفنزولا الديمقراطية الحديثة. [المترجم]

[4] هنا يشيرُ الكاتب إلى بركان فيزوف في إيطاليا الذي ثار بقوة سنة 79م. ودمرت حممه مدينة بومباي الرومانية. [المترجم]

[5] في هذه الجملة إشارة لمسرحية سوفوكْليس المأساوية، أنتيغوني، التي كُتبت حوالي سنة 440 ق.م.


[i] Iraida Morocoima, cited in Martinez, Fox and Farrell, ibid. 42.

[ii] راجع، مثلا:

Paolo Virno, Grammar of the Multitude: For an Analysis of Contemporary Forms of Life, trans. I. Bertoletti, J. Cascaito and A. Casson (New York and Los Angels: Semiotext(e), [2001] 2004); Michael Hardt and Antonio Negri, Multitude: War and Democracy in the age of Empire (new York: penguin, 2004).

[iii] أضف إلى ذلك الغموض النحوي في [لفظة] الشعب – أهي جمع أم مفرد؟ – لا يمكن حلها كليا بالتفرقة بين الشعب (لفظة مفرد) وبين الناس (لفظة جمع). بل إن التعددية تنفذ إلى داخل الشعب نفسها وآمل من القارئ أن يعذر أي غموض يظهر فيما يتبع إفراد لفظة “الشعب” أو جمعها.

[ملاحظة من المترجم: لعل هذه الإشكالية اللغوية متعلقة باللغة الإسبانية، وهي لا تظهر في الترجمة العربية للفظة “شعب”.]

[iv] Fidel Castro Ruz, History Will Absolve Me, trans. C. Gonzalez Diaz (Havana: Editorial José Mati, [1953] 1998), 56.

كثير من الترجمات تقتل معنى هذه الجملة. فبعد ذكر المجموعات المختلفة التي تؤلف هذا الجمهور المكافح في كوبا، يضيف كاسترو، “هذا هو الشعب، الشعب الذي يعرف المحن، فهو لذلك قادر على القتال بشجاعة لا حد لها!” (57-58).

Enrique Dussel, Twenty Theses on Politics, trans. G. Cicariello-Mahr (Durham, N.C.: Duke University Press, [2006] 2008), 74-75.

[v] Dussel, Twenty Theses,72.

غير أن مثل هذا الحوار والترجمة، كما سنرى، نادراً ما يكون تطوعاً وهي غالباً نتيجةُ صراع داخلي بين الناس.

[vi] Fernando Coronil and Julie Skurski, “Dismembering and Remembering the Nation: The Semantics of Political Violence in Venezuela,” in Politics in the Andes: Identity, Conflict and Reform, ed. J.M. Burt and P. Mauceri (Pittsburgh: University of Pittsburgh Press, 2004), 96.

[vii] في النشيد الوطني ما يكفي لتبرير التأويلَيْن المحافظ والثوري كليهما. ففي السطر الثاني تحديدا (La ley respetando la virtud y honor) غموض يشوّش الترجمة: من هو الفاعل؟ أحيانا يصبح الشعب هو الفاعل وبهذا يكون خاضعاً لـ”احترام القانون”، لكن من الممكن أن يكون القانون هو الفاعل، وبهذا عليه أن يطيع الشعب.

[viii] هذا الكفاح الحالي، كما قال آخرون، يدفن هذه الديمقراطية التمثيلية، بتوجيهها المؤسسي للطاقة الشعبية وجهودها كي تعزل الدولة عن إرادة الشعب، أمام تجربة جديدة في الديمقراطية التي هي أكثر مباشرةً وجذرية ودفعاً أساسيا “من أسفل”. يتكلم فيلاسكو عن “الجدل حول الآراء المتنافسة في الديمقراطية والثورة” التي ظهرت قبل هبة كاراكاس بزمن طويل في الأحياء الشعبية الجذرية مثل 23 دي إنيرو (“لا نزال متمردين”، 180). راجع أيضاً:

Steve Ellner, “The Radical Potential of Chavismo in Venezuela: The First Year and a Half in Power,” Latin American perspectives 28, no. 5 (Sep. 2001); Jennifer McCoy, “From Representative to Participatory Democracy?” in The Unraveling Representative Democracy in Venezuela, ed. McCoy and Myers (Baltimore: The Johns Hopkins University Press, 2004).

[ix]  Terry Lynn Karl, The Paradox of Plenty: Oil Booms and Petro-States, (Berkeley: University of California Press, 1997); Micael Derham, “Undemocratic Democracy”, Bulletin of Latin American Research, 21, no. 2 (2002), 270-89; Luis J. Oropeza, Tutelary Pluralism: A Critical Approach to Venezuelan Democracy, (Cambridge, MA: Harvard, 1980); Michael Coppedge, Strong Parties and Lame Ducks: Presidential Patriarchy and Factionalism in Venezuela (Stanford, CA: Stanford University Press, 1994); Jennifer McCoy, Venezuelan Democracy Under Stress, (Miami, FL: University of Miami, 1995).

[x] Romulo Betancourt, Tres años de Gobiero Democratica, v. 2. (Caracas: Imprenta Nacional, 1962), 245.

[xi] هذا التمييز ليس صعبا؛ فحتى ضمن الحركة العمالية، اعتمد بيتَنكورْت على عمليات الإقصاء الطائفية جنبا إلى جنب مع التعاون. وفي هذا التمييز، أنا أُعقِّد توكيد مانيرو على “الهجوم المباشر” و”التراجع الدكتاتوري” الذي قام به بيتَنكورْت (راجع: Negative Notes, 63).

[xii] كابيسيس دونوسو يقوم بالحسابات منذ كانون الثاني 1963؛ فمن 1,421 يوما في المكتب، كانت 761 تحت حالة الطوارئ.

Mauel Cabieses Donoso, Venezuela, Okey! (Santiago: Ediciones del Litoral, 1963), 166.

[xiii] Velasco, “‘We Are Still Rebels,’” 166.

[xiv]  Daniel H. Levine, “Goodbye to Venezuelan Exceptionalism,” Journal of Interamerican Studies & World Affairs 36, no. 4 (Winter 1994), 147.

[xv] ليس إهمال هذه “القاعدة” محض صدفة: فقد شرّحت سوجاثا فرناندس ببراعة افتراض معظم العلماء الاجتماعيين أن الجماهير الفقيرة غير قادرة أساساً على العمل الذاتي. (Who Can Stop the Drums?, 4).

[xvi] James, The Black Jacobins, 55.

[xvii] Daniel H. Levine, “Conflict and Politics Change in Venezuela. (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1973), 259.

[xviii] Sophocles, The Three Theban Plays, trans. R. Fagles (London: Penguin, 1982), 96.

وكما لاحظ مانيرو، هذا “الحمل الزائد” من التوتر “قد زيد بهيكل سياسي حال دون إطلاقه الجزئي” (Negative Notes, 20).

[xix] لتحليل “أسطورة التناغم” وإحلال نقد “الاستقطاب” محلها في الأوساط العلمية الاجتماعية، راجع:

George Ciccariello-Mahr, “Jump-starting the Decolonial Engine: Symbolic Violence from Fanon to Chavez,” Theory & Event 13, no. 1 (2010).

[xx] بعضهم ما فتئ منذ سنين يشخص وجود فنزولتين اثنتين, راجع، مثلا:

Maniero, Negative Notes, 16, 85, and 83.

[xxi] غالبا ما يُعدُّ تشافيز لدى العلماءِ الاجتماعيين من ذوي الاتجاه السائد “مرشَّحا مضاداً للحزبية،” مُركِّزين، ثانية، على القائد الفرد، بينما ما فتئت “العاطفة المضادة للحزبية” تتنامى في القطاعات الشعبية لعقود من الزمن، كما وُثِّقَ ذلك لدى Maniero, Negative Notes, 22-23, ، مثلا.

[xxii] في العالم الأورو-أطلسي، أنيطت الشعبية بهاتين الفكرتين من قبل أنطونيو نِغري وآخرين، ولكن بطريقة تعدُّهما متضادتين على الإطلاق. ولمحاولةٍ نظرية لمقاومة مثل هذا التضاد المطلق، راجع: (Dussel, Twenty Theses). ولمَثَلٍ على استخدام السلطة الشرعية والتعددية في سياق فنزولي لا يسقط في مثل هذا التضاد، راجع: (Denis, Rebelion en Proceso). ولتحليل مقارن، راجع:

George Ciccarello-Mahr, “Constituent Moment, Constitutional Processes,” Latin American Perspectives (May 2013).

[xxiii] Valesco, “We Are Still Rebels,” 180.

هنا لا أزال أفكر، مثلا، بكلٍّ من: وِلبيرت، تحوّل فنزولا إلى اشتراكية القرن الحادي والعشرين، تر. بسام أبو غزالة؛ و(Gott, Hugo Chavez)؛ و

Hugo Chavez and Marta Harnecker, Understanding the Venezuelan Revolution, trans. C. Boudin (New York: Monthly Review, 2005).

حتى التاريخ الأكثر شمولية الذي قدمه بوميلا-مولينا وإل تْرودي يبقى يدور حول مركزية تشافيز:

Luis Bomilla-Molina and Haiman El Troudi, Historia de la Revolucion Bolivariana: Pequena Cronica, 1948-2004 (Caracas: Universidad Bolivariana, 2004)

بيد أن هذه النصوص ضرورية، ولا أنوي مساءلة مصداقيتها؛ بل أؤكد فقط على ما أهملته أو استبعدته بطريقة أو بأخرى.

 

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة “كنعان” الإلكترونية أو محرريها ولا موقع “كنعان” أو محرريه.