مخيم عين الحلوة … الموت على طريقة سينيكا

عادل سمارة

بين الأسطورة والواقع، فإن نيرون ديكتاتور روما قد حكم الفيلسوف سينيكا بالإعدام بقطع شريان ساقه بينما  بقي سينيكا واقفا يلقي خطابه حتى قضى نحبه.

هذا ما تذكرته وهم يقيمون جدارا اسمنتيا حول مخيم عين الحلوة الفلسطيني في لبنان “ثاني” ديمقراطية بعد الكيان الصهيوني في الوطن العربي الذبيح بينما الصمت يكتم حتى صوت الجرافات التي تكلبش المئة ألف فلسطيني.

لا يجد المرء سببا حقيقيا لهذا الحصار اليوم بالتحديد.

لم يكن  ولم يصبح الفلسطينيون في وارد الاندماج في لبنان لأن هاجسهم هو العودة. ولا لبنان في وارد دمج الفلسطينيين لأن بنائه الطائفي العنصري لا يستوعب أحداً، بل والشكر لله أن هذه الطوائف لم تعد تتذابح كما كانت بالأمس.

ولكن عنصرية الطوائف في لبنان تقف على اساس أخطر هو المصلحة الطبقية لقيادات الطوائف في الكيانية اللبنانية بعيدا  عن اي بعد قومي. وهو موقف يحكم كافة الطبقات الكمبرادورية الحاكمة في الوطن العربي والتي تحالفها مع المركز الراسمالي الغربي على حساب وطنها.

فالشرط الأساس في القطرية أن لا قطرا مسؤولا عن آخر، ولا موقف قومي من اية قضية. لذا الأنظمة العربية وخاصة الخليجية تطالب المجر باستعاب اللاجئين السوريين ولا تسأل نفسها. هذا مع ان السوريين لديهم وطنا يعودون إليه. وهذا التجريد الثقافي والجغرافي من المسألة القومية يُطال الفلسطينيين أولا .

وإذا كان هذا وضع العرب في ظل القطرية قبل المذبحة الجارية، فمن هو النظام أو حتى الحزب السياسي الذي سوف يلتفت إلى خنق المخيمات حيث لا تحفزه لذلك:

·       ثقافته القطرية من جهة

·      وحيث وجوده الفزيائي مهدد بالذبح

لعل السؤال الذي لا بد منه: لماذا يتم الصمت عن حصار المخيم بالإسمنت؟  صمت الفلسطينيين بوجه خاص. صحيح أن هناك إرهابيين من الفلسطينيين. ولكن كيف يمكن ضبط  الإرهابيين اللبنانيين والسوريين في لبنان؟  كيف يمكن ضبط عملاء الصهيونية في لبنان من أعلى منصب إلى عامل النظافة؟ أم أن عملاء الصهيونية هم المواطنين الأفضل في لبنان؟ ومن يضبط الإرهابيين الوهابيين من مكة حتى بنغازي، ومن انغوشيا حتى ألاسكا؟

هل الأمر غير تصفية الوجود الفلسطيني بالخنق طالما لم تسقط سوريا ولم تعد هناك فرصة لتهجير الفلسطينيين من لبنان إلى الجزيرة الفراتية التي يتم تجييرها لكيان كر-صهيوني!

 واضح أن جرائم من هذا القبيل أتت بعد عديد المخططات لتصفية القضية الفلسطينية، نذكر منها فقط التهجير إلى كندا. وكندا وهي حاملة ملف اللاجئين الفلسطينيين في الأمم المتحدة منذ 1948 ، وبالطبع اي حامل أمين! فليس من السهل تهجير الناس إليها بالقوة كما كان سيحصل لو سقطت سوريا.

الجدار حول عين الحلوة نسخة عن جدار شارون بين الضفة المحتلة والمحتل 1948. ما الفرق؟ لا فرق.

السلطات اللبنانية تقرأ تماما الأسلوب الصهيوني في تفريغ فلسطين من أهلها. عام 1948 كان الطرد المباشر،  وبعد 1967 كان الطرد الناعم أو الإزاحة، بمعنى التضييق بالقتل والسجن ومصادرة الأرض كإزاحة ناعمة وصولا إلى قرار الفلسطيني الإنزياح الذاتي أي الرحيل.

(انظر مقالتي في مجلة كنعان  العدد 94، كانون اول 1999 الاستيطان من الطرد للإزاحة فالانزياح الذاتي)

اليس منع الفلسطيني من مئات الأعمال هو أحد عوامل دفع البعض للجوء إلى الإرهاب، وهو ما دفع كثيرين للهجرة وسيدفع الجدار أعدادا اكبر للرحيل.

ورحيل الفلسطيني لن ينقذ لا لبنان ولا اي قطر عربي من كوراثه الذاتية البنيوية، بل هو فقط ينقذ الكيان الصهيوني من التمسك العنيد بحق العودة وهو الحق الذي بات واضحا، أنه بالتحرير فقط، وهذا بدوره ما يدفع الطبقات الكمبرادورية العربية للإجماع على تصفية قضية ليست في مستوى قامة النهوض بها. فمع سقوط رسمي عربي أعمق، ومع ضياع شعبي عربي اوسع، ومع تورط إيديولوجي لصالح الدين السياسي يصبح الفلسطيني خاروف العيد. فهل يقبل؟ كما لم يقبل من قبل!

لبنان اليوم في مرحلة جديدة، تبدو شكلياً أفضل من السابق، ولكن تحت سطحها تمور أمور مقلقة.

فبناء الجدار حول المخيم الفلسطيني في العهد الجديد والذي في قمته كثير من العنصريين العلنيين، أو عدم تجميده مع العهد الجديد هو مؤشر مقاق.

وحديث الرئيس اللبناني بأن الجيش إذا ما تم تسليحه وتدريبه بوسعه حماية الحدود هو مؤشر مزدوج المعنى، بمعنى انه ربما يقصد أن سلاح المقاومة سوف يُمنع ذات يوم لا سيما في عصر الدولة القطرية التي ليست ضد الوحدة فقط بل تتذابح فيما بينها. فهل نلوم لبنان الرسمي على “تطنيش” فلسطين؟

إن  المعنى التحتي لهذا هو: أن المطلوب فقط حماية حدود لبنان، مقابل الأمن والأمان للكيان الصهيوني، اي انتهاء دور المقاومة لأن تحرير فلسطين وعودة الشعب الفلسطيني أمر لا علاقة للبنان به.

والأخطر هو الصمت الفلسطيني إزاء ما يحصل حول المخيم.

   لأن الوضع الطبيعي أن يكون هناك اتفافا او إعلانا مشتركا لتطور خطير كهذا حول اللجوء الفلسطيني في لبنان. أم ان هناك أمرا سريا مشتركا!

ليس المهم إن كان الجدار شاروني الطابع، أو كمنعزلات جنوب افريقيا سابقا (وربما لا يزال بعضها) ولا كمنعزلات الهنود الحمر في الولايات المتحدة، المهم أن الهدف هو تصفية القضية وحتى الشعب الفلسطيني تدريجيا وهو يلقي كلمته للتاريخ كما فعل سينيكا.

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة “كنعان” الإلكترونية أو محرريها ولا موقع “كنعان” أو محرريه.