تونس- تناقض الدولة مع المجتمع

 

الديمقراطية والمَسْألة الزراعية – نموذج واحة “جمنة”

 

الطاهر المُعِز

تقديم:

“جمنة” اسم قرية في الجنوب التونسي، على عتبات الصحراء في ولاية “قبِلِّي”، وهي من أكثر المناطق تهميشًا وإهمالاً من لدن الدولة، وهاجر عدد هام من أهالي المنطقة إلى الخارج وإلى مدن داخل تونس، بسبب غياب الإستثمارات والنشاط الإقتصادي والبنية التحتية، ويقطن “جمنة” حوالي سبعة آلاف نسمة، وهاجر عدد هام من أهْلِها قبل عقود للعمل في معمل الإسمنت في ضاحية “جبل الجلود” (جنوب العاصمة) حيث يُشَكِّلُ “الجمْنِيُّون” (أصيلو “جمنة”) جالية هامة، مُسْتَقِرّة هناك منذ قرابة ستين سنة… جمنة، كما منطقة “نفزاوة” ومنطقة “الجريد” تنتج التمور من الصنف الرفيع (دقْلة) في واحاتها، وكما في مناطق عديدة من العالم لم يكن يملك المواطنون والأُسَر والعشائر وثائق ملكية مُسَجَّلَة في السجل العقاري، بل يعرف الجميع أصحاب الأرض وحدودها، واستولى مستعمر فرنسي (بدعم من جيش الإستعمار ومن سلطته السياسية) على جزء هام من واحة “جمنة” وأصبح يستغلها ضمن شركة “سْكَاسْت” التي كان يملكها (رغم عدم وجود مَدَنِيِّين أوروبِّيِّين في معظم مناطق الجنوب الغربي)، وبعد تأميم أراضي المُسْتَعْمِرين استولت الدّولة على الأرض (1964)، رغم مطالبة أصحابها باسترجاعها ولو مقابل المال وسددوا نصف المبلغ في اتفاق مع الدولة التي واصلت تصنيفها ضمن “أملاك الدولة”، ثم سلَّمتها لشركة “ستيل” الحكومية، قبل خصخصتها، نزولاً عند أَوامر صندوق النقد الدولي، والتفريط في الواحة بأسعار رمزية إلى رأسماليين (“مُسْتثْمِرِين” في لُغَة صندوق النقد الدولي) مُقَرَّبِين من دوائر الحكم خلال عهد “زين العابدين بن علي” (1987 -2011) ولم ينقطع أصحاب الأرض الشرعيين عن المطالبة باسترجاع واحتهم طيلة هذه المدة، إلى أن انطلقت انتفاضة 2010-2011 فاحتل أهالي “جمنة” أراضيهم المَسْلُوبَة (المُسْتَوْلَى عليْها) قبل ثلاثة أيام من فرار “بن علي” وآلِهِ إلى السعودية…

أَقَرّت الحكومات المُؤَقَّتَة المُتعاقبة بسرعة مجموعة من الإجراءات مثل إنفاق مليارات الدينارات لتعويض مساجين حركات الإسلام السياسي وتشغيل عشرات الآلاف من عائلاتهم واقاربهم في القطاع الحكومي، ولكنها تعاملت مع جملة من المشاكل المُعَلَّقَة بتأجيل البت فيها، ومنها قضية “واحة جمنة”، رغم إقرار العديد من الوزراء السابقين ومن نواب المجلس (التأسيسي أو مجلس النواب) بعدالة القضية وحق أصحابها في استرجاع ملكيتها… ويرأس الحكومة الحالية (سنة 2016) موظف سابق لدى الإدارة الأمريكية ولدى سفارتها في تونس، وكان قد أصدر تقريرًا (والمهمة الأولى للعُملاء هي كتابة التقارير عن بلدانهم ومجتمعاتهم) عن قطاع الفلاحة في تونس (البلد الذي أنفق على تربيته وتعليمه) ودعا إلى ضرورة خصخصة الأراضي وبيعها إلى الأجانب، وهو ما لم يتجرّأ لا بورقيبة ولا بن علي على القيام به، وتَذَكَّرَ فَجْأَةً ان للدولة “هيبة” وجب الدفاع عنها في مواجهة أهالي “جمنة” البُسَطاء، ونَسِي “هيبة الدّولة” عندما يسْتَحْوذُ رأسماليون ومقاولون على شواطئ البلاد وعلى أرصفتها (المقاهي والمتاجر التي تحتل الفضاء العام) وعلى أراضي الدولة وعلى الواقع التاريخية والآثار التي تُؤَرِّخُ لحضارة عمرها ثلاثة آلاف سنة، وتذكرت هذه الحكومة (نظام الحكم بكافة أجهزته) هيبة الدّولة لتشُنَّ حملة ضد أهالي هذه القرية الذين استعادوا ما ورثوه عن أجدادهم وما افتكَّهُ الإستعمار والنظام الذي نصَّبَهُ نفس هذا الإستعمار…

لمحة تاريخية:

أستولى ممثلو الإستعمار على الأرض خلال مرحلة امتدّت من 1912 إلى 1937 وعندما استولى المُسْتعمر الفرنسي (Maus de Rolley) على الأرض (دون أي تعويضات) كانت الأرض مزروعة بآللآلاف من أشجار النّخيل، قبل ضم الأراضي التي كانت توجد خارج الواحة القديمة، وبعد “الإستقلال” كان بورقيبة ومساعدوه (منهم الرئيس الحالي، الباجي قائد السبسي) معجبين بطرق الإستغلال الإستعماري للأرض، وأعلن بورقيبة ذلك صراحة في واحة “توزر” (الجنوب الغربي للبلاد) سنة 1964، حيث عبر عن رغبته في مواصلة استخدام طرق الإستعمار في تركيز ملكية الأرض بين أيدي قلة من الرأسماليين أو لدى الدولة في مرحلة أولى بهدف الإستغلال المُكَثّف للأرض، كما عَبّرَ (كعادَتِهِ) عن احتقاره للفلاحين وللفقراء الذين يكتفون باستغلال الأرض من أجل تحقيق الإكتفاء الذّاتِي، وعبر عن معارضته للملكية الجماعية للأرض التي كانت سائدة وعن استعداده لافتكاك الأرض من أجل تحويلها إلى مزارع كبرى تنتج من أجل التصدير، وليس من أجل تلبية احتياجات مواطني البلاد، وهي رُؤْيَةٌ تَتَّفِقُ مع المُؤسّسات المالية الدولية ومع النظرة الإمبريالية “لِوَظِيفَةِ” البلدان شِبْه المُسْتَعْمَرَة، فهي خَزّان لليد العاملة الرخيصة وللإنتاج الزراعي والصناعي المُلَوِّثِ والرخيص، وللتذكير فإن مطلب استعادة أصحاب الأرض للمزارع التي استولى عليها المُسْتَعْمِرون الفرنسيون، كان من المطالب الرئيسية لحركة التحرير الوطني في تونس، وتنكر لها بورقيبة وحِزْبُهُ بعد “الإستقلال”… وطَبَّقت الدولة أوامر صندوق النقد الدولي والبنك العالمي بعد “انتفاضة الخبز” (آخر 1983 وبداية 1984) ونَفَّذَتْ “برنامج الإصلاح الهيكلي” (بداية من 1986) وباعت قسمًا كبيرًا من “أراضي الدولة” (التي هي في الواقع ملك جماعي لقرى ومجموعات بشرية غير الدولة) المقدرة بحوالي 800 ألف هكتار إلى النافذين في النظام وأقاربهم ومعارفهم لزراعة إنتاج مُعَدٍّ للتصدير، ما أضرَّ كثيرًا بسكّان الأرياف وبصغار الفلاحين فارتفع عدد النازحين من الأرياف نحو الضواحي الفقيرة للمدن، وضواحي العاصمة “تونس” بشكل خاص…

مكانة الواحة:

تُقَدّر مساحة أرض واحة “جمنة” حاليا بنحو 185 هكتارا مزروعة نخيلاً من صنف “دقلة” (تُسَمّى تِجارِيًّا “دقلة نور”) ويقدر عدد أشجارها بنحو 18 ألف نخلة، ويُقَدّرُ متوسط مردود النخلة الواحدة بحوالي 100 دولار، لكن الدولة كانت تُؤَجِّرُها للمُقَرَّبِين من رئيسها آنذاك (زين العابدين بن علي) بأقل من دولار واحد للنخلة، ويستنكر أصحاب الواحة طريقة استغلالها من قِبَلِ هؤلاء الرأسماليين الذين لا يهتمون سوى بالنخلة وما يُمْكِنُ أن تُثْمِر من تَمْرٍ، بينما كان أصحاب الواحة من بغداد إلى الأندلس، يستغلون “ثلاثة طوابق”: النخلة في الطابق العلوي التي تثمر التمر وعلف الحيوانات، والطابق الأوسط يضم الأشجار المثمرة (الفواكه) من رُمّان وتين وخوخ الخ وفي الطابق السُّفْلي الخضار والحشيش للحيوانات وبعض الحبوب، ويستظِلُّ بها الأهالي صيْفًا فيما تكون درجة الحرارة مُعْتَدِلة بها شتاءً، وهذه من بين السِّمات المُمَيِّزة للواحة، فهي قادرة على تحقيق الإكتفاء الذاتي الغذائي لفقراء الريف، إضافة إلى استخدام التمر للأكل ولصناعة المُرَبّى وتخزينه حتى الصيف، واستخدام الأغصان والسعف والعراجين في مختلف جوانب الحياة مثل صناعة الأبواب والنوافذ وسَقَف البيوت من خشب النخيل، وصناعة الأطباق والأدوات المنزلية وأواني حفظ المؤونة من سعف النخيل، واستخدام “الجريد” والعراجين لطهي الطعام وللتدفئة الخ… رأى أهل الواحة أراضيهم ونخيلهم في أيادي غير أمينة، وقد تحولت إلى مُجَرَّدِ وسيلة إنتاج التمور فحسب، هذا من الجانب “العاطفي”، لأنه من المُؤْلِم أن تُغْتَصَبَ الأرض ثم يُحَوِّلُ مُغْتَصِبُها مُهمتها ووظيفتها إلى أداة إنتاج شبه صناعية، مثلما يفعل المستعمرون  المستوطنون الصهاينة بأرض فلسطين، حيث يحرقون ويقتعلون أشجار الزيتون التي تجاوز عمرها ألف سنة، أما من جانب الحقوق فإن أهالي “جمنة” لم يُفَرِّطوا يومًا في حقهم، وتُجَسْدُ قضيتهم تاريخ البلدان المُسْتعمرة و”أشباه المُسْتعمرات” فالحكام الحاليون الذين تحكموا في البلاد بعد “الإستقلال” هم من نفس فصيلة المُسْتَعْمِرِين وتَتلْمَذُوا على أيديهم، وواصلوا حكم البلاد والعباد بنفس الأساليب واستبدل الإستعمار الجيش المُحْتل الذي كان ظاهرًا للعيان برأس المال الذي يُمَثِلُ مصالِحَهُ عُملاء مَحَلِّيُّون، يُدافعون عنه ضد مصلحة الشعب ويُحَقِّقُون له أقصى نسبة من الأرباح بأقل التكاليف، مقابل فُتاتٍ يَتَلَقَّفُهُ مُمَثِّلُو أنظمة البلدان المُهَيْمَنِ عليها…

عند استعادة الأرض من قِبَلِ أصحابها الذين يُدْرِكون قيمتها كان المالكون السابقون قد أعلنوا (من خلال عملية غِشّ واحتيال) خسائر تقدر بمئات الآلاف من الدينارات، وبعد استعادتِها طبَّقَ المشرفون على استغلال الواحة قواعد “الإقتصاد الإجتماعي” أو “التعاوني” أو “التّكافُلِي” فارتفع عدد العمال من سبعة إلى 133 عامل مُثَبَّت إضافة إلى عشرات العُمّال الموسميِّين، وارتفعت إنتاجية الواحة وارتفعت الأرباح السنويّة، التي كانت بمعدّل 450 ألف دينار سنويًا، لتصل إلى 1,8 مليون دينار بالنسبة لموسم سنة 2014 وفق تقرير مدقّق الحسابات الخارجي الذي يراقب التصرّف المالي في الضيعة من قِبَل “جمعية حماية واحات جمنة” (يُسَيِّرُها متوطوعون من “جمنة”) وأصبحت الحسابات علنية ويمكن لأي كان الإطلاع عليها، وتعلن عنها “جمعية حماية واحات جمنة” خلال اجتماع عام علني ومفتوح…

رمزية واحات جمنة:

تُجسم هذه “القضِيّة” ملخصًا لتاريخ البلاد، من الإستعمار المباشر إلى “الإستعمار الجديد” (أو الإمبريالية)، لأن أصل القضية يتمثل في استحواذ مُسْتعمِرٍ على أراضي سكان البلاد الأصليين، بدعم الجيش والسلطة الإستعماريّيْن، ثم مواصلة الدولة “الوطنية” (بمعنى المحلية) السيطرة على الأرض بذريعة أنها انتقلت من ملكية المُسْتَعْمِرِ إلى ملكية الدولة، وهذا لا يُغَيِّرُ شيئًا بالنسبة لأصحاب الأرض الشّرْعِيِّين، ما داموا لم يستردُّوا أراضيهم…

لم تكن “جمنة” حدثًا معزولاً عن سياق انتفاضة 2010-2011، بل كانت مثالاً واحدًا من مجموعة من عشرات الحالات التي حاول من خلالها المواطنون في مختلف أرجاء البلاد استرجاع الممتلكات (الأراضي) التي سيطرت عليها الدولة بعد خروج المستعمِرِين، ما يضيء جانبًا غير معروف من الإنتفاضة، حيث رفع المتظاهرون شعارات المطالبة بالخبز والحرية والكرامة، وحَوّلَ البعض الآخر المطالب الإقتصادية والإجتماعية إلى فعل تجسَّمَ في استعادة جماعية لملكية الأراضي الزراعية الخصبة، التي استولت عليها الدولة ثم “كافَأَتْ” بها أذنابها والمُقرّبِين من الحكم، وهو ما حصل في “جمنة”

من خصائص نضال أهالي “جمنة” أنهم لم يكفّوا أبدًا عن المطالبة باسترجاع أراضيهم، وتتجاوز مطالبهم الأرض كرمز إلى المطالبة بحقوق أو بالأحرى استرداد حقوق، اغتصبها المُسْتَعْمِرُ وواصلت حكومات “الإستقلال” نفس سياسة المُسْتَعْمِر، وتواصل معها كذلك نفس المطلب، وكانت انتفاضة 2010- 2011 فرصة لاستعادة ما اغتصبه المُسْتَعْمِرُ (أبو قُبَّعَة) ووريثه (أبو شاشيّة)، بهدف استغلاله بشكل جماعي…

تكمن أسباب إشعاع تجربة “جمنة” ومساندة أحرار العالم لها في التّسْيِير الجماعي الذي أظهر أنه ساعد على تحسين الإنتاجية وعلى استفادة العمال وأصحاب الأرض من عرقهم بشكل أفضل من السابق وأفضل من أساليب العمل الفردي، كما استفادت التجربة من تحالف واسع من القوى التي تتألف من الفلاحين الذين فقدوا أرضهم ومن العمال ومن العاطلين عن العمل وبعض المُثَقّفِين (البرجوازية الصّغيرة) من أبناء المنطقة، كما ساعدت طريقة تقسيم العمل وتسيير الواحة والإشراف والإدارة والتّصَرُّف المالي في إضفاء شفافية افتقدها المواطنون في تونس وفي العالم، رغم النّواقص العديدة (التي لن نَتَناولها في هذه الورقة)، إذ لم تتمكن “جمعية حماية واحات جمنة” من الإستفادة من تجارب سابقة في البلاد لاستخلاص العبرة وتطوير طرق العمل واجتناب الهفوات والأخطاء…

بعد خمس سنوات من المعاناة (تميزت بخسائر ونتائج سلبية في السنتين الأولتين) والتجارب، أصبحت الواحة تحقق أرباحًا هامّة وأصبحت تجربة “جمنة” معروفة في بعض أوساط أصدقاء البيئة في أوروبا وبعض أنصار تجارب التعاونيات و”التَّسْيِير الذاتي”، وأصبحت هذه التجربة ضمن أمثلة عديدة أخرى (متنوعة) في آسيا وأمريكا الجنوبية وفي افريقيا، وقد يكون هنا مكمن إصرار الدولة (التي تذكّرت أن لها “هيبة”، تفقدها بمحض إرادتها أمام صندوق النقد الدولي، وتستحضرها أمام المواطنين البسطاء مثل أهالي جمنة) على إفشال هذه التجربة، مُسْتَخْدِمَةً كافة الوسائل الممكن استخدامها حاليا، منها الوسائل القانونية والإعلام المَأْجُور ومختلف أجهزة الدولة، لأن الرّمز الذي تُمَثِّلُهُ “جمنة” يتجاوز هذه الرقعة الجغرافية الصغيرة أو بعض الهكتارات من الأراضي الزراعية، إلى انتصار “بَدِيلٍ” لأشكال الحكم والتّسْيير والتصرف، كما تمثل بديلاً للملكية الفردية لوسائل الإنتاج، وأظْهرت هذه التجربة انها تُمارس الشفافية والإشعاع وتقاسم الأرباح بين مواطني منطقة محرومة يتجاوز قُطْرُها 150 كيلومترا، من ذلك أن ساهمت “جمعية حماية واحات جمنة” في ملء فراغ تركته الدولة بتخَلِّيها عن بناء وترميم المدارس والمستشفيات والبنية التحتية، فساهمت الجمعية -ولو قليلاً- في تحسين حياة مواطني المنطقة الذين لم يعرفوا حضور “هيبة الدولة” سوى من خلال أجهزة القمع وبعض البيروقراطين…

الدّولة في مواجهة المُواطن:

مَثَّلَ الحكم الحالي بمختلف مُكَوناته السياسية (إخوان مُسْلِمون ودساترة أو أتباع بورقيبة وبن علي أو نقابِيِّين سابقين، مع بعض أحزاب رجال الأعمال والأحزاب الإنتهازية الصغيرة الأخرى) امتدادًا للحكم السابق من حيث مواصلة نهب المال العام والفساد والرشوة والتبعية للقوى الإمبريالية ورهن ثروات وقدرات البلاد إلى المُؤَسَّسَات المالية الدولية (ممثلة مصالح الإمبريالية والشركات متعددة الجنسية)، ومواصلة أساليب الحكم الدكتاتورية، رغم تغيير المظاهر واستفادة بعض “اليسار” الإنتهازي والبرجوازية الصغيرة من الشكل الجديد للحكم (انتخابات برلمانية ورئاسية)، لكن لم تتغير وضعية المُسْتَغَلِّين والمُضْطَهَدِين، بل ارتفعت نسب الفقر والبطالة والأسعار والديون الخارجية وتواصلت خصخصة القطاع العام والتعليم والصحة والنقل، وغير ذلك… فماذا يُفِيدُ المُواطِنَ أن يختار بين ثري وآخر أو فاسد وآخر لينتخبه في مجلس النواب أو في المجلس البلدي؟

لقد طَبَّقَ أهالي “جمنة” مثلنا العربي القائل “ما حَكَّ جِلْدَكَ غير ظُفْرِكَ”، وهو ما أثار الحكومة، والتحالف الطبقي الذي يقف وراءها ويسْنَدُها، وما جعلها تشن حملة إعلامية شرسة وكاذبة ومتحاملة تَدَّعِي ان مواطني “جمنة” استولوا وتصرفوا في أملاك الدولة (الملك العام) وتدعو إلى ملاحقتهم قضائيًّا، واتخاذ قرارات ذات صبغة استبدادية مثل تجميد الحسابات المصرفية للجمعية وللتاجر الذي اشترى محصول التُّمُور، ورفض مطلب المواطنين سحب أموالهم من المصارف، ردًّا على قرار الحكومة القمْعي تجاههم…

مَكّنَتْ تجربة “التّسْيِير الذاتي” (أو المُخْتَلِف عن المعروف) لِوَاحَات “جمنة” من خفض ساعات العمل ورفع الرواتب، التي أصبحت متقاربة بين العُمّال والمُشْرِفين والموظَّفِين، إضافة إلى تطوع الهيئة المسيّرة للجمعية (ستة أعضاء) للعمل بدون أجر (إدارة وإشراف وتَسْيِير…)، وأنفقت الجمعية جزْءا من الأرباح على تحسين البنية التحتية وظروف عيش السكان، مثل بناء سوق مسقوف وملعب ووحدات صحية، وترميم وتجهيز مؤسسات تربوية وثقافية، وبذلك وَسَّعَت الجمعية من رقعة الأصدقاء وضَيَّقَتْ من رُقْعة الأعداء، وتتخوف الحكومة من تعميم التجربة التي وضعت حدًّا للفساد بانتهاج وسائل الإقتصاد التعاوني أو الإجتماعي أو التّكافُلِي، ونظرًا للتوجهات الليبرالية لمختلف الحكومات المتعاقبة والقوى السياسية والطبقية التي تقودها فإنها ترفض أي نقاش جدي وشفاف لمسألة الأراضي الفلاحية والإنتاج الزراعي في البلاد، لأنها لا ترغب البحث عن حلول ديمقراطية للمسألة الزراعية في البلاد، وهي إحدى أركان الديمقراطية، وأظهرت تجربة “جمنة” حقيقة الطبيعة الطبقية للدولة التي تساند الفساد الذي ساد قبل الإنتفاضة بل وتريد تكريسه وتعميمه، في مواجهة المواطنين الفقراء والعاطلين عن العمل الذين طالبوا بحقوق قديمة وجديدة، وآخر ما تفتقت عنه قريحة رئيس الحكومة (كرمز لطبقة أو تحالف طبقي) التّنَكُّرُ لاتفاقيات سابقة وَقَّعَتْها الدولة مع نقابات العمال بشأن زيادات باهتة وضئيلة للرواتب…

إن سياسة الحكومة متطابقة مع التزاماتها نحو صندوق النقد الدولي وشروطه، ومنها تخلِّي الدولة عن دعم وإرشاد وتوجيه صغار المُزارِعين، ما أدّى إلى هجرتهم للعمل في المدن بأجور زهيدة تُفِيد رأس المال الأجنبي والمحلِّي، بينما يستفيد كبار مالكي الأرض (مُسْتَثْمِرون في قطاع الفلاحة) من الإمتيازات والقروض بشروط مُيَسّرة، بالتوازي مع إلغاء الدعم وتجميد الرواتب وخصخصة القطاع العام الخ

خاتمة:

لا أعتقد أن أتيت بالجديد في هذه الورقة، إذ نشر موقع “نواة” عدة مقالات قَيِّمَة حول “جمنة” وواحتها وجمعيتها، كما كتب الباحث “محمد رامي عبد المولى” ثلاث مقالات في “السفير العربي” (شهر تشرين الأول/اكتوبر 2016) عن جمنة، وكتب الأستاذ “الحبيب العايب” مقالاً قيِّمًا باللغة الفرنسية كما نشر الباحث “محمد اللومي” دراسة أكاديمية (باللغة الفرنسية) عن السياسات الفلاحية والتنمية الريفية في تونس، كما استفدْتُ أيضًا ممّا كتبه رفيقي في نشرة “كنعان” الإلكترونية “عادل سمارة” من دراسات عديدة حول “التنمية بالحماية الشّعْبِيّة” بشأن اقتصاد الضفة الغربية المحتلة، أثناء الإنتفاضة الأولى (1987 – 1990)، وما أردتُ سِوى المساهمة في التعريف بهذه التجربة الثرية، التي كَرَّسَتْ “حرب المواقع” على رأي “انطونيو غرامشي” بوسيلتين متوازيتين تمثلت الأولى في الصّدام (غير المباشر) مع نظام الحكم والثانية في محاولة فرض الأمر الواقع على السُّلْطة المُتَعَنِّتَة، واعتمدت جمعية “جمنة” على التفاف آلاف المواطنين حولها، كما أردْتُ تعريف قراء المشرق والوطن العربي بهذه التجربة كنموذج لبعض المبادرات الشعبية في تونس بعد انتفاضة 2010 -2011 مع الإشارة أن “جمعية حماية واحات جمنة” وعُمّالها ليسوا في عُزْلَةٍ، إذ تأسست (بعد خمس سنوات من صمود أهالي جمنة) “الحملة الوطنية لدعم جمنة” بهدف فك الحصار الإعلامي ونشر أخبار الواحة وتعريف الرأي العام المحلِّي بهذه القضية (التي أصبحت قضية “هيبة الدولة”) وبحقيقة ما جرى وما يجري، ونظّمت الحملة قافلة تضامُنِية حضرت مع آلاف المواطنين عملية البيع بالمزاد العلني لمحصول تُمُور الواحة يوم 09/10/2016، وعقد ممثلو “الحملة الوطنيّة لدعم جمنة”  ندوة صحفية يوم 14/10/2016 للتعريف بنضال عمال ومزارعي وأهالي “جمنة” في مواجهة الحكومة التي تعتبرهم “عصابة من اللصوص”، بينما تقول الوقائع أن جمعية حماية واحات جمنة أصبحت تتمتع بثقل سياسي واجتماعي في بلدة “جمنة” وفي منطقة الجنوب الغربي وَتَوَسَّعَ قطر إشعاعها بفضل مساهمتها في تمويل مشاريع اجتماعية وثقافية في المنطقة التي أهملتها الدولة…

إن تجربة “جمنة” ليست تجربة “اشتراكية” كما يعتقد البعض، ولم يدعي المشرفون عليها ذلك، بل هي تجربة تتأقلم مع “اقتصاد السوق” وتتجاوب مع قوانينه، مع الإسهام في خدمة بعض المصالح الجماعية للسكان، ومع تحسين ظروف عمل الأُجراء في الضّيْعَة (الواحة)، وتمكنت “جمعية حماية واحات جمنة” -بفضل مساهمتها في تنمية المنطقة- من توسيع رقعة الدعم، إذ شارك الآلاف من المواطنين في التظاهرات والإعتصامات التي تُنَدِّدُ بقرارات الحكومة ضد الجمعية (مثل تجميد الحسابات المصرفية)… إنها تجربة تَدْعُو للتّأمُّل وتستحق الدعم والمساندة.

 

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة “كنعان” الإلكترونية أو محرريها ولا موقع “كنعان” أو محرريه.