ماذا بقي من الإستقلال؟

ثريا عاصي

قبل الإجابة على هذا السؤال… علينا أن نسأل متى كنّا في هذه البلاد مستقلّين… وماذا فعلنا بهذا الاستقلال؟ حتى نتساءل اليوم ماذا بقي منه…
أنا لستُ مؤرِّخة… ولكنّ عملي في الإعلام انطلاقاً من التزامي بحقّ الناس في الاستقلال وفي تقرير مصيرهم بأنفسهم، جعلني أبدأ مقاربة الأحداث والتطوّرات في بلادنا بسؤال بسيط هو: أين يقف الاستعمار ممّا يجري؟ لأنّ الاستعمار هو ضدّ الاستقلال وتقرير المصير، والغريب في هذه المسألة أنّ أصحاب الحلّ والعقد في بلادنا المشرقيّة يسلّمون أمرهم إلى المستعمر، إن رضي عنهم انقادوا له، وإن سخِط عليهم حزنوا وندبوا حظهم المنكود!
ما أذكره أنّ القوى العظمى استخدمت «العصبيّات القوميّة الدينيّة»، في تمزيق الدولة العثمانية، وأنّ هذه العدوى أصابت لبنان، وتسبّبت في الحرب الطائفية في جبل لبنان، 1840 ـ1860 التي وضعته تحت نظام المتصرفيّة، أي تحت وصاية القوى الاستعمارية.
أعتقد أنّ ولاءات اللبنانيّين توزّعت في ذلك الوقت بين العثمانيّين من جهة، وبين الدول الغربية من جهةٍ ثانية. ولكن ما لبث داء «القومية» أن أصاب النظام العثماني نفسه… فانقلبت «تركيا الفتاة» على السلطان عبد الحميد 1908 وفرضت وجهاً «عثمانياً… تركياً» بدل عباءة الإسلام والخلافة، نجم عنه أنّ فكرة القومية العربية اتّسع مجال تأثيرها، ولكنّ العرب أرادوا هذه القومية ذات طابع إسلامي، ظهر التناقض بشكلٍ واضح في سنة 1916 أثناء ثورة الشريف حسين، بين الذين يدّعون الانتماء إلى القومية اللبنانية بوجهها المسيحي في مقابل تيار قومي عربيّ إسلامي.
ولكنّ انتشار المسيحيّين في جميع الولايات السورية كان قد حمل منذ 1860 (بطرس البستاني: القائل بأنّ حب الوطن من الإيمان) بعض المثقّفين، خصوصاً من اليونان ـ الأرثوذكس ومن اليونان ـ الكاثوليك، على تنبيه الناس في الهلال الخصيب أنّهم في الواقع المُعاش قوميّون سوريون…
التجأ القوميّون اللبنانيّون إلى الفرنسيّين، أمّا القوميون العرب فقد تحمّسوا للشريف حسين وابنه فيصل ورفعوا علم الحكومة العربية… لكن الفرنسيّين والبريطانيّين كانوا قد اتّفقوا (سايكس ـ بيكو 1916) على وضع سورية الغربية، باستثناء فلسطين، تحت الانتداب الفرنسي كون هذه المنطقة في نظر البريطانيّين والفرنسيّين ليست «عربية خالصة»!
يمكننا القول إنّ تاريخ لبنان الحديث بدأ في سنة 1918 باحتلال الفرنسيّين للبنان، الذين اصطحبوا معهم إميل أده الذي كان شديد الحماسة للقومية اللبنانية! ولا شكّ في أنّه كان «لأصدقاء فرنسا الموارنة» دور في مساعدة فرنسا في سياستها السوريّة… فلقد حصلت فرنسا من مؤتمر الحلفاء في سان ريمو سنة 1920 على الانتداب في سورية ولبنان، في 22 تموز 1920 تمكّن الفرنسيّون تحت قيادة الجنرال غورو في ميسلون من إنهاء وجود الدولة العربية بقيادة فيصل في سورية.
أعلن الفرنسيون عن إنشاء لبنان الكبير في 31 آب 1920 من جبل لبنان، بيروت، البقاع، صيدا وصور وطرابلس. ثمّ وضعوا دستوراً وأجروا انتخابات أول مجلس نوّاب وُزِّعت المقاعد فيه على أُسُس طائفيّة ومذهبيّة في إطار سيرورة أسفرت في 23 أيار 1926 عن ولادة دولة دستورية لبنانيّة قائمة على التفاهمات بين المذاهب المكوِّنة للجماعة الوطنية!
لكنّ اللبنانيّين اختلفوا منذ البدء على العلاقة مع سورية… اختلفوا على الفصل بين البلدين بترسيم حدود بينهما. لكن هذه الحدود رُسمت، ثمّ اختلفوا على التبادل الدبلوماسي… ثمّ تمّ هذا التبادل…
يصادف عيد الاستقلال في 22 تشرين الثاني 1943، لكن حمّى الشك في الهويّة الوطنية اللبنانية كانت تعاود بين الفينة والفينة في سنة 1958، في سنة 1976… اتّفاق القاهرة بين الحكومة اللبنانية ومنظمة التحرير الفلسطينية… اتفاقية 17 أيار 1983… اتفاقية الطائف 1989… عهد الرئيس رفيق الحريري 1992 ـ 2005… اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 2005 ـ الأزمة مع سورية ـ أحداث 07 أيار 2008ـ اتّفاق الدوحة في 21 أيار 2008 وولاية الرئيس ميشال سليمان ــ الحرب في سورية منذ آذار 2011، وأخيراً الفراغ الرئاسي الذي انتهى في 31 تشرين أول 2016 بانتخاب الرئيس ميشال عون.
من البديهيّ أنّ الموقف من اعتداءات المستعمرين الإسرائيليّين في الجنوب والبقاع، مثل المحكّ الرئيسيّ الذي كشف أمام اللبنانيّين جميعاً حقيقة الدولة اللبنانيّة ومعنى السيادة والاستقلال الوطنيَّين. من المفيد في هذا السياق أن ننظر إلى الدولة والاستقلال من زاوية الدور الذي استطاع تأديته المستعمرون الإسرائيليّون في بلادنا، وتوخّياً للدقّة الدور الذي أُعطيَ لهم أو سُمِحَ لهم في لعِبِهِ على الساحة اللبنانيّة بموازاة تواجد وعمل منظمة التحرير الفلسطينية 1969 ـ 1982.
وفي معرض ما أنا بصدده، كمثل جردة حساب، أعتقد أنّه يتوجّب عليّ أن أتذكّر هنا زيارة الوزيرة الأميركيّة إلى لبنان أثناء حرب تموز 2006، التي كانت الغاية منها تصفية المقاومة في الجنوب. أتذكّر جيداً رئيس الوزراء والوزراء الذين تحلّقوا حول مائدتها في الوقت الذي كانت فيه قذائف الإسرائيليّين تنهمر على الجنوبيّين بقصد إرهابهم وتهجيرهم. أتذكّر بالمناسبة أيضاً تصريحاً للسفير الأميركي في بيروت آنذاك، الذي صار فيما بعد نائباً لأمين عام الأمم المتحدة، مفادَهُ أنّ الرجل صرَفَ في بيروت 500 مليون دولار على عمليات كان الهدف منها تشويه صورة حزب الله.
أعتقد أنّه عليَّ في نطاق هذه المقاربة أن أشير أيضاً إلى نقطتين لهما دلالتَهما في المسألة التي نحن بصدد النقاش حولها.
أولاً، إنّ الدبلوماسيّين الأميركيّين وضيوفهم كانوا يصِلون إلى مقرّ السفارة الأميركيّة في منطقة عوكر على متن مروحيّات تنقلهم من قبرص إلى بيروت مباشرة من دون المرور عبر بوّابات البلاد الرسميّة، ومن دون استئذان!
ثانياً، إنّ المستعمرين الإسرائيليّين أقاموا معسكر تجميع في بلدة أنصار في جنوب لبنان، احتجزوا فيه «إداريّاً» الأشخاص الذين كانوا يأخذونهم من منازلهم أثناء مداهمات ليليّة. لا أعتقد أنّ الحكومة اللبنانيّة حرّكت ساكناً في قضية معسكر أنصار، أو في مواجهة الغزو الإسرائيليّ سنة 1982 بوجهٍ عام بدرجة تتجاوز حدود الوساطة بين الناس، أو بتعبير أدقّ، بين بعض الناس من جهة، وبين المستعمرين الإسرائيليّين من جهةٍ ثانية. لا حرج في القول إنّ الإسرائيليّين زعموا في سنة 1982 أنّهم جاؤوا بقصد محاربة الفلسطينيّين فوقف معظم الناس متفرّجين، ثمّ أُصدِموا بعد رحيل الفلسطينيّين بالمقاومة وكانت غالبية عناصرها من الشيعة، فوقف الناس في أكثريّتهم الساحقة يتفرّجون.
لا أظنّ بعد هذا كلّه أنّ بالإمكان منطقياً القول، إنّ لبنان كان ولا يزال مستقلاً استقلالاً كاملاً، بل إنّ الوضع في هذه البلاد هو أشبه بـ«دولة تحت الرعاية». وحتى لا يكون في كلامي تجنٍ على أحد، أدعو إلى النظر في تصريحات المسؤولين اللبنانيّين أنفسهم في موضوع الخلافات التي تقع بينهم، من وقتٍ إلى آخر، حيث يعترفون صراحة ومن دون لفّ ودوران بأنّهم ينتظرون الحلّ من الدول الأجنبيّة «الراعية».
لا داعي للتوقّف أمام القضايا التي لا حصر لها للبرهان أنّ في لبنان دولة «تحت الرعاية»، أو بتعبير أدقّ، أنّ في لبنان دولاً تحت الرعاية، بمعنى أنّه يتكوّن لدى المراقب انطباع بأنّ في لبنان دولاً وليس دولة واحدة. بدليل أنّ علاقات سفراء الدول الأحنبيّة والمبعوثين الأجانب لا تقتصر على ممثّلي الدولة اللبنانيّة الرسميّة «الشرعيّة» بين قوسين، ولكن من المعروف أنّ الجهات الأجنبيّة تُقيم علاقات خاصة مباشرة مميّزة مع فئات وجماعات لبنانيّة. ينجم عنها، أنّ الدولة اللبنانية، الرسمية الشرعية، لا تضطلع بدور حصريّ في مسائل الدفاع عن البلاد، وفي العلاقات الخارجية، وفي كثير من الخدمات… أذكر منها الكهرباء، الماء، وجمع القمامة…
ما هي حقيقة دولة كمثل الدول اللبنانيّة، مسألة تستحق في رأيي البحث الخاص بها!
لكنّ مداورة مسألة الاستقلال توصل من وجهة نظري إلى خلاصة مفادها، أنّ القول بأنّ استقلال لبنان ناقص، أو نسبيّ، لا يكفي، فهذه أمور لا أظنّ أن أحداً يجهلها في لبنان. السؤال الذي ينهض هنا هو التالي: كيف يستطيع اللبنانيّون الاستفادة القصوى من «كميّة الاستقلال» المتاحة لهم، أو من الحيّز الذي يسمح بالتحرّك ضمن حدوده بحريّة وباستقلاليّة؟ هذا من جهة، أمّا من جهةٍ ثانية، فهل يستطيع اللبنانيّون أن يتوافقوا فيما بينهم على توسيع مساحة الحرية والاستقلاليّة، أو زيادة «كمية الاستقلال» إذا جاز التعبير؟ وما هي الشروط اللازمة لذلك؟ من نافلة القول، إنّ الغوص في هذه المسألة يتطلّب تفاصيل كثيرة لا يتّسع لها المجال هنا.
لا بُدّ أخيراً من الإشارة إلى أنّ الإمبريالية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، في حربها من أجل العولمة وبسط هيمنتها على الأجزاء التي تتمّ عولمتها في إطار نظام استعماريّ متغوّل متوحّش كاسر، تسعى هذه الإمبرياليّة إلى إسقاط الدول، إلى تخريبها، وإلى تفرقة الشعوب التي نجحت في إنتاج وحدتها في ظلّ الدولة الوطنيّة. نرى هذا منذ ست سنوات من حولنا، أين العراق، أين سورية، أين ليبيا؟ علماً أنّ دولاً كثيرة تعرّضت لهذه المأساة في أفريقيا وفي أميركا اللاتينية، فلا مبالغة في القول إنّ النظام الرأسماليّ الليبراليّ يضرب العالم كمثل زلزال يتواصل منذ ثمانينيات القرن الماضي.
من البديهيّ في هذه الظروف التي تتميّز بعدم الاستقرار، أنّه من الصعب بناء الدولة التي تأخّر بناؤها أو إعادة بنائها بعد أن تهدّمت، لأنّ بناء الدولة أو المحافظة عليها صار يحتاج إلى رخصة من الولايات المتحدة الأميركية. أمّا الاستقلال فإنّه في هذا الزمان أعزّ من بيض الأنوق.
الكلمة القيت خلال ندوة فكرية تحت عنوان «ماذا بقي من الاستقلال؟» في مقرالعزم ـ بيت ا لفن في ميناء طرابلس من تنظيم «منتى الحوار الوطني الديموقراطي» و«جمعية اللجان الاهلية».

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة “كنعان” الإلكترونية أو محرريها ولا موقع “كنعان” أو محرريه.