خطاب الغرب المسموم

فوكوياما يبكي الشعبوية المنضبطة بعد انفلاتها بترامب

عادل سمارة

يطالعنا الإعلام والأكاديميا الغربية دائما بتبريرات من نمط الفتاوى تحت تسمية  “إبداعات أو أفكار خلاقة Creative Ideas” بما يُغري الكثيرين منا بالتسابق على ترجمتها وترويجها. وهذه الصنعة في الترويج هي صنعة الطابور السادس الثقافي الذي يحقن الذهنية العربية بكل ما يُنتج في الغرب وخاصة ما يُشوه الوعي العربي. لا بل إن الطروحات العميقة، سواء كانت مثالية أو مادية لا يقترب منها هؤلاء، وكأنهم مختصون في خصي الوعي. فمن النادر، إن لم يكن لا يحصل  مطلقا ، أن نجد ترجمة لمقالة أو بحث من نشرة مثل “كاونتر بنش أو جلوبال ريسيرش” ناهيك عن الكتب  والمجلات او الربعيات الفكرية النظرية.

يحظى فرنسيس فوكوياما بعرش ترجمة الطابور السادس الثقافي   العربي لمقالاته وخاصة بعد أن خرج إثر تفكك الكتلة الاشتراكية مع بداية تسعينات القرن العشرين بمقولته الشهيرة “نهاية التاريخ والإنسان الأخير” بمعنى أن الراسمالية قد تربعت على مقود التاريخ البشري ولن يأتي بعدها سوى نفسها او تمفصلاتها. وقد غاب عن جميع من روجوا لهذه المقولة القطعية المطلقة بأبدية الرأسمالية أنهم ينقدون ما يسمى انتهاء التناقض في المرحلة الشيوعية.

في ترويجه للرأسمالية في فترة حكم رونالد ريجان كتب فوكوياما:

“…إن الأفكار هي إحدى أهم صادراتنا، وإن فكرتين أمريكيتين اساسيتين هما اللتين سيطرتا على التفكير العالمي منذ ثمانينات القرن العشرين، منذ أن انتخب رونالد ريجان رئيسا. الأولى هي رؤية محددة للرأسمالية – تقوم على ضرائب أقل، وتضبيط خفيف وحكومة مصغرة يمكن أن تكون رافعة للنمو الاقتصادي… لقد تم تبني عدم التضبيط على صعيد عالمي وليس في امريكا وحسب. والفكرة الكبرى الثانية هي الحفز الأمريكي لللبرالية الديمقراطية على صعيد عالمي وتم النظر إليها على انها المعبر الأفضل من أجل نظام عالمي مزدهر ومفتوح”.

لا تخفى النزعة العنصرية في الزعم بان امريكا هي الأشهر في تصدير الأفكار وكأنها عقل العالم. وربما الأصح أنها الأشهر في تصدير الأفكار غير الإنسانية بغلاف إنساني. صحيح أن عدم التضبيط قد جرى تبنيه من معظم الأنظمة الحاكمة في العالم، ولكن نتائجه كانت كارثية على تلكم البلدان. كان مثابة فرض إيديولوجيا أكثر منه اختيارا لها. كما كان عبئا على كاهل الطبقات الشعبية على صعيد عالمي. أما تصدير الديمقراطية فكان في الحقيقة على اسنَّة الرماح، اي بالقوة الفظيعة. وهي بالطبع قد عممت العنف والفوضى وهلاك ملايين البشر في عديد البلدان من العالم.

رغم إطراء فوكوياما، لم يعش الازدهار الذي عاشته امريكا مع رأسمالية ريجان طويلاً، بل غاصت امريكا نفسها في أزمة 2008 صهرت بدورها حقبة رأسمالية ريجان لتكذِّب الصورة الوردية التي طرحها فوكوياما واضرابه.

فمع بدء عواصف هذه الأزمة كتب فوكوياما في المجلة الراسمالية الغربية المعروفة “نيوزويك 13 اكتوبر 2008″ مقالة بعنوان ” بناء على وضعية العديد من  شركات وول ستريت، فإن طبعة محددة  من الراسمالية قد انهارت، وعليه، كيف لنا استعادة الثقة بماركتنا”؟

نلاحظ هنا الصيغة التبريرية الخبيثة التي تتحاشى الإقرار بمأزومية الراسمالية كنظام اقتصادي اجتماعي ناسبة المشكلة إلى “”طبعة” ما من الراسمالية وهي على أية حال نفس الطبعة التي ابتهج بها هو نفسه قبل أكثر من عقدين كما نرى ادناه!

وحينها  كتب فوكوياما نفسه بأن :

“… هناك غضب شعبوي هائل نجم عن انصهار وول ستريت.  وهكذا، فإن إجماعا يتنامى لصالح إعادة تضبيط أجزاء كثيرة من الاقتصاد”.

نلاحظ، قلق فوكوياما من تراكم الغضب الشعبوي على النظام الذي أودى بمدخرات وحتى وظائف عشرات الملايين من الأمريكيين بما في ذلك منازلهم. وواضح ايضاً أن الأزمة الشديدة هذه قد أرغمت فوكوياما على التراجع عن ما اسماه الفكرة الهامة التي تصدرها أمريكا للعالم؟ وهو في تراجعه هذا، يركز على الريجانية، وكأنها ليست حلقة من أداء النظام الراسمالي، اي يتجنب الحديث عن خلل جوهر النظام نفسه، كما، بالطبع،  لا ينقد تفاؤله المفرط في بداية حكم ريجان.

 ومع ذلك، وفي لحظة ضرب الأزمة للراسمالية وخاصة في أمريكا يصر الرجل على إمكانية استعادة امريكا لمكانتها، وذلك بالرغم من أن تصديرها للديمقراطية لم تُفني الملايين في العراق  وافغانستان، بل ايضا، أفقرت ملايين الأمريكيين حيث دفعتهم إلى الشعبوية أكثر لينتخبوا ترامي كتا حصل مؤهؤاً.

يتمسك فوكوياما بانتمائه العميق للبرجوازية والنخبة المثقفة على قلة عددهما ليقول:

“… يمكن استعادة التاثير الأمريكي. فرغم أن العالم عامة يعاني أداء اقتصاديا متدنيا، فليس من الواضح ان الموديلين الروسي والصيني مقبولين افضل من الطبعة الأمريكية”.

علينا أن نتذكر هنا، أن الساسة والأكاديميين الأمريكيين والغربيين عامة طالما وصفوا روسيا بوتين بأنها نظام شعبوي وحتى شيوعي! والطريف، أن فوكوياما لم يلحظ أن الشعبوية المتنامية في امريكا هي قريبة من ما يسميه شعبوية روسيا! وهو الشبه الذي كما يبدو ولد ترامب لاحقاً.

فلم تمض سوى سنوات هي العمر القصير الافتراضي لحقبة العولمة حتى بدأت تصدعات الراسمالية تُحرج المغتبطين بفوز الراسمالية. فسرعان ما حصلت تطورات ضربت مصداقية نبوءة الرجل ومنها:

انفجار الأزمة الاقتصادية في نهاية تسعينات القرن العشرين في بلدان النمور الآسيوية التي اتبعت وصفات المؤسسات المالية الإمبريالية الثلاثة (صندوق النقد الدولي والمصرف الدولي ومنظمة التجارة العالمية) بينما صمدت اقتصادات الصين وماليزيا برفضهما تلكم الوصفات.

 حلول الحرب الساخنة محل الباردة بتدمير يوغسلافيا وأفغانستان والعراق وليبيا وصولا إلى ابواب سوريا.

أما الضربة الأشد لفتوى فوكوباما فكانت انفجار الأزمة الاقتصادية-المالية في المركز الراسمالي منذ عام 2008 ولا تزال الراسمالية تحت العلاج، بل هي تسرق كثيرا من العلاجات الاشتراكية ، ولكنها لم تبرأ بعد.

وإذا كان فوكوياما قد خرج علينا مبتهجا بسقوط الاتحاد السوفييتي، ها هو يخرج اليوم، إثر فوز ترامب برئاسة الإمبريالية الأمريكية،  باكيا نفس الرأسمالية التي هتف بتخليدها. يخرج بفتوى جديدة بقوله:

” …أن رئاسة ترامب للولايات المتحدة الأمريكية تدشن عصرا جديدا من القومية الشعبوية، يتعرض فيها النظام اللبرالي الذي أخذ في التشكل منذ خمسينيات القرن العشرين للهجوم من قبل الأغلبيات الديمقراطية الغاضبة والمفعمة بالطاقة والحيوية.”
والسؤال هنا: إذا كان فوكوياما من آباء الديمقراطية بل اللبرالية، فلماذا يعترض أو يـاسى على هزيمة جناح منها وانتصار آخر.  وإذا كان الانتصار هذه المرة للجناح القومي الشعبوي،  يكون السؤال: وهل كانت اللبرالية أمر غير قومي؟ وهل الفارق بين قومي وغير قومي هو فقط في استخدام او عدم استخدام المفردات؟ ترى في خدمة من كان النظام الراسمالي العالمي منذ خمسينات القرن العشرين وحتى قبل اسبوعين؟ وبالطبع لا يزال. هل كان في خدمة الأمم عموما ام في خدمة كل أمة بقدر سيطرتها وقوتها الإقتصادية والعسكرية؟ في خدمة من كان التبادل اللامتكافىء على صعيد عالمي؟ اين كانت تتراكم ثروة العالم المنهوبة في مقديشو أم وول ستريت، وأين كان القرار الإداري للشركات المسماة كذبا “متعددة القومية” وهي في الحقيقة “متعدية/متجاوزة القومية”هل كان قرارها في رام الله أم في واشنطن ونيويورك وبرلين وباريس ولندن؟ كان كل شيء قوميا، بينما عليه وشاحا من هنا وهناك للتغطية لا أكثر ولا اقل. ولعل مجيىء ترامب كان مثابة ثور هائج مزق الوشاح وهو يغرس قرنه في التراب  ويدور حول نفسه.

ثم يتعالى صراخ فوكوياما ووجعه ليحذر :

“…من خطورة الانزلاق نحو عالم من القوميات المتنافسة والغاضبة في نفس الوقت، وإذا ما حدث ذلك فإننا بصدد لحظة تاريخية حاسمة مثل لحظة سقوط جدار برلين في عام 1989.”
ولكن، متى لم تكن القوميات متنافسة؟ متى كانت متصالحة تماما؟ وهل الحروب بين الأمم الراسمالية الغربية وصولا إلى اليابان وروسيا القيصرية ولاحقا الاتحاد السوفييتي لم تكن حروبا قومية؟ هل يعقل أن فوكوياما لا يعرف هذا؟ أم أنه في الحقيقة أحد مؤدلجي الكذب الراسمالي المعولم؟ فهو يصر على أن:

“النظام العالمي الليبرالي هو “نظام التجارة والاستثمار الدولي الذي يقوم على مجموعة من القواعد والنظم والذي ما فتئ يغذى النمو العالمي خلال السنوات الأخيرة”

ولكن، اين هو النمو العالمي الذي يُطريه فوكوياما؟ بل إن هذا النظام سعيد الحظ لأنه وصل حافة السقوط وتماسك قليلا، ولكنه لم يخرج من الأزمة ولم يحقق نمواً.

واضح أن فوكوياما الذي لاحظ تنامي الشعبوية في امريكا نفسها عام 2008، لم يلاحظ اتساع ذلك التنامي بحيث أوصل ترامب إلى السلطة رغم دعم العديد من المؤسسات القائدة في الدولة لخصمه هيلاري كلينتون. وهذا يعني انه إذا كان للصوت الانتخابي دور، فهو من حيث العدد وليس القوة المالية قد حسم الأمر لصالح الأكثرية الشعبوية والتي يمكننا تسميتها بالطبقات الشعبية.

 بقي أن نقول بأن ترامب هو نتاج التطور والمآل الطبيعي للرأسمالية في مأزوميتها، بمعنى أنها مأزومة مع ريجان وأباما وترامب ايضا، ولكن تلوين وجهها من سياسات هذا أو ذاك لا يخفي حقيقة مأزقها.

ملاحظة: من المفيد قراءة مقالة عادل سمارة عن فوز ترامب والعلاقة بروسيا وسوريا في نشرة كنعان الإلكترونية كنعان النشرة الإلكترونية، السنة السادسة عشر –  العدد 4303 ’10 تشرين الثاني (نوفمبر) 2016)، ومقالة أخرى في نفس كنعان 15 نوفمبر في العدد رقم 4308

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة “كنعان” الإلكترونية أو محرريها ولا موقع “كنعان” أو محرريه.