لهذه الاسباب لن تمر المغامرة التركية على جبهة الباب السورية

العميد د. امين محمد حطيط

تقترب تركيا في الميدان السوري من لحظات حقيقة قاسية تفرض عليها الاختيار بين التزام العلاقة التي تحترم سيادة الدول والامتناع عن التدخل في شؤون الغير، او المغامرة العدوانية المجنونة التي لا تقيم حسابا لحقوق الغير وتنتهك مصالحه وسيادته وتترتب على الاختيار نتائج بالغة الأهمية من كل الوجوه إقليميا ودوليا.

نقول هذا مع علمنا الأكيد بان تركيا كانت ومنذ بدء العدوان على سورية عاملا رئيسيا في العدوان وتأجيج الصراع والنيران التي شكلت الحريق العربي المسمى زورا ربيعا. لكنها تدخلها في السنوات الأولى كان مقنعا يتجنب الظهور المباشر والتدخل الميداني العسكري العلني عبر اقحام جيشها.

 ورغم انها طرحت أكثر من خطة عسكرية واستراتيجية تهدف الى اسقاط الدولة السورية والاستيلاء على ارض منها، الا ان سورية وحلفاءها كإنو في الميدان يواجهون بصلابة وحزم تلك المخططات ويسقطونها الواحدة تلو الأخرى بما في ذلك مشاريع مناطق الحظر الجوي، والمناطق الامنة، والممرات الإنسانية، وأخيرا كانت الخطة الوقحة المجنونة التي حملها دي مستورا مدفوعا من اميركا وتركيا، خطة انشاء مناطق الحكم الذاتي في شرقي حلب فسقطت بالضربة السورية القاضية.

و اليوم  تعود تركيا الى نغمة المنطقة الامنة في الشمال السوري و لكن بشكل مختلف هذه المرة ، ووجه الخلاف الان يتمثل في اقحام الجيش التركي بالعملية ، بعد ان  أنشأت تركيبا عسكريا قتالياً عاموده الفقري الجيش التركي  الذي الحقت به  فصائل ما يسمى “جيش سورية الحر” ( فصائل من الأخوان المسلمين ) مع فصائل إرهابية أخرى، أسندت اليه ( أي للتجميع  العسكري هذا ) مهمة انشاء منطقة امنة في الشمال السوري تمتد من جرابلس الى عفرين و بعمق يصل الى حدود مدينة حلب الشمالية و يشمل كل من الباب و منبج في مرحلة أولى ، ثم التمدد الى الرقة وحلب ان امكن في مرحلة ثانية ، و قد بدأ الغزو التركي تحت اسم عملية ” درع الفرات ” ( اسم اعتمد تيمنا بعملية ابركا في الخليج المسماة درع الصحراء ضد العرق العام 1990).

لقد روجت تركيا لعملية “درع الفرات” باعتبارها كما تزعم عملية عسكرية مخططة ضد الإرهاب ولمواجهة داعش وإقامة منطقة امنة على طول الحدود التركية الشمالية الغربية بجبهة 120 كلم وعمق يتراوح بين 70 الى 120 كلم ان أمكن والمنطقة هذه هي الهدف وليس قتال داعش هو المبتغى الحقيقي.

ومع بدء التنفيذ حققت عملية “درع الفرات ” العدوانية على الأرض السورية بعض المكاسب لتركيا بدءا باحتلال جرابلس التي تمت وفقا لمسرحية سيئة الإخراج بين تركيا وداعش جرت فيها عملية تسلم وتسليم بين الطرفين وجرت في ظل جو من التفاهم والوئام بين داعش والجيش التركي الذي استلم المدينة دون إطلاق رصاصة واحدة في ميدان القتال. ولا غرو في ذلك فداعش تنسق وتتعامل مع تركيا باعتبارها العضد والظهير والسند الاقليمي الرئيسي الحاضن لها.

هذا النجاح اغرى تركيا وشجعها للتمدد أكثر بغية تحقيق مشروعها الاستراتيجي الذي يهدف الى احتلال ارض سورية، وهذا ما يقودها الان الى مدينة الباب لتغامر باحتلالها مدعية تحريرها من داعش. فهل ان المغامرة التركية قابلة للنجاح وهل ستتكرر مسرحية جرابلس في مدينة الباب وتسلم داعش المدينة الى تركيا ضمن صفقة مماثلة؟

اننا نرى ان تكرار مسرحية جرابلس في الباب، او تعديلها ليكون فيها بعض التظاهر بقتال ومناوشة ثم تسجيل نصر عسكري تدرجه في حسابها في سورية هو امر ليس بالبساطة التي قد يظنها البعض نظرا لوقائع الميدان وموازين القوى وللأهمية الميدانية والاستراتيجية لمدينة الباب وتأثيرها على المشهد الميداني العام.

ففي جرابلس كانت تركيا المتحرك الوحيد في منطقة حدودية بعيدة نوعا ما عن مواقع الجيش العربي السوري كما ان اي قوات شعبية أخرى لم تكن مؤثرة في المنطقة لتمنع المسرحية التركية ، و كذلك لم تكن جرابلس ذات تأثير مباشر على مسرح العمليات الاوسع في الشمال ، لذلك استسهلت تركيا القيام بمسرحيتها هناك ، اما موضوع مدينة الباب فهو مختلف كليا ، الى الحد الذي يجعلنا لا نشكك فقط بقدرة تركيا على النجاح في غزوها للمدينة فقط بل و نستطيع القول بان فرص مباشرة تركيا لعدوانها بغزوها للباب ليست مرجحة لا بل قد نرى ان البيئة الميدانية و الاستراتيجية و السياسية العامة تمنع تركيا من المجازفة بهذه المغامرة ، الا اذا ارادت ان تجافي كليا قواعد العقلانية و المنطق السياسي و الاستراتيجي .

فتركيا ليست المتحرك الوحيد في محيط الباب، وهناك طرفان اخران يتحضران لدخول المدينة. أولهما الجيش العربي السوري الذي يحشد القوى اللازمة لأجراء التطهير الفعلي للباب من داعش والإرهابيين، وكذلك “قوات سورية الديمقراطية” المحتضنة اميركيا التي تبتغي توسيع مناطق نفوذ “قسد” من اجل توفير الفرص لتنفيذ مشروع تقسيم سورية الذي تعمل عليه. وإذا كانت “قسد” تتهيب المواجهة المباشرة مع الاتراك الذين يصنفونها جماعة إرهابية ويترصدونها ويعملون لقطع الطريق عليها في اي اتجاه تتحرك فيه غربي الفرات ما يجعلنا نقول بان “قسد” قد تتجنب التوجه الى الباب لتفادي المواجهة مع تركيا. اما الجيش العربي السوري فقراره مختلف ومن غير المتصور ان يترك الباب لتركيا لتنفذ عبرها مشروعها الاستعماري العدواني. للأسباب التالية:

1.  تعتبر الباب خط الدفاع الرئيسي من الشرق عن حلب وعما حققه الجيش العربي السوري على طريق تحريرها، وهو التحرير الذي نفذت من خطته حتى الان ما نسبته 80% من مجمل العملية، وان تقدم أي قوى معادية الى الباب دون ان تكون على ارتباط او تنسيق مع الجيش العربي السوري شرقي حلب من شانه ان يعرقل تحرير حلب ويتسبب بخفض قيمة ما تحقق على درب تحريرها الامر الذي لا يمكن ان تسمح به سورية وحلفاؤها.

2.  ان تركيا التي تطرح مشروع المنطقة الأمنية في الشمال تقصد ضمنا السير قدما في المشروع الاستعماري الرامي الى تقسيم سورية لتنال هي حصة منها، وهي ترى في احتلال الباب بعد استلامها من داعش خطوة لا بد منها خدمة لهذا المشروع المرفوض كليا من الحكومة السورية وحلفاؤها. فالحكومة السورية لا يمكنها التساهل مطلقا مع أي مناورة او مشروع يمس بوحدتها، وكذلك حلفاؤها إيران وروسيا وحزب الله لن يسمحوا لاحد بتمرير مشروع التقسيم وكما كانت ارسيت خطة تحرير حلب على شعار وحدة سورية ورفض التقسيم فان الشعار ذاته يتمدد تطبيقه ليشمل تحرير مدينة الباب.

3.  ان سورية وحلفاؤها جهزوا لتحرير الباب ما يتطلب من قوى قتالية وهي تستعد حاليا للبدء بعملية التحرير في وقت يتناغم مع ما يجري في حلب دون ان يؤثر أي من الامرين على الاخر، ودون ان تتأخر عملية تحرير الباب ولن تترك لتركيا فرصة السبق اليها. وان تركيا تعلم جيدا ان الاصطدام بالجيش الوطني العربي السوري لن يكون مقبولا من أحد وان عليها ان تتحاشاه الا إذا ركب اردغان راسه وتصرف بجنون وعمى وهنا أيضا سيكون لجنونه علاج في الميدان.

4.  ان حلفاء سورية الدوليين خاصة إيران وروسيا الذين لهم اتصال دائم مع القيادة التركية سيحالون المستطاع لمنع انزلاق اردغان الى منزلق الباب بشكل لا تحمد عقباه، وان موقفهم السياسي هنا لن يكون اقل حزما من موقفهم العسكري دعما لسورية وسيادتها، فاذا تعقلن اردغان واستجاب للنصح يكون قد وفر على نفسه والاخرين ما يجب تجنبه من خسائر وان كابر فأنه سيتلقى ما يلزمه بالعقلانية ولن تكون عملية “الكفير ” حيث قتل جنود اتراك على ارض سورية سوى نموذجا لما سيواجه الغزو التركي للأرض السورية ، فهل يستجيب اردغان لل”نصيحة الحازمة”  التي سمعها وزير خارجيته في طهران ؟ .

وباختصار نقول ان مدينة الباب وباي طريق من طرق المقاربات لن تكون الا تحت السيادة السورية وقد يضطر الجيش العربي السوري الى جعلها أيضا كما حلب مقبرة لأحلام اردغان.

:::::

“الثورة”، دمشق

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة “كنعان” الإلكترونية أو محرريها ولا موقع “كنعان” أو محرريه.