■ “كنعان” تتابع نشر كتاب ” نحن صنعنا تشافيز: تاريخ شعبي للثورة الفنزويلية”

 

تتمتة المقدمة

تغييرُ العالم؟

لئن كنتُ، فيما هو آتٍ، أفضِّلُ كثيراً مثلَ هذه المراحلِ “التأسيسيةِ” جذرياً على أنها أساسيةٌ لفهمِ ما يحدثُ في فنزولا اليوم، فليست الفكرةُ في إهمالِ السلطةِ “الشرعيةِ” للدولةِ أو مراحلِ “الدستورِ” التي تدخلُ فيها الاثنتان في علاقة تحوُّلية.[i] وهكذا، في زحزحةِ هذا التناقضِ بين الحكمِ الذاتيِّ لمؤيدي تشافيز عن الدولةِ ودعمِهم لتشافيز، فإننا أيضا نُزحزحُ المعارضةَ الظاهريةَ التي تؤكِّدُ ظهورَها كتناقضٍ بإعادةِ صياغةِ السؤالِ التقليديِّ حول السياسةِ الثوريةِ والدولة: هل “نُغيِّرُ العالمَ من غير أخذِ السلطة،” كما أوردها عنوانُ كتابِ جون هولواي؟[ii] أم أنه بالقبضِ على هذه السلطةِ فقط يُصبحُ التحوُّلُ مُمكناً، حسب ردِّ هولواي في تقليلِه من أهميةِ الأمر؟[iii] مرةً أخرى، إن المعارَضةَ ظاهرةٌ فقط، ونحن نبدأُ في التغلبِ عليها بتعريضِ مقولاتِها المعارِضةِ لقوةِ العملِ الشعبيِّ المُحرِّك. لذلك ليست القصةُ الآتيةُ، قصةُ التاريخِ الفنزوليِّ الحديثِ، قصةَ جانبٍ أو آخرَ حول كيفيةِ القبضِ على الدولةِ كما هي أو تجنُّبِ مجساتِها الخبيثةِ كليا. بل إنها قصةٌ ترفضُ مقولاتِ هذه المعارضةِ على طريقة إنريك دوسِِل، الذي يُصرُّ على القول، “حتى نكون دقيقين قولاً، السلطةُ لا تؤخذُ على الإطلاق.”[iv] قد يُمكنُ أخذُ الباستيل، وقد يُمكنُ أخذُ القصرِ الشتويِّ بعددٍ صغير من البلاشفةِ المنضبطين، لكنّ السلطةَ شيءٌ يملكُه الشعبُ، وتظهر المشاكلُ مع مأسسةِ تلك السلطة، التي يعدُّها دوسِل ضروريةً وخطرةً جدا.

بتعبيرٍ آخر، أهدفُ هنا إلى تجنُّبِ الخطرين اللذين يُلوِّثان المناقشاتِ الحاليةَ للتغييرِ في أميركا اللاتينيةِ بشكلٍ خاصّ: في الميلِ إلى تقديسِ الدولةِ والسلطةِ الرسميةِ ومؤسساتِها، وفي الميلِ المُضادِّ إلى تقديسِ السلطةِ المضادة. وهكذا، إلى جانبِ التقديسِ العامِّ للدولةِ الذي يظهرُ في السياقِ الفنزوليِّ تقديساً لتشافيز كشخص، هناك أيضاً تقديسٌ مساوٍ ومعارضٌ لما سُمِّيَ بـ”الأفقية”، أي تقديسِ رفضِ الدولةِ أو تجاهلِها مسبقا، كما في إصرارِ هولواي على أنّ “العالمَ لا يمكنُ تغييرُه من خلالِ الدولة.”[v] والتقديسُ يعني عبادةَ شيءٍ بشريٍّ وكأنه مقدَّس؛ وإني لآملُ أنْ يكونَ التقديسُ الحرفيُّ لكلا الموقفين واضحاً: الأولُ يرفضُ أنْ يرى أنّ الدولةَ (وتشافيز) أنتجتهما أيدي البشر، فهما لذلك مُعرَّضان لتحوّلٍ جذريّ؛ والثاني – في إنكارِه القدراتِ التنظيميةَ البشريةَ، والقيادةَ العضويةَ التي يولِّدُها النضالُ، والتفويضَ بممارسةِ السلطة – يرى أن مثلَ هذا التحوُّلِ مُحالٌ ولا نفعَ فيه على الإطلاق.[vi]بعبارةٍ أخرى، إن الدولة للاثنين كائنٌ فوق-بشري فلا تُعبَدُ أو تُخشَى، لكنها لا تتحوّل أبدا.

بالرغم من أن المخاطرَ العمليةَ لتقديسِ الدولةِ أشدُّ حدةً ووضوحاً في المناقشاتِ حول فنزولا، لا قدرةَ لنا على إهمالِ ما يأتي به تقديسُ الأفقيةِ من مخاطرَ، خاصّةً أنها ذاتُ تلميحاتٍ منهجيةٍ حول كيفيةِ كتابةِ تاريخٍ كهذا. فلو أنّ من شأنِ تركيزٍ آتٍ “مِن أعلى” أنْ يخلقَ عمىً واضحاً تجاهَ الحركاتِ الآتيةِ “من أسفل”، فمن شأنِ تقديسِ الأفقيِّ أنْ يخلقَ بقعةً عمياءَ أكثرَ تحديداً تكونُ فيها الحركاتُ والمنظماتُ “الأفقيةُ” بما يكفي إما مُساءً تمثيلُها على أنها أكثرُ مطالَبةً بالمساواةِ أو ديمقراطيةً مباشرةً أو مضادةً للدولةِ مما هي، أو أنها جُعلت غيرَ مقروءةٍ وغير مرئية.[vii] هنا، تكونُ المنظماتُ من أمثالِ “لا بْييِدْريتا” ضرباً من تحذيرٍ مُزدوجٍ لمصاعبِ المقاربةِ الأفقيةِ التجريدية. وبالرغمِ من العلاقةِ العضويةِ للجماعاتِ بالمُجتمعِ المحليِّ، فإن دراستَها أفقيًّا تعني طلبَ المُحالِ؛ وحتى الإصرارُ على الكلامِ مع غيرِ القادةِ سيعني الطلبَ من أعضاءِ منظمةٍ منضبطةٍ انضباطاً مُحكَماً أنْ يكسروا ذلك الانضباط. بعبارةٍ أخرى، إن مبدأَ الأفقيةِ المتأرجحةِ سيجعلُ النشاطَ الداخليَّ للجماعاتِ من مثل “لا بْييِدْريتا” أشدَّ إبهاماً مما يبدو عليه أصلا، كما يستخدمُ المرءُ العدسةَ الخطأ لرؤية جسمٍ ما، لكنّ أهميتَها للعمليةِ لا يمكنُ نكرانُها، كما سأشرحُ الأمر.

في التاريخِ الآتيةِ روايتُه، سنُبقي بعيداً على المستوى العمليِّ صعوبةَ العلاقةِ التي تبدو “رأسيةً” بين الجمهورِ والطليعةِ (كالتناقضِ بين الحركةِ والدولةِ، والتسييرِ الذاتيِّ والوحدة)، لأن مراحلَ مختلفةً من الكفاحِ ضدَّ هذه “الديمقراطيةِ” الفاسدةِ والعنيفةِ التي أُسِّست سنة 1958 قد عُبِّر عنها بأشكالٍ مختلفةٍ من الكفاح، وبأدواتٍ وأسلحةٍ مختلفة. مَثَلُ ذلك أن الكفاحَ الغِواريَّ الذي نلتفتُ إليه أولاً كان مغامرةً رأسيةً على نحوٍ غيرِ تبريريٍّ؛ وحقيقةُ الأمرِ أن كثيراً من الجدلِ حول ذلك الكفاحِ كان يدورُ حولَ أيٍّ من التوجيهِ السياسيِّ، إن كان موجوداً، سيمارَسُ على الهياكلِ العسكريةِ لجبهاتِ الغوار. وإذ أنّ هذا المبدأ الرأسيَّ قد تأتَّى غالباً من صفتِه العسكريةِ، لا يجوزُ لنا أن نسمحَ له أن يطمسَ عناصرَ الامتيازِ العرقيِّ والجنسيِّ الحقيقيةَ العاملةَ في هذا الكفاح. وإذ اغتنت روايتي بالمناقشاتِ مع المشاركين في صفوفِ المغاوير (بمن فيهم المقاتلاتُ من النساءِ المحلياتِ ذواتِ الأصولِ الأفريقيةِ)، فلا سبيل لأن تكونَ هذه بديلةً عن مناقشةِ من أُنيطَ بهم صنعُ وتنفيذُ الاستراتيجياتِ والتكتيكاتِ الأوسعِ التي تُقرِّرُ مجرى الكفاحِ المسلَّح. أكان الأمرُ للأفضلِ أم للأسوأ، فإن مطالبَ الشعبِ الأكثرَ جذريةً كانت في الأعمِّ الأغلبِ تُمثلُّها الهياكلُ الطليعيةُ في هذه الفترة. ولا عذرَ في هذا للأخطاءِ التي كانت كثيرةً، وكثيراً ما أُنيطت بالعناصرِ الرأسيةِ، وإنْ لم تنحصرْ فيها، كنظريةِ “البؤرة” الطليعية المسماة “فوكِسْمو” (Foquismo).([1]) كما أنه لا يجوز لها أن تطمسَ حقيقةَ أنّ المغاويرَ في بعض المراحلِ كانت قاعدتُهم الاسميةُ الداعمةُ لهم أكثرَ عداءً منها في مراحلَ أخرى؛ وأكثرَ من أيِّ شيءٍ آخرَ، كانت هذه الحقيقةُ مُهلكةً للكفاحِ المُسلَّحِ ومُقرِّرةً للتحولاتِ الإستراتيجيةِ التي برزت نتيجةً لذلك. مع هذا، بقي هؤلاء المغاويرُ، إلى حدٍّ ما، أكثرَ ممثلي الشعبِ ثوريةً وعنادا كنقدٍ جذريٍّ للقمعِ والتحيُّز، وإنه في هذا المعنى يبقَى تاريخُ الكفاحِ الغواريِّ، مهما كان ناقصاً، “تاريخَ الشعب.”

بالطريقةِ عينِها التي قد يقودُ فيها تقديسُ الأفقيِّ إلى إهمالِ القيادة، يمكنُ أيضاً لمثل هذه المقاربةِ أن تُقصيَ سلَفاً من اختاروا إستراتيجياً العملَ إما ضمنَ المؤسساتِ الحكوميةِ أو بعلاقةٍ وطيدةٍ معها على المستوياتِ الوطنيةِ، أو الدَّوْليةِ، أو المحلية. حقاً، إن إقصاءَ من يرَوْن في مثلِ هذه المؤسساتِ مرحلةً نضاليةً لا يمكنُ تجنُّبُها إنما هو إهمالٌ للكتلةِ الواسعةِ من الثوريين الذين يدفعون إلى الأمامِ العمليةَ البوليفارية. وهكذا، إنّ حقيقةَ كونِ الكثرةِ من الموظفين الحكوميين قد جاؤوا من صفوفِ الثوارِ، غيرَ مُقتصرٍ هذا على الكفاحِ المسلّح، بل شاملاً أيضاً قطاعاتٍ أخرى في الحركةِ الثوريةِ، لا تستبعدُهم عن هذا التاريخ، بل تفرضُ مرةً أخرى، وبطريقةٍ مُختلفةٍ قليلاً، التناقضَ الظاهرَ الذي أبدأ منه: إن من عانَوْا أكثرَ من غيرِهم من عنفِ الدولةِ في الماضي قد جاؤوا، مع هذا، ليتبوأوا المناصبَ في تلك الدولة. وإذ لا بدَّ لمثلِ هؤلاء من أن يُوازَنوا مع من يُعبِّرون عن اهتمامٍ حقيقيٍّ وصادقٍ حول جذريةِ الحركةِ وتسييرِها الذاتيِّ، أكان ذلك من مجالِ الحركاتِ شبهِ الرسميةِ أم من يرفضون أيَّ ارتباطٍ بالدولةِ (ولكنْ من غيرِ التوقُّفِ، في الأغلبِ، عن دعمِ الرئيسِ و العملية)، فإن هذا لا يُزعزعُ صلتَهم الوثيقة.

تماماً كما تفشلُ التعويذتان التوأمان في وضعِ تفرقةٍ أشدَّ حسماً مما ينبغي بين ما تدعمان وما تعارضان، وتماماً كما أنّ غايتي إعادةُ إقامةِ الصلاتِ التي تقطعان، فإن علينا أيضاً أن نتكلَّمَ عن إعادةِ توطيدِ العلاقةِ بين الأفقيِّ والرأسيِّ بشكلٍ أكثرَ عمومية. في هذا، لا يمكنُنا أن نفعلَ أفضلَ من أن نعودَ للثورةِ الفنزولية، وحربِ الغوارِ السابقةِ، واستيحاءِ الكثيرِ مما سُمِّيَ بـ”البوليفارية”: في مقالٍ لكْليبر راميريز روجَس – الذي وهبَ قلمَه حديثاً فقط للقوى التي وقفت خلف انقلابِ تشافيز الفاشلِ سنةَ 1992 لكتابةِ عددٍ من الوثائقِ التي تضعُ هيكلاً لحكومةٍ ثوريةٍ – ظهرَ سنة 1994 حول الحركاتِ التي برزت في الأحياءِ الفقيرةِ على أثر هبّةِ كاراكاس سنة 1989، تأمّل في حالاتِ نجاحِ الأفقية وفشلِها لدى هذه الحركاتِ الشعبية. وبينما يُقرُّ راميريز بأنّ الإصرارَ الجذريَّ على أشكالِ التنظيم الأفقيِّ قد ظهرَ كشكل مُبرَّرٍ للدفاع الذاتي أمامَ الأحزابِ السياسيةِ القديمةِ الفاسدةِ، وأن التسييرَ الذاتيَّ الحقيقيَّ الذي منحته هذه الأفقيةُ للحركاتِ قد شكّلَ “انتصاراً سياسيًّا واجتماعيًّا،” يقولُ، مع هذا، إنه من خلالِ تقديسِ التجمُّعاتِ الشعبيةِ المتناثرةِ “قد تحوّلَ [هذا] النصرُ إلى أن يهزمَ نفسَه.” ويمضي راميريز قائلا إنه “من منظورٍ إستراتيجيٍّ ستكون الأفقيةُ ضروريةً لتطوير دولةِ العامة؛ لكنها، تكتيكيًّا في هذه اللحظة، تغدو خطأً فادحاً لأنها تُفاقمُ انعزاليةَ القواعدِ الشعبيةِ عن النضالاتِ الوطنية.”[viii] في محاولةٍ لتجنبِ هاتين التعويذتين التوأمين، لن أتكلمَ، في وقت القرارِ، لا عن القوةِ من أعلى ولا من أسفلَ، بل بدل ذلك عن “قوةٍ ثنائيةٍ” في معارضةٍ للدولةِ ماضيةٍ قُدُماً ومتوتِّرةٍ وعدائية، تشدُّ نفسَها بإصرارٍ من القواعدِ إلى الأعلى لتولِّدَ حركةً جدليةً تسمحُ بالتحوُّل الثوريِّ للدولةِ ومؤسساتِها، هادفةً في النهايةِ إلى هدمِها ولامركزيّتِها وجعلِها لادولة. وبالنسبةِ إلى كْليبر راميريز، يعني جدلُ السلطةِ الثنائيةِ هذا “تصفيةَ الدولةِ الحاليةِ” لتحلَّ محلَّها “حكومةُ تمرُّدٍ شعبي،”[ix] أي ما قد يعدُّه بعضُهم مرةً أخرى تناقضاً.

ثمةَ تحذيرٌ نهائيٌّ قبل أن أبدأ، وهو ذو علاقةٍ بما قلتُ للتوِّ، لأنّ هناك شيئاً آخرَ يستحقُّ الملاحظةَ في هذا التوكيدِ المبالغِ به حول الأفقية، هذا التجريدُ المُلزمُ بـ”تغييرِ العالمِ من غير أخذِ السلطة.” غالباً ما يتهافتُ الحديثُ عن كيفيةِ تغييرِ العالمِ إلى تمارينَ في بناءِ النماذج، وغالباً ما يُقدِّمُ المادةَ الخامَ لهذه التمارينِ ثوّارُ العالمِ الثالثِ والنموذجُ الذي يبنيه فلاسفةُ العالمِ الأول. فإن كان الدافعُ لـ”تغييرِ العالمِ” بأخذِ السلطةِ مأخوذاً في كثيرٍ منه من الثورةِ الروسيةِ، فإن النموذجَ لـ”كيفيةِ” فعلِ ذلك في أمريكا اللاتينيةِ لستيناتِ القرن العشرين قدّمته الثورةُ الكوبيةُ بطرقٍ عديدةٍ، كما رشَحَ من كتاباتِ المفكِّرِ الفرنسيِّ الجذريِّ ريجي دُبْراي. في عام 1963، حجَّ دُبْراي إلى سلسلةِ جبال فالكون ليتكلَّمَ مع المغاويرِ الفنزوليين. بعد ذلك بأربعةِ عقودٍ ونيِّفٍ، كانت لي فرصةُ مكالمةِ العديدِ من هؤلاء القومِ، وكذلك كلّمتُ عدداً من المُنظِّمين الأصغرِ سنًّا من قطاعاتٍ كفاحيةٍ مختلفة. لذلك، بينما قد يبدو الأمرُ أنني أودُّ أن أجعل مهمتي تشبهُ مهمةَ دُبْراي، فما من شيء قد يكونُ أبعدَ عن الحقيقة. وليس هذا فقط لأن نموذجَ “نظرية البؤرة” لدى دُبْراي – التي تقوم على فكرةِ أن تقود الكفاحَ الغواريَّ نخبةٌ صغيرةٌ من “بؤرةٍ” متحركةٍ مفصولةٍ عن أيِّ قاعدةٍ اجتماعية – كان تشويهاً للثورةِ الكوبيةِ، ولكنْ أيضاً لأن تطبيقَها في فنزولا وغيرِها من أمكنةٍ كان كارثياً.

لذلك فإن اسمَ دُبْراي لا يقومُ مقامَ الإيحاءِ بل إنه تحذيرٌ من خطرِ نماذجِ كيفيةِ “تغييرِ العالم.” هل باتت الأفقيةُ نموذجاً بحدِّ ذاتِها، نموذجاً أعيدَ إحياؤه بالطبيعة الخطيرةِ للتمرد الزباتيِّ([2]) وضخّمَه منظرون من أمثال هولواي تحت شعار السلطة المضادّة؟ فإن كان الأمر كذلك، فهل يعكسُ الالتزامُ برفضِ السلطةِ التجربةَ الزباتيةَ بدقةٍ، أو هو تشويهٌ لتلك التجربةِ بقدرِ ما كانت عليه نظريةُ دبراي في حرب الغوار؟ أيرفضُ الزباتيون كلَّ سلطة أم أنهم يسعون إلى إعادةِ توليدِ شكلٍ جديدٍ للسلطةِ من أسفل؟ أيرفضون كلَّ المؤسساتِ أم أنهم يُقدِّمونها لضغطِ التدخلِ الشعبيِّ الدائمِ حسب (في الانتداباتِ القابلةِ للنقضِ والجمعياتِ الشعبيةِ، مثلاً)، وهو ما يُسميه دوسل “السلطةَ الطيِّعة”، بالبناءِ على الالتزام الزباتيِّ من غيرخلقِ نموذج؟[x] وحتى لو عكست مثلُ هذه النظرياتِ الممارسةَ الزباتية بشكلٍ فعالٍ، هل يمكنُ تعميمُ وتصديرُ التجربةِ الزباتيةِ الخاصةِ والمحليةِ عبرَ القارةِ والعالمِ من غيرِ المساهمةِ فيما أسميتُه في مكانٍ آخرَ “الإمبرياليةَ الفوضوية”؟[xi]

يتألّفُ هذا الكتابُ من ثلاثةِ أجزاءَ ذاتِ ثلاثةِ فصولٍ لكلٍّ منها، يقسمُها فاصلان تاريخيان مُتفجِّران، ومرحلتا قَطعٍ “تأسيسيتان” تُمثلان قفزاتٍ نوعيةً في تاريخِ الشعبِ الفنزوليّ. يقصُّ الجزءُ الأولُ أثرَ الكفاحِ الغِواريِّ، وفشلَه، وارتداد    َ الكفاحِ المُسلَّحِ الذي ظهرَ بعده؛ فالطليعيةُ ذاتُها التي حكمت على المغاويرِ بالفشلِ قد دحضتها الجماهيرُ المتمردةُ على صعيدِ الممارسةِ العمليةِ. هذا تاريخُ فشلٍ وهزيمةٍ، لكنه تاريخٌ تُقدِّمُ فيه تلك الهزائمُ ذاتُها الزادَ للانتصاراتِ التالية. تتحرّكُ فصولُ الجزءِ الأولِ تحركاً زمنياً (بالعقود تقريبا: من ستينات القرن العشرين، فالسبعينات، فالثمانينات)؛ ويُديرُ الجزءُ الثاني محورَنا في محاولةٍ للتفكيرِ قطاعياً بحسبِ بعضِ الحركاتِ الاجتماعيةِ الأكثرِ أهميةً التي ظهرت على أثرِ الكفاحِ الغِواريِّ، بل غالباً من داخله، في تنظيم مزدهرٍ للطلابِ والنساءِ والمحليّين من ذوي الأصولِ الأفريقيةٍ، مُركِّزاً على سبعيناتِ القرنِ العشرين وثمانيناتِه، لكنه يمتدُّ أيضاً إلى الوقتِ الراهن. ثمّ يُديرُ الجزءُ الأخيرُ محورَنا مرةً أخرى، مُتكلماً إجمالاً بحسبِ الطبقةِ الاقتصاديةِ، لكنه يُلقي دائماً نظرةً ناقدةً على الفهمِ التقليديِّ لما يؤلِّفُ الموضوعَ السياسيَّ للثورات. وحين تُضافُ مواضيعُ هذه الفصولِ النهائيةِ – الطبقةُ العاملةُ، والفلاحون، وما يُسمَّى البروليتاريا الرثةَ، أو فقراءَ المدنِ الدهماء – إلى مواضيعِ الأجزاءِ السابقةِ التي تتداخلُ معها، نحصلُ على الضرباتِ العريضةِ لمفهومِ “الشعب” في فنزولا وكثيرٍ من أمريكا اللاتينيةِ.

ستكونُ كلُّ هذه الشرائحِ العرْضية المتفرقةِ المرئيةِ بشكل أوسعَ، المُنبثقةِ من الكفاحِ المُسلَّح، قد دخلت في فترةٍ من التطورِ الذاتيِّ، ثم بدأت تتكتَّلُ ثانيةً ببطءٍ مع العناصرِ شبهِ العسكريةِ في الإعدادِ لانقلابِ عامِ 1992 وانتخاباتِ عام 1998، دافعةً بتشافيز إلى مقعدِ السلطةِ الشرعية. بيد أن هذين التاريخين – 1992 و1998 – بغضِّ النظر عن أهميتهما، لا يزودان فاصلَيْنا المتفجرَيْن بمحتواهما. وواقعُ الأمر، إني أتكلمُ عن لحظاتِ “السلطةِ الشرعيةِ” هذه مروراً عليها فقط. بدل ذلك، يصفُ فاصلانا هذه اللحظاتِ الخلاّقةَ الولاّدةَ بصورةٍ جذريةٍ – هبّةَ كاراكاس سنة 1989 وتمردَ سنة 2002 الذي أطاح بالحكومةِ الانقلابيةِ وأعادَ تشافيز للسلطة – اللحظاتِ التي ظهرَ فيها الشعبُ الفنزوليُّ في كفاحِه كقوةٍ دستورية، كاشفاً نفسَه على أنه مصدرُ السلطةِ وأقدامُ الطينِ التي تركلُ من يدّعون خطأً أن تلك السلطة لهم. وحين نركِّز نظرَنا على الشعبِ، على تعبيرِ السلطةِ “من أسفل” لا “من أعلى”، فإن المعالمَ التقليديةَ – أكانت 1958، أم 1992، أم 1998 – خاضعةٌ لمجموعةٍ من اللحظاتِ (1989، 2002) ومتشربةٌ معنىً جديداً كليا.

نعودُ أخيراً، إلى مسألةِ تاريخِ الشعبِ، كي نرى أنّ التحوِّلَ الذي انطلقنا منه – أي رفضَ أن نبقى مُنوَّمين مغناطيسياً بشخصيةِ تشافيز أو بالدولة – قد سمح بإغناءٍ لانهائيٍّ لتحليلِنا، مولِّداً مُسلسلاً بديلاً عن اللحظاتِ الفاصلةِ والتمزقات التاريخية. ولكي نُجملَ مكان بدئنا – ليس في حلقةٍ كاملةٍ بل في لولبٍ كامل – نعود إلى سي. ل. ر. جيمس، الذي يُصرُّ على أنّ “عباراتِ الثورةِ لا تُقرَّرُ في البرلماناتِ، بل تُسجَّلُ فيها فقط.”[xii] لم يكن هوغو تشافيز سبباً بل كان نتيجةً، ولا خالقاً بل خَلقا؛ وبهذا المعنى، يكونُ ما سيأتي من تاريخٍ نزعاً حرفياً للتقديس، نزعاً للغموض. فانتخابُه، بل حتى انقلابُه العسكريُّ الفاشلُ، لم يكونا علامةً للثورة البوليفارية، بل كانا بدل ذلك نتيجةً لتاريخِها الطويلِ المتجذِّرِ في الأرض وانعكاساً له، وهو تاريخٌ لم يخرجْ إلا حديثاً إلى ضوءِ النهار، وهو ما يرجو مشروعُنا هذا أن يساهمَ فيه، بتواضعٍ جمٍّ. لقد بلغنا ذلك المستوى الأعلى من التعقيدِ الذي كتبتُ عنه في البداية، ومن منظورِه نستطيعُ الآن أن نحاولَ التشبُّثَ بأهميةِ تشافيز التي لا تُنكَرُ حتى اللحظاتِ الحاليةِ وبعلاقتِه بالحركاتِ الاجتماعيةِ الثوريةِ التي خلقته. لكن علينا حتى في هذا ألا نُركِّزَ أكثرَ مما ينبغي على تشافيز؛ وأنْ نُعيدَ صياغةَ ما قالته لي الكثرةُ من المُنظِّمين الثوريين في فنزولا: “نحن صنعناه” – لكننا أيضاً سنمضي إلى ما بعده إذا اقتضى الأمر.

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة “كنعان” الإلكترونية أو محرريها ولا موقع “كنعان” أو محرريه.


[1] هذه النظرية ابتدعها كلٌّ من فِدِل كاسترو وآرنستو “تشي” غيفارا في حرب المغاوير، وتقوم على مجموعةٍ طليعية صغيرة تقاتل في الأرياف والجبال، كما كانت الحال في قدرة هذه الطليعة من المغاوير على قلب نظام الحكم في كوبا حين استولت أخيرا على العاصمة هافانا في كانون الأول 1958 على أثر انتصار مجموعة المغاوير التي قادها غيفارا في معركة سانتا كلارا، وأجبرتْ الجنرال باتِسْتا، رئيس كوبا يومئذ، على الهربِ من البلاد. [المُترجم]

[2] “الزباتي” نسبةٌ إلى إميليانو زباتا (1879-1919)، الذي قاد، منذ سنة 1910، ثورةَ الفلاحين في المكسيك، التي سُمِّيت “الزباتية (Zapatismo)، على الطبقةِ الإقطاعية في تلك البلاد التي كان يدعمها الحاكم المستبد بورفيريو دياز. وفي العام 1919 اغتيل هذا القائد التاريخي. [المترجم]


[i] كما لاحظت سوجاثا فرنَندس مُحقةً في قولها، “أن ترى تشافيز شخصيةً مستقلة تعظ من أعلى، أو الحركاتِ الشعبيةَ ناشئةً من فضاءاتٍ تلقائية من أسفل، إنما هو إنكار للاعتماد المتبادل بينهما الذي يكبح ويُيسِّر مجال عمل كل منهما.” (Who Can Stop the Drums?, 5).

[ii] John Holloway, Change the World Without Taking Power: The Meaning of Revolution Today. (London: Pluto, 2002).

[iii] راجع، على سبيل المثال، النقاش حول السلطة، الذي يتضمّن ردوداً على هولواي (http://marxiste.com/debate_on_power.html) وولبيرت، تحول فنزولا إلى اشتراكية القرن الحادي والعشرين، تر. بسام أبو غزالة. راجع أيضاً (Martinez et al., eds. Venezuela Speaks!, 2-4) حول المعارضة الكاذبة للقول “من أسفل” و”من أعلى.

[iv] Dussell, Twenty Theses on Politics, 18.

[v] Holloway, Change the World Without Taking Power, 19.

يلاحظ أحد معارضي الأفقية أن “الأفقية تشي بالتواصل الديمقراطي على أرض مستوية وتتضمن إبداعاً غير هرمي التسلسل مضاداً للسلطوية بدل ردة الفعل – أو على الأقل تجاهد لبلوغ ذلك. إنها انفصام مع الوسائل العمودية للتنظيم والربط.” راجع:

Marina Sitrin, ed., Horizontalism: Voices of Popular Power in Argentina. (Oakland: AK Press, 2006), 3.

[vi] راجع تحليل دوسل للصنمية في (Twenty Theses on Politics, 30)، خاصة الحاشية 23.

[vii] راجع النقد الذي يُسيء فيه بعض مناصري الأفقية، مثل “Horizontalism” لمارينا سِترين وفلم “The Take” لنعومي كلاين. وراجع، مثلا، العريضة التي وقعتها العشرات من التعاونيات العمالية في الأرجنتين ضد فلم كلاين، مصرةً على أنها شوهت علاقتها بالدولة:

Movimiento Nacional de Fabricas Recuperadas. 2004. “‘La Toma’ no refleja la realidad de las fabricas recuperadas en Argentina,” Apr. 20, http://argentina.indymedia.org/news/2004/11/239016.php.

بالرغم من أن سوجاثا فيرنندس تحافظ على موقف معقد بما يكفي، مصرةً على قولها، “أنا لا أدافع عن موقف مضاد للدولة” (Who can Stop the Drums?, 28)، هناك سبب للقلق من أن الحركات التي تناقشها قد اختيرت لأفقيتها لا لأهميتها الإستراتيجية.

[viii] Kléber Ramirez Rojas, Historia documental del 4 de febrero (Caracas: El Perro y la Rana, 2006), 203.

غير أن راميريس يصر على أن هذا الانشقاق لم يكن نتيجة التوجه الأفقي لدى الحركات فقط، لائماً الطليعيين أيضاً الذين فصموا العرى مع الحركات من أعلى والانتهازيين الذين باعوهم في السوق (206).

[ix] Ramirez Rojas, Historia documental del 4 de febrero, 24-29.

[x] Dussel, Twenty Theses on Politics, 24-29.

[xi]  George Ciccariello-Maher, “An Anarchism that is Not Anarchism: Notes Toward a Critique of Anarchist Imperialism,” in How Not to Be Governed, ed. J. Klausen and J. Martel. (Lanham, MD: Lexington Books, 2010).

الزباتيون أنفسهم يُدركون مخاطر بناء النماذج، وهولواي يقتبس من الآمر المساعد ماركُوس قوله: “إن الشيء الوحيد الذي عرضنا فعله هو تغيير العالم؛ وكل ما عداه كان ارتجالا. وقد هُشمت كثيراً فكرتنا المربعة للعالم وللثورة في المواجهة مع حقائق شياباس المحلية.”

John Holoway, “Dignity’s Revolt,” in Zapatista! Reinventing Revolution in Mexico, ed. J. Holloway and E. Pelaez. (London: Pluto Press, 1998), 161.

[xii] James, The Black Jacobins, 81.