تروتسكي وقطب.. ثنائية العنف والفوضى

إلهامي المليجي

 

مع انبلاج شمس حقيقة ما يجري في سوريا، واتساع مساحة التأييد للحل السياسي الضامن لوحدة الأرض والمؤسسات السورية، ومع تحقيق الجيش العربي السوري لانتصارات على الأرض في مواجهة الإرهابيين نرى بعضا من المعارضين السوريين ، ممن كانوا ينتمون لليسار المتطرف ( رابطة العمل الشيوعي والتروتسكيين ) يعززون من تخندقهم في معسكر اليمين العربي والغربي الذي يضم بين جنباته جماعات التطرف القطبية الجهادية والرأسمالية المتوحشة، وهذه الحالة المثيرة للتعجب تنطبق على متطرفي اليسار المصري وصنوهم من التطرف القطبي والجهادي ، ما يجعلنا نسترجع بتقدير وتأكيدٍ مقولة لينين في بدايات القرن المنصرم “اليمين المتطرف واليسار المتطرف يلتقيان عند نقطة واحدة”

البعض يرجع هذا التحالف الشيطاني إلى اشتراكهما في الخيبة والمعاناة، ومن قبلهما الهدف في مواجهة الأنظمة الوطنية، ولكن الحقيقة الساطعة أن التيارين المتطرفين – يمنة ويسرة –  يجمعهما التطرف ، والذي قد يتحول من مجرد فكر إلى أسلوب ظاهري أو عمل سياسي ، يلجأ عادة إلى استخدام العنف وسيلة  لتحقيق المبادئ التي يؤمن بها الفكر المتطرف ، أو اللجوء إلى الإرهاب النفسي أو المادي أو الفكري ضد كل من يقف عقبة في طريق تحقيق تلك المبادئ والأفكار التي ينادي بها هذا الفكر المتطرف.

وإذا ما عدنا قليلاً للوراء للتعرف على رمزين من رموز التطرف اليساري واليمني ، ليون تروتسكي “اليهودي” وسيد قطب “المسلم “، سنجد أن بينهما كثيراَِ من المشتركات، فكلاهما يمتلك قدرا عاليًا من الثقافة ، ما جعل مناصريهما يصفانهما بالمفكرين والمنظرين كل في اتجاهه ، وكلاهما كان بمثابة الرجل الثاني في الحزب أو الجماعة، وانتهجا خطًا أكثر تشدّدًا عن مؤسس الحزب أو الجماعة ، وكلاهما كان أمميا في دعوته ، وكلاهما عاش فترة من حياته في الولايات المتحدة الأمريكية، ومن المفارقات أن كليهما ولد في شهر أكتوبر، وقُتل أو أُعدم في شهر نوفمبر عن ستين سنة من عمره، وإن كان الفارق الزمني بينهما ما يقرب من ثلاثة عقود !!.

 وبقراءة سريعة في فكريهما نرى أن تروتسكي، صاحب  نظرية “الثورة الدائمة “ ، التي يجب أن تتعدى حدود روسيا إلى أنحاء العالم، وتدعو إلى إشعال ثورات متتالية في بلدان مختلفة لتقوم الثورة العالمية، قد ربط تروتسكي بين رأيه هذا ، وبين تحليله لطبيعة الاقتصاد العالمي والتقسيم الدولي للعمل و السوق الدولية ، هذا التقسيم الذي يتجاوز الحدود القومية، ومن هذا المفهوم ترتسم أمامنا النقطة الأخيرة لنظرية تروتسكي في الثورة الدائمة، وهي أن “إنهاء الثورة الاشتراكية ضمن الحدود الوطنية أمر غير معقول ، وهكذا تصبح الثورة الاشتراكية ثورة دائمة بالمعنى الجديد والواسع لهذه الكلمة ، ولا تصل إلى كمالها إلا عندما ينتصر المجتمع الجديد نهائياً على كوكبنا بأجمعه”.

وعن العنف قال تروتسكي: إذا كان جُلّ ما يحتاجه الأمر هو أن يهتف أحدهم “هجوم” في كل معركة، بغض النظر عن توازن القوى أو السياق أو طبيعة العدو أو طبيعة الحلفاء، فإن أي معتوه يمكن أن يصبح قائدا ثورياً، القائمون على النظام أثبتوا أنهم سوف يواجهون حركتنا بالعنف ، ولا يمكن أن نتحدث ببساطة عن أننا سوف نفعل ما نريد دون أن نتوقع أن يكون هناك ثمنً ندفعه، ويصل إلى أن توقُّع ثورة اجتماعية سلمية تماما هو بمثابة التحليق في عالم خيالي.

ولعله من المفيد أن نُذَكّر بأن “وولفوتيز” الأب المؤسس لنظرية “الفوضى الخلاقة ” استمدها من منطلقاته التروتسكية، وروّج لها من خلال عمله في إدارة جورج بوش الأب كمساعد لوزير الخارجية وبعدها كان مساعدًا لديك تشيني وزير الدفاع في ادارة بوش الابن .

وإذا ما ولينا وجهتنا إلى التطرف اليميني ، سنرى قول سيد قطب: “إن العالم يعيش اليوم فى جاهلية من ناحية الأصل الذى تنبثق منه مقومات الحياة وأنظمتها، جاهلية لا تخفف منها هذه التيسيرات الهائلة وهذا الإبداع المادي الفائق. هذه الجاهلية تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله على الأرض، وعلى أخص خصائص الألوهية، وهى الحاكمية، إنها تسند الحاكمية إلى البشر فتجعل بعضهم لبعض أربابًا، لا فى الصورة البدائية الساذجة التى عرفتها الجاهلية الأولى، ولكن فى صورة ادعاء حق وضع التصورات والقيم والشرائع والقوانين والأنظمة والأوضاع بمعزل عن منهج الله للحياة، وفيما لم يأذن الله به، فينشأ عن هذا الاعتداء على سلطان الله، اعتداء على عباده”.

إن أفكار قطب تقود إلى حتمية الصدام واستحالة التعايش، ويصل قطب إلى القول ” ليست مهمتنا أن نصطلح مع واقع هذا المجتمع الجاهلي، ولا أن ندين له بالولاء، فهو بهذه الصفة الجاهلية غير قابل لأن نصطلح معه. إن أولى الخطوات فى طريقنا هي أن نستعلي على هذا المجتمع الجاهلي وقيمه وتصوراته، وألا نعدّل من قيمنا وتصوراتنا قليلاً أو كثيرًا لنلتقي معه فى منتصف الطريق، كلا، إننا وإيّاه على مفرق الطريق، وحين نسايره خطوة واحدة فإننا نفقد المنهج كله، ونفقد الطريق”.

وهكذا نجد تشابها بين المنهجين ، يقترب من التطابق ، فنرى مريديهما معول هدمٍ للأوطان ، وتفتيتها وتقديمها لقمة سائغة للوحش الكاسر الذي يتربص بالعرب؛ بغية تحقيق حلمه بإنشاء دولته الكبرى من النيل الى الفرات.

 

 

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة “كنعان” الإلكترونية أو محرريها ولا موقع “كنعان” أو محرريه.