لغز السياسة الخارجية لترامب

منذر سليمان – واشنطن

أميركا تبدو مُنهكَة من أثقال التفرّد بالهيمنة ولكنها عاجزة عن الإقرار بذلك، والنظام العالمي لم يُنجِز تخلّصه من عقدة الهيمنة الأميركية وتجاوزها، وتبدو الأطراف التوّاقة إلى المُنافسة على المسرح الدولي سعياً نحو نظام دولي جديد مُتوازِن تتلمّس جهوزيّتها بحَذَر، وتندرج معها أطراف اقليمية حالمة بموقعٍ وازِن وتُمارس حالات من التمرّد الانتقائي تعبيراً عن قلقها.

كان مشهداً مُعبّراً عندما خطا ترامب في ساعة مُتأخّرة جداً من ليلة الانتخابات مُحاطاً بأفراد عائلته ليعلن فوزه في الانتخابات بعد تلقّي مُكالمة التهنئة من مُنافسته هيلاري كلينتون، كانت خطواته ثقيلة وبطيئة وملامحه مختلفة عما سبق إن شهدناها في كل إطلالاته السابقة خلال الماراثون الانتخابي الأميركي الطويل. لم تظهر على مُحيّاه علامات الابتهاج والفرح بنصر تاريخي غير مُتوقّع، كان واجماً ولا يصطنع الشعور بخطورة وأبعاد المسؤولية الثقيلة التي  تنتظره، بدا كمن ضُبِطَ مُتلبّساً بورطة ولكنها من صنعه.

عزّز هذا المشهد نزعة العديد من المُراقبين نحو إعادة التركيز على دراسة شخصية ترامب وتكوينه النفسي في محاولة لسَبر أغوار مدى تأثير مُكوّنات شخصيته على أدائه وسلوكه وقراراته عندما ينتقل إلى البيت الأبيض.


تحليل نفسي لترامب!

خَلص أحد الدارسين لشخصية ترامب إلى ما يلي:

“تولّدت انطباعات كثيرة عن دونالد ترامب أبداها مَن تعاملوا معه عبر سنوات طويلة منها مثلاً أنه شديد التطرّف في آرائه وتوجّهاته فهو لا يعرف الحلول الوسط، وهو تاجر يريد أن يربح دائماً لا يُحب التنازلات، ومنها أنه شخص استعراضي يتصرّف دائماً وكأنه تحت الأضواء والكاميرات حتى في حياته العادية، وهو شخص لا يهتم كثيراً بالثوابت والقواعد والأعراف بل كثيراً ما ينتهكها إذا كان في ذلك مصلحته أو سعادته، ولغته دائماً مُلتهبة ومُفاجئة وصادِمة، ولكنه في الوقت ذاته مُلفِت للنظر بكل هذه التركيبة المُتطرّفة والمُتناقِضة والنَزَوية. وهو ظاهر الثراء وظاهر الانتماء لطبقة المُترفين والمُرفّهين..

تبدو على ترامب سِمات نرجسية عالية فهو شديد الإعجاب بذاته ومُهتم بشياكته وأناقته وتسريحة شعره، ويتصرّف كممثل ويتوقّع أنه تحت الأضواء في كل حركاته وسكناته، ويرى أنه مُتفردٌ ومُتميزُ على كل مَن حوله ويتصرّف من مُنطلق الأهمية والعظمَة ويُبالغ في تقديره لذاته، ولا يحب إلا نفسه”.

ولكن التحليل النفسي مهما كان دقيقاً أو صائباً ليس كافياً للمساعدة في تصنيف المدرسة السياسية أو المنظومة الفكرية التي تتحكّم في سلوكه في البيت الأبيض، لأنه خالَفَ كل القواعد المعروفة وأعلن عن مواقف مُتناقِضة مُتنافِرة حول السياسة الخارجية خلال السِباق الرئاسي، لقد فاجأ أوساط الحزب الجمهوري بتغريده خارج السياق الأيديولوجي المعروف له.


الافتقار للخبرة في السياسة الخارجية نعمة أو نقمة؟

لا خلاف على محدودية خبرة ترامب في حقل السياسة الخارجية بعد افتضاح أمره في العديد من المواقف والتصريحات المُتناقِضة أو حتى الغبيّة في قضايا عديدة خلال الحملة الانتخابية، ولا شكّ أننا نتذكّر الانتقاد الساخر الذي تعرّض له من مُنافِسته بأن خبرته في هذا المجال تُختصَر في رعايته لمسابقة ملكة جمال العالم.

ولم ينجُ ترامب من الانتقادات الحادّة بعد فوزه التي تركّزت على التخبّط والفوضى المُرافِقة لعمل فريقه الانتقالي، وعلى بُطء مسار اختياره لأعضاء فريقه للأمن القومي أو لشغل المناصب الأساسية في إدارته، ناهيك عن حاجته لتعيين ما يزيد عن 4 آلاف وظيفة في إدارته الجديدة كي يكون جاهزاً لمُمارسة الحُكم في موعد التنصيب بعد 50 يوماً تقريباً.
تجدر الإشارة إلى أن ترامب لم يكترث لحضور الإيجازات الدورية الاستخباراتية الضرورية المُخصّصة عادة للرؤساء المُنتخَبين. ولكن لا غرابة في ذلك فالبعض من مؤيّدي ترامب يُبرّر له ويُراهن على “نعمة” عدم خبرته أو خضوعه لبيروقرطية واشنطن المُتجذّرة والمُعطّلة لعودة عظمة أميركا! ألم يَخض الانتخابات ضدّ مؤسسة واشنطن الحاكِمة المنبوذة شعبياً وهزمها!


هل هو الارتباك الاضطراري؟

لتاريخه لم يكتمل نصاب اختيارات ترامب لحقيبتيّ الخارجية والدفاع رغم التكهنات والتسريبات العديدة حول الشخصيات المُحتملَة. ويُعوّل الكثير من المُراقبين على أن ملء هذين الموقعين سيمنحهم القدرة على فهم طبيعة توجّهات ترامب للسياسة الخارجية والاستراتيجية العامة للأمن القومي التي سيتّبعها.

وهنا لا بدّ من طرح بعض الأسئلة الهامة: هل إن شخصية ترامب وميوله وتكوينه النفسي ستكون العناصر الحاسِمة في تكوين رؤيته وممارسة الحُكم في نظام رئاسي يستند إلى صلاحيات دستورية واسعة، ولكنها مُقيّدة بكوابح دستورية تستوجب المشورَة والمُصادقَة من الكونغرس، وما علاقة ذلك بقدرة ترامب الفعلية على ترجمة حقيقية لخطابه الانتخابي الشعبوي القومي والاقتصادي “أميركا أولاً”؟ أم أن الأمر سيعتمد على طبيعة اختياره لكِبار مُساعديه الذين سيصيغون السياسة والاستراتيجية وسيكون عملياً مُتأثراً بخبرتهم وخاضعاً لميولهم؟ وهل سيحرص فعلاً على تنويع مصادر خياراته من المعاونين الكبار في إدارته لتغطية الأجنحة المُتنافِسة تحت سقف الحزب الجمهوري؟ أو هل سيفاجئ مؤيّديه ومُعارضيه معاً بتوسيع اختياراته ولو رمزياً  لتشمل بعض الأصوات المُستقلّة أو المحسوبة على الجناح الديمقرطي المُقرّب من تيّار برني ساندرز؟

كلها أسئلة مشروعة تنتظر الإجابات في الأيام والأسابيع القادمة رغم إلحاح الداخل والخارج على ترامب ليُفكّك ألغازه ويكشف عن أوراقه حول السياسة الخارجية.

يبقى أن نُشير هنا إلى أن التعيينات الناجزة والمحدودة حتى الآن تُشير إلى مزيج من الشخصيات المُتنوّعة المرجعيات الفكرية، تتبنّى مُقاربات تُلامس الانعزالية الحمائية والانتقائية التدخّلية المُتشدّدة والواقعية التقليدية، وقد تكون هذه الظاهرة علامة على طبيعة المرحلة القلِقة التي تعيشها أميركا.

أميركا تبدو مُنهكَة من أثقال التفرّد بالهيمنة ولكنها عاجزة عن الإقرار بذلك، والنظام العالمي لم يُنجِز تخلّصه من عقدة الهيمنة الأميركية وتجاوزها، وتبدو الأطراف التوّاقة إلى المُنافسة على المسرح الدولي سعياً نحو نظام دولي جديد مُتوازِن تتلمّس جهوزيّتها بحَذَر، وتندرج معها أطراف اقليمية حالمة بموقعٍ وازِن وتُمارس حالات من التمرّد الانتقائي تعبيراً عن قلقها.

أليس ترامب من ردّد مراراً أن سياسته ستعتمد على المُفاجأة وعدم قدرة الآخرين على التخمين أو التوقّع؟ إنه التخريج المُبتكر لحال الارتباك ويشترك فيها الجميع وبنسب مُتفاوِتة.

عجلة ترامب الانتقالية تسير ببطء يزعج مناصريه ومُعارضيه ولأسباب مُختلفة، لكن الحكمة ومنطق الأمور يدعونا إلى التذكير بضرورة عدم التسرّع في إصدار الأحكام النهائية وتجنّب الوقوع في أسر القوالب المُعتادة لقراءة المشهد الأميركي والدولي الراهن.

:::::

المصدر: الميادين نت

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة “كنعان” الإلكترونية أو محرريها ولا موقع “كنعان” أو محرريه.