■ “كنعان” تتابع نشر كتاب ” نحن صنعنا تشافيز: تاريخ شعبي للثورة الفنزويلية”

 

الفصل الأول

 

تاريخ غِواريّ

لن أبقى في البيت، أنا ذاهبٌ للقتال

أريدُ أنْ أدافعَ عن لا بْوِيرْتا في وادي مُمْبوي…

هيا نذهبْ إلى بوكونو! ولنصعدْ إلى الجبالَ

كي نُقبِّلَ الحديقةَ التي بقيت في عينيْ بوليفارَ إلى الأبد

(علي بريميرا)

30 حزيران 1962

وقفَ ومشَى بهدوءٍ إلى المنصةِ فابْريسيو أوخيدا، الصحفيُّ الفنزوليُّ المعروفُ وطنياً، والرئيسُ السابقُ للهيئةِ الوطنيةِ التي أطاحت بالدكتاتور مارْكُس بيريس جِمِنيس. ثم، بوقارٍ بالغٍ، أعادَ رجلُ المقاومةِ العملاقُ هذا روايةَ وقوفِه على قبرٍ في مقبرةِ الجنوبِ – التي أصبحت لاحقاً رمزاً للقتل الخارجِ على القانونِ في أثناءِ هبّةِ كراكاس سنةَ 1989 – وتأديتِه يميناً مُغْلَظاً بأنَّ “تضحيةَ شهدائنا لن تذهبَ هدرا.” بيدَ أن هذا الخطابَ لم يُشبهْ أيًّا من خطاباتِه السابقة. ذلك أنّ أوخيدا، إذ انتُخبَ عضواً في المجلسِ التشريعيِّ بـ”إرادةِ شعبِ كراكاس المجيدِ، الذي يجدُ الآنَ نفسَه مقموعاً مُهانا،” كان يُعلنُ قرارَه مغادرةَ قصورِ السلطةِ الرسمية. فبعد أربعِ سنواتٍ من قيامِه بدورٍ مركزيٍّ في تحوّلِ فنزولا الديمقراطيِّ، هاهو الآن ينضمُّ إلى الكفاحِ الغِواريِّ للإطاحةِ بنظامِ الحكم. وإذ اقتربَ أوخيدا من نهايةِ هذا الخطابِ الحاسم، فقد بلغ درجةً من حُمَّى الحماسٍ تجاوزت تكوينَه الجسديَّ الضئيلَ، وارتفعَ صوتُه صراخاً حين استدرّ الوحيَ من النشيدِ الوطنيِّ:

“فيا سيدي الرئيسَ، استدعِ من يخلفُني لأنني موفٍ بقسمي الذي أخذتُه على نفسي أمامَكم جميعاً بأنْ أُدافعَ عن الدستورِ والقوانينِ في هذا البلد. فلا ضيرَ إن أمُتْ، لأن غيري سيخلفُني ويحملُ البندقيةَ والعَلَمَ، مُكملاً بكرامةٍ مُثُلَنا وواجبَنا تجاه شعبنا.”

ولْتسقط الأغلال!

الموتُ للقمع!

للوطنِ وللشعب!

تحيا الثورة![i]

حين يقول علي بريميرا، في شعرِه الذي استهللنا به هذا الفصلَ، “لنصعدْ إلى الجبال!” إنما أراه سائراً في سبيل أُوخيدا بصورةٍ رمزية: عائداً إلى مسقط رأسِه – بوكونو، تْروجِلُّو، الذي أعلنه بوليفارُ نفسُه “حديقةَ فنزولا” – وإلى لا بويرتو، التي هي بلدةٌ حقيقيةٌ وبوابةٌ مجازيةٌ أيضاً للكفاحِ المُسلَّح.

لماذا نبدأ قصةَ الثورةِ الفنزوليةِ المعاصرةِ في العام 1962؟ ولماذا مع فابْريسيو أوخيدا؟ فإن كان الأمرُ لتحديدِ أصولِ الكفاحِ المُسلَّحِ، فستُثبتُ هذه المرحلةُ أنها غيرُ مثالية: ذلك أن أوخيدا كان، بالمعنى الدقيقِ، متأخرَ الحضور. وإن كان بسببِ شهرتِه فقط، فهو، مهما كان مُهمًّا في رمزيتِه، لن يكونَ القرارُ مُعجِباً بل سيقودُنا إلى الجواب. لماذا تحوَّلَ بسرعةٍ ضدَّ هذه الحكومةِ الجديدةِ قائدٌ من قادةِ مقاومةِ الدكتاتوريةِ، وقد شاركَ هو نفسُه في ديمقراطيةِ فنزولا الوليدة؟ الإجابةُ على هذا السؤالِ تعني اكتشافَ السرِّ المفتوحِ لخمسين عاماً من تاريخِ فنزولا، أي الحقيقةَ المختبئةَ تحت قشرةِ “الاستثنائيةِ” الفنزوليةِ الرقيقة. ففي مرحلةٍ مُبكرةٍ بصورةٍ مُدهشةٍ، كان فابْريسيو أوخيدا يُعبِّرُ بفصاحةٍ عن هناتِ التحرُّرِ الرسميِّ والديمقراطيةِ الرسميةِ التي جاءت لتُهيمنَ على الدولةِ “المُحرَّرة”. فقد أصرَّ على أن “الشعبَ الفنزوليَّ قد تعبَ من الوعودِ التي لا يُمكن الوفاءُ بها وقد خاب رجاؤه بديمقراطيةٍ لا تأتي أبدا.”

إن كان انتقادُ أوخيدا للديمقراطيةِ التمثيليةِ ضرباً من الهرطقةِ للكثرةِ من الناس، فقد اقتربَ عام 1958 من مستوى الكفرِ بتلك المرحلةِ الأساسيةِ التي قام هو نفسُه بدورٍ أساسيٍّ فيها حين أطاح ببيريس جِمِنيس تمرُّدٌ مدنيٌّ-عسكريٌّ موحَّدٌ من نوعٍ غالبٍ حدوثُه في تاريخ فنزولا. “في 23 كانون الثاني – أعترفُ بهذا كنقدٍ ذاتيٍّ إبداعيٍّ – لم يحدثْ شيءٌ في فنزولا … بل تغيّرت الأسماءُ حسب.”[ii] فالمثاليون الشبابُ، وعلى رأسِهم أوخيدا، آمنوا صادقين بأنْ سيكونُ في مقدورِهم التغلُّبُ على التناقضاتِ الواضحةِ التي رزأت المجتمعَ الفنزوليَّ بمجرَّدِ إزالةِ “الطاغيةِ”. غيرَ أن رومولو بيتَنْكورْت قد انتُخبَ وتسلَّمَ السلطةَ عام 1960، وفي أقلَّ من سنةٍ عاد البلدُ إلى أحكامِ الطوارئِ، والتفتيشِ، والاعتقالِ، والتعذيبِ، وسوءِ استخدامِ السلطة التنفيذيةِ، كلُّ هذا باسمِ “الديمقراطيةِ” ذاتِها التي كانت، لأوخيدا وغيرِه، الحالةَ النقيض. “هذا هو قرارُنا، هذا هو سبيلُنا. ننطلقُ إلى حملِ السلاحِ بإيمانٍ وفرح”. غير أن أوخيدا، بالرغم من هذا الفرحِ، أصرَّ– قبل زاباتا المكسيكِ بزمنٍ طويلٍ – على أن السلاحَ كان الملاذَ الأخيرَ: “نحملُ السلاحَ ضدَّ العنفِ، ضدِّ القمعِ، ضدَّ التعذيبِ، ضدَّ الفساد. نحملُ السلاحَ ضدَّ الإفسادِ والخيانةِ…. كي يسطعَ فجرُ الحريةِ والعدالةِ على آفاقِ هذه الأمة.”[iii]

لم يكن فابْريسيو أوخيدا أوّلَ من يمَّمَ شطرَ الجبالِ الفنزوليةِ ولن يكونَ الأخير. فقد أدركَ من كانوا أبعدَ نظراً أنّ الديمقراطيةَ الفنزوليةَ سيُحدِقُ بها الخطرُ حين يتسلّمُ رومولو بيتَنْكورْت زمامَ الحكم، لكنّ قلةً قليلةً مَن توقعت شدةَ هذا التهافت. بلغَ الترحيبُ بانهيارِ الدكتاتوريةِ حدَّ النشوةِ، وكما كان مُتوقَّعاً، قوبلت هذه الديمقراطيةُ المولودةُ حديثا بالتفاؤلِ. غيرَ أنّ الحركةَ الموحَّدةَ اسماً التي أطاحت ببيريس جِمِنيس، حتى قبل 23 كانون الثاني 1958، كانت نهباً للانشقاقات. فبيتَنْكورْت، الشيوعيُّ السابقُ، كان مُتعَباً في المنفى إذ يُحاولُ أنْ يُثبتَ للولاياتِ المتحدةِ صدقَ معاداتِه للشيوعيةِ بينما يُحافظُ في الوطنِ على وجهِهِ المُعادي للإمبرياليةِ، بالرغمِ من أنّ الحزبَ الشيوعيَّ الفنزوليَّ قام بدورٍ مركزيٍّ في الجبهةِ الموحَّدةِ ضدَّ الدكتاتورية. وبالتوازي مع هذا الانقسامِ السياسيِّ، كان ثمةَ انشقاقٌ عميقٌ بين الأجيالِ عبرَ صفوفِ الحزب. فقد كان في المنفى أغلبُ “الحرسِ القديمِ” من حزبِ بيتَنْكورْت، حزبِ العملِ الديمقراطيِّ، والحزبِ المسيحيِّ الديمقراطيِّ، وحزبِ الوحدةِ الديمقراطيِّ الجمهوريِّ، بينما كانت الأطرُ الحزبيةُ الأصغرُ سناً التي لا تزال في فنزولا تتعاركُ مع الدكتاتوريةِ على الأرضِ وتُصدرُ  قراراتٍ إستراتيجيةً ذاتَ علاقة. وقد جسَّد أوخيدا، العضوُ الشابُّ في حزبِ الوحدةِ الديمقراطيِّ، هذا “الحرسَ الشابَّ” أكثرَ جذريةً بطرقٍ عديدة. وكما سنرى، سيتفاقمُ هذا الانشقاقُ بين الأجيالِ بانشقاقٍ ريفيٍّ/مدنيٍّ هزَّ رئاسةَ بيتَنْكورْت منذ البداية، بالرغم من أنه، وللسخريةِ، لم يتحوَّلْ إلى إستراتيجيةٍ غِوارية.

لكنْ، بينما صنعَ الشبابُ الجذريون الوحدةَ السياسيةَ المطلوبةَ للإطاحةِ ببيريس جِمِنيس، كان الحرسُ القديمُ مشغولاً في تعزيزِ وحدةٍ من نوعٍ آخرَ مُختلف. ففي “حلفِ نيويورك”، أولاً، ثمّ في “حلفِ بُنْتو فيجو” الأسوأِ سمعةً، كان ممثلو كلٍّ من حزبِ العملِ الديمقراطيِّ، والحزبِ المسيحيِّ الديمقراطيِّ، وحزبِ الوحدةِ الديمقراطيِّ يسعَوْن إلى تأسيسِ ديمقراطيةٍ تعدديةٍ محدودةٍ تستبعدُ يمينَ النظامِ القديمِ المُتطرِّفَ واليِسارَ الشيوعيَّ المُتطرِّف.[iv] فكانت النتيجةُ نظاماً سياسياً جامدا، أو “حزبقراطية” عُرفت باسم بُنْتوفيجِسْمو(puntofijismo)، وهي ديمقراطيةٌ مُكبَّلةٌ توافقيةٌ مجَّدَها البعضُ بناءً على استقرارِها “الاستثنائيِّ”، لكنّ الغالبيةَ العظمَى تزايد نفورُها منها. وقد انهارَ هذا النظامُ بعد نيِّفٍ وثلاثةِ عقودٍ من الزمن؛ وإذ لم يحدثْ الانفجارُ الصارخُ إلا سنةَ 1989، أخذ بعضُ الدعائمِ ينهارُ منذ البدايةِ في انشقاقاتٍ متلاحقةٍ أبعدت الشبابَ الجذريين عن أحزابِهم لينضمُّوا إلى الكفاحِ المُسلَّح.

مقابلة دوغْلَس

عند كتابةِ هذه السطورِ يكونُ دوغْلَس برافو، ناقدُ تشافيز المتحوَّلُ إلى قائدٍ للمغاويرِ، قد بلغ الثامنةَ والسبعين، لكنك لن تُدركَ هذه الحقيقة. إنه رجلٌ قصيرُ القامةِ، ذو شعرٍ داكنٍ، ووجهٍ شديدِ النحول، ومنكبين عريضين تزيدُهما بروزاً سترةٌ محشوةٌ تُذكِّرُنا بمسلسلِ “رذيلة ميامي”.([1]) في أقلَّ من نصفِ شهرٍ أُجريت لهذا القائدِ الغِواريِّ الأسطوريِّ عمليةُ قلبٍ مفتوحٍ لتغييرِ صمامِه الأبهر. وحين كان يجلسُ في مقهىً صغيرٍ في “بارك سنترال” لم يتردّدْ في فتحِ قميصِه كاشفاً عن الندبةِ التي خلّفتها العمليةُ الجراحية. واضحٌ أنه قويٌّ كالحصانِ، ولا يزال مغواراً في صميمِ قلبِه بالرغم من أكثرَ من عقدين من “إعادةِ التأهيل” – وهو تعبيرٌ حكوميٌّ ملطَّفٌ ودودٌ يُستعمَلُ في الإشارةِ إلى عمليةِ تخفيفِ غلواءِ المغاويرِ السابقين. وحين كنا نتكلَّمُ، كانت عيناه تتواثَبان بحدةٍ وعصبيةٍ فوق كتفي، وإلى المصعدِ والمدخل – وهي عادةٌ اكتسبَها من عقودٍ قضاها متخفياً، وما من شكٍّ في صعوبةِ تغييرِها. يقولُ إنّ أنفَه لا يعملُ جيداً منذ انكسرَ في ثلاثةِ أماكنَ يومَ وقعَ في الجبالِ في ستيناتِ القرن العشرين؛ لكنه سيُجري قريباً عمليةً جراحيةً لإصلاحِه. تساءلتُ كيف لمغوارٍ مُقاتلٍ معروفٍ، أكان أُعيد تأهيلُه أم لا، أن يثقَ في أنه سينالُ عنايةً طبيةً جيدةً بينما يُهيمنُ اليمينُ على المهنةِ؟ لكنه غمزَ بعينِه قائلا، “طبيبي صديقٌ جيدٌ كان يُساعدُنا في أثناءِ حربِ الغِوار.”[v] وبعد نقاشٍ قصيرٍ عاينَ فيه برافو عواطفي السياسيةَ قال فجأةً، “أستطيعُ العملَ معك. قابلني غدا.”

تقابلنا في اليوم التالي في شقةِ برافو البسيطةِ لبحثِ مراحلِ الكفاحِ الغِواريِّ المُبكِّرة. كان برافو قد انضمّ إلى الحزبِ الشيوعيِّ عام 1946 وهو في الثالثةَ عشرةَ من عمرِه. وحتى قبل سقوطِ الدكتاتوريةِ، أسّس الكفاحُ الغِواريُّ أولَ أشكالِه التنظيميّةِ فيما سُمِّيَ “فرقَ الصدمة” التي أناطها الحزبُ الشيوعيُّ الفنزوليُّ بكلٍّ من برافو، وتيودورو بِتْكُف، وإلوي تورِس في تشرينَ الأولِ 1957 حين أخذت روحُ الجِدَّةِ تدفعُ ذاتَها داخلَ أصدافِ القديم.[vi] وحين سؤلَ عن سببِ تحويلِ “فرقِ الصدمةِ” سريعاً ضدَّ ديمقراطيةٍ اسميةٍ ومُحدَثةٍ، كان جوابُه بسيطاً: “لقد أُجبروا على ذلك.” كان هذا منذ البداية لأن بيتَنْكورْت لم يكن يعتقلُ الناسَ، خاصةً في كاراكاس، المدينةِ التي كان يشعرُ بأنها خانته في انتخابات 1958 وتفوّق فيها على بيتَنْكورْت بهامشِ خمسةٍ إلى واحدٍ الرئيسُ السابقُ للمجلسِ الحاكمِ الأدميرال وُلْفْغانْغ لاراسابال (مدعوماً من الحزبِ الشيوعيِّ الفنزوليِّ وحزبِ الوحدةِ الديمقراطيِّ الجمهوريِّ).[vii] ولتضخيمِ الأذى بالإهانةِ، قام مؤيدو لاراسابال، في 8 و9 كانونَ الأوّلِ، ببعضِ الشغبِ محاولين عكسَ نتائجِ الانتخاباتِ؛ ثمّ زار فِدِل كاسترو البلادَ في وقتٍ متأخرٍ من شهر كانونَ الثاني، وكأنّ الأمورَ لم تزددْ سوءاً للرئيسِ المنتخبِ.[viii]

يذكرُ كاسترو، الذي كان حينئذ حليفاً اسمياً لبيتَنْكورْت، أنه، في أثناء خطابِه في بلازا إل سِلَنْسيو، “ثارت زوبعةٌ من أصواتِ الازدراءِ من قِبَل الجمهورِ الكبير”[ix] حين لفظ اسمَ الرئيسِ الفنزوليِّ الجديدِ. وإذ أن معارضةَ بيتَنْكورْت للشيوعيةِ سبقت ذلك اليومَ المصيريَّ المُهين، كان واضحاً أيضاً أنه سيجدُ موضوعاً جديداً للعداوةِ في أعقابِ الثورةِ الكوبيةِ التي سيصمُها بـ”شيوعيةِ كاسترو.” لقد حلَّ، في ومضةِ برقٍ، محلَّ الديمقراطيين الاجتماعيين من أمثالِ بيتَنْكورْت والاتحادِ الثوريِّ الشعبيِّ الأمريكيِّ في بيرو شكلٌ جديدٌ من المقاومةِ الأمريكيةِ اللاتينيةِ الأكثرِ مباشرةً سيُسلِّطُ عليهم العيون. حتى الشيوعيون أنفسُهم، لم يستطيعوا تجنُّبَ المثلِ الكوبيِّ؛ لكنْ، بينما أخذ الحزبُ الشيوعيُّ الفنزوليُّ أخيراً يرسمُ مساراً يسارياً من شأنِه أن يلتفَّ حولَ التياراتِ الثوريةِ الجديدةِ بدعمِه الكفاحَ الغِواريّ، اتخذ بيتَنْكورْت مساراً مختلفاً جداً بأنْ أدارَ وجهه صوبَ الجيشِ بدل الشعبِ مُقيماً “أشدَّ الحكوماتِ دمويةً في تاريخ فنزولا.”[x]

في التفكيرِ بمسلسلِ الأحداثِ التي جرّت تلك الديمقراطيةَ الحديثةَ إلى حافّةِ الثورةِ خلالَ أقلَّ من عامين من تدشينِ حكم بيتَنْكورْت، يؤكِّدُ برافو على ثلاثةٍ بعينِها. أوّلُها أن بيتَنْكورْت تسلّمَ السلطةَ في سياقٍ عالميٍّ اتصفَ بانهيارٍ صارخٍ لأسعارِ النفطِ عقبَ أزمةِ قناةِ السويس، جنباً إلى جنبٍ مع سياقٍ اجتماعيٍّ محليٍّ طالب فيه السكانُ باستمرارِ خطةِ أعمالِ الطوارئِ ذاتِ الشعبيةِ الكبرى التي أتى بها لاراسابال. وقد خلقَ الضغطُ الماليُّ الناتجُ “أزمةً دستوريةً” أشبهَ بالكماشةِ أثارت موجةَ المظاهراتِ العنيفةِ ذاتِ المطالبِ الجذرية. وقد نالَ بيتَنْكورْت من هذه القطاعاتِ التي حُرمت من الحمايةِ بإلغاءِ خطةِ أعمالِ الطوارئِ: ففي شهر آب 1959، بعد أشهرٍ معدودةٍ من تسلم بيتَنْكورْت عِنانَ السلطةِ، أطلقَ الجيشُ النارَ على مظاهرةٍ من خمسين ألفَ عاملٍ من غير عملٍ في ميدانِ كُنْكورْدْيا، فقتل ثلاثةً منهم. في الوقت عينِه تقريباً، قُمعت بالطريقةِ ذاتِها في ولايةِ أراغْوا مظاهراتٌ لتلاميذَ واحتلالُ أراضٍ قام بها فلاحون.[xi] وحين كلّمتُ رجلاً كبيراً في السنِّ مقيماً في كاراكاس الغربيةِ كان انتقلَ إلى العاصمةِ عام 1956، علمتُ منه أنّ “أيامَ بيتَنْكورْت كانت الأسوأ! كانت رصاصاً، رصاصاً، ومزيداً من الرصاص! كانت سياستُه أن يُطلقَ الرصاصَ أولاً ثمّ يسألَ لاحقا.”[xii]

ثانيا، كان هذا القمعُ الذي مورسَ باسمِ القطاعِ الشبابيِّ الأكثرِ جذريةً في حزب بيتَنْكورْت، حزبِ العملِ الديمقراطيِّ، هو الذي جعلهم ينسلخون انسلاخاً حاسماً عن الحرسِ القديمِ الرجعيّ. ولعلّ ما يُثيرُ الدهشةَ، والسخريةَ حتماً، آخذين في الاعتبارِ عداءَ بيتَنْكورْت الهستيريَّ لشيوعيةِ كاسترو، أنّ هذا الحزبَ الجديدَ، الحركةَ اليساريةَ الثوريةَ، قد حرّكَ السكِّينَ في جرحِ انسلاخِه بإعلانِه الإعجابَ بالمَثَلِ الكوبيّ. وقد كان هؤلاء هم الأعضاءَ الشبابَ أنفسَهم في حزبِ العملِ الديمقراطيِّ – وأشهرُهم دومنغو ألبيرتو رانجل، وأميركو مارتن، ومواسيه موليرو، والأمينُ العامُّ السابقُ للحزبِ سيمون سَئيس مِريدا – الذين كانوا مسؤولين عن التحالفِ مع الشيوعيين الذي أطاح ببيريس جِمِنيس، مخالفين جزئيًّا رغباتِ قادةِ الحزبِ في المنفى. وبالإضافةِ إلى أخذِهم زهاءَ 80 في المائةِ من شبابِ حزبِ العمل، أخذت الحركةُ اليساريةُ الثوريةُ معها أيضاً مجموعةً من القادةِ ذوي الجاذبيةِ الشخصيةِ والنفوذِ، وكذلك أربعةَ عشرَ نائباً في المجلسِ التشريعيِّ، مُنذرةً بهذا انشقاقاً ثانياً بعد ذلك بسنةٍ حين انسحبت المجموعةُ التي قادها رؤول رامُس جِمِنيس بعددٍ إضافيٍّ بلغَ ستةً وعشرين نائبا، مما جرّدَ بيتَنْكورْت حتى من الأغلبيةِ النيابية.[xiii] وكما كان متوقَّعاً، تصرّفَ بيتَنْكورْت ومن بقي معه في حزبِ العملِ “بردةِ فعلٍ قاسيةٍ ضدَّ هذه الكتلةِ الجديدةِ التي قُطعتْ من لحمهِ،” فكان القمعُ ضدَّ الحركةِ اليساريةِ الثوريةِ الوليدةِ فورياً وصارماً، وقيل إنه، نتيجةَ خيانتِها المهينةِ، كان أشدَّ.[xiv] وبعد أقلَّ من ستة أشهرٍ من تأسيسِ الحزبِ، اعتُقل ستةٌ من أعضائه بتهمةِ تقويضِ النظامِ، فأثارَ ذلك دورةً تصعيديةً لمظاهراتٍ طلابيةٍ ومزيدٍ من القمع.

أخيراً، بلغَ التوترُ حول كوبا مرحلةً حاسمةً في سان خوسيه، كوستاريكا، في آب 1960 في اجتماع لمنظمةِ الدولِ الأمريكية. وكجزءٍ من حلفِ بُنْتو فيجو، دعا بيتَنْكورْت عدداً من ممثلي مجلسِ الوزراءِ من الحزبِ المسيحيِّ الديمقراطيِّ وحزبِ الوحدةِ الديمقراطيِّ الجمهوريِّ؛ ولكنْ، حين حاولت الولاياتُ المتحدةُ تمريرَ اقتراحٍ بشجبِ الكوريين، حاول وزيرُ الخارجيةِ الدكتور إغناسيو لويس أركايا، عن حزبِ الوحدةِ الديمقراطيِّ الجمهوريِّ، تغييرَ الاقتراحِ قبل أن يرفضَ أخيراً توقيعَه. لهذا أعفاه بيتَنْكورْت من منصبِه، مما أستثارَ مسيراتٍ مؤيدةً لكاسترو في كاراكاس.[xv] وإذ بقي حزبُ الوحدةِ الديمقراطيُّ الجمهوريُّ في مجلس الوزراءِ، فإن قمعَ شبابِ الحركةِ اليساريةِ الثوريةِ وما نتج عنه من حفزٍ قويٍّ للتمردِ الطلابيِّ قادَ الحكومةَ إلى إغلاقِ جميع مؤسساتِ التعليمِ العالي وإرسالِ الجنودِ إلى جامعةِ فنزولا المركزيةِ المتمردةِ في تشرين الأول 1960 (راجع أيضاً الفصل الرابع).[xvi] وقد كان هذا أكثرَ مما يستطيعُ تحمّلَه أعضاءُ الحركةِ اليساريةِ الثوريةِ في الحكومة، فقدموا استقالاتِهم.

غيرَ أنّ برافو، بالرغم من وجودِ جوٍّ من التوتُّرِ المتزايدِ المتبادَلِ، يُصرُّ على أنّ الحركةَ اليِساريةَ الثوريةَ والحزبَ الشيوعيَّ الفنزوليَّ كليهما بقيا حتى هذه اللحظةِ ضمنَ نطاقِ الشرعيةِ والكفاحِ السلميّ. وقد ردّدَ هذا القولَ مؤسِّسُ الحركةِ اليِساريةِ الثوريةِ مواسيه موليرو، الذي، بالرغم من مواجهتِه اتهاماتٍ مبكرةً بالتخريب، يُصرُّ على أنّ تحوَّلَ الحزبِ إلى الكفاحِ المُسلَّحِ ما كان إلا استجابةً للقمعِ الوحشيِّ على يدِ الديمقراطيةِ النخبويةِ الجديدة.[xvii] حقا، لقد وجدَ كلٌّ من الحركةِ اليِساريّةِ الثوريّةِ والحزبِ الشيوعيِّ الفنزوليِّ أنّ موقفَهما يزدادُ توحُّدا. ففي شهرِ أيلولَ من عام 1960، هوجمَ في لاغونِلاس اتحادٌ عماليٌّ نفطيٌّ يقودُه الحزبُ الشيوعيُّ الفنزوليُّ، مما أدَّى إلى مقتل واحدٍ وإصابةِ عشرين، وفي أثناء احتلالِ جامعةِ فنزولا المركزيةِ و23 دي إنيرو، وجد الحزبان حتى حريتَهما الصحفيةَ قد هوجمت: ففي تشرينَ الأولِ أُغلقت مطبعتُهما وفي تشرين الثاني أُغلقت نشرتاهما الرسميتان.[xviii] وحين نُفِّذ إضرابٌ عنيفٌ في مصلحةِ الهاتفِ في تشرين الثاني، دعت الحركةُ اليِساريةُ الثوريةُ إلى تمرّدٍ وقائيٍّ، قافزةً بهذا من موقعِ الولاءِ إلى العداء.[xix]

مع هذا، وبالرغمِ من مواجهةِ مستوىً متشابهٍ من القمع، كانت العمليةُ التي وصل بها الحزبُ الشيوعيُّ إلى نتيجةٍ مشابهةٍ بطيئةً ومترددةً جداً. وبالرغم من أنّ التاريخَ الحاليَّ يعكسُ الوضعَ الثوريَّ الذي كان موجوداً في تشرين الأول والثاني 1960، فقلّةٌ قليلةٌ تُدركُ كم كانت البلادُ قريبةً من الإطاحة ببيتَنْكورْت. أكان الأمرُ لمبالغةٍ في العوائقِ “الموضوعيةِ” أمامَ الثورةِ، أم لغموضٍ ستالينيٍّ تجاهَ البرجوازيةِ الوطنيةِ، أم لصبرٍ حذرٍ مع الديمقراطيةِ الجديدةِ، فإنّ الحركاتِ الثوريةَ قد اندفعت إلى الأمامِ، لكنّ الحزبَ لم يتجاوب. أو، لنقلْها بشكلٍ أفضلَ، إن بعضَ قطاعاتِ الحزبِ لم تتجاوب. لقد خيّبَ أملَ برافو والشبابِ الجذريين الآخرين أنّ الحزبَ الشيوعيَّ لم يتصرّفْ حين كان الأمرُ في غايةِ الأهميةِ: في مرحلةٍ ما سنةَ 1960، عرضَ عددٌ من القادةِ العسكريين تسليمَ السلطةِ، لكنّ “الحزبَ الشيوعيَّ أخذ يجادلُ إن كان صواباً أنْ يُطاحَ بحكومةٍ منتخَبةٍ ديمقراطيا.” وقد استمرَّ الجدلُ نيِّفاً وأربعاً وعشرين ساعةً، انتهت بعدها المهلةُ وأُنهكَ العصيانُ وقُمع.[xx] كان العمالُ والتلاميذُ في الشوارعِ، وحتى اللبراليون الجذريون من الحركةِ اليِساريةِ الثوريةِ، قد أدركوا بوضوحٍ طبيعةَ حكومةِ بيتَنْكورْت القمعيةَ، ومع هذا عُرضت السلطةُ على الحزبِ الشيوعيِّ، المعقلِ الاسميِّ للثورةِ الشعبيةِ، وقصّرَ في اتخاذِ القرار. سألني برافو بلهجةٍ خطابيةٍ وإصرارٍ لم تخبُ نارُه منذُ خمسين حولاً: “أتُدركُ ما يعنيه هذا؟ مأساتَنا! عجزَ الحزبِ الشيوعيِّ عن إدراكِ هذه اللحظةِ التاريخيةِ. كم كان مُحزناً حقا! كانت تلك هي المعركةَ الكبرى الأولى، شيكو، وخسرنا.” وبكلماتِ مغاويرِ الحزبِ الشيوعيِّ الفنزوليِّ، لقد استطاع الحزبَ “قتل النمر، لكنه خافَ من جلدِه.”[xxi]

زيادةً في المأساةِ، تكرَّرت الحالُ عينُها بعد سنةٍ في أواخرِ عام 1961 وأوائلِ عام 1962، بنتائجَ شبيهةٍ، إذ استمرَّ الحزبُ في تأرجُحِه إزاءَ إضرابِ عمالِ النقل. وبالرغمِ من رفضِه دعمَ الثورةِ التي أجَّج الإضرابُ نارَها – مما أدَّى إلى وفاةِ تسعةَ عشرَ في كانون الثاني –أُنيطت الملامةُ بكلٍّ من الحزبِ الشيوعيَّ الفنزوليِّ والحركةِ اليِساريةِ الثوريةِ، وتعرّضَ مقراهما للتفتيشِ، واعتُقلَ منهما أكثرُ من ألف.[xxii] فإنْ كانت دعوةُ الحركةِ اليِساريةِ الثوريةِ للعصيانِ قبل ذلك بسنةٍ سابقةً لأوانِها، كان التصعيدُ في تشرينَ الثاني 1961 الوقتَ المناسبَ لعملٍ حاسم، حسب برافو: “وجبَ في تلك اللحظةِ القيامُ بنوعٍ من العملِ العسكريّ.” لكنه لم يكنْ إلا بعد ستةِ أشهرٍ أنْ قطعَ الحزبُ الشيوعيُّ أخيراً “العقدةَ الغوردية”([2]) المناطةَ بصبرِه اللامنطقيِّ مع ديمقراطيةٍ تمثيليةٍ ما فتئت تجلدُه بسياطِها كلَّ يومٍ، وهو ما حرّكَ أُطرَه السريّةَ في القواتِ المُسلَّحةِ في انتفاضةٍ عسكريةٍ-مدنيةٍ في مدينة كاروبانو (عُرفت بهبّةِ كاروبانو) وفي بويرتو كابِلُّو (هبّة بويرتو كابِلُّو) في أيارَ وحزيران من عام 1962، في وقتٍ كان متأخراً جداً لأيِّ شيءٍ سوى الفشلِ المشهديِّ الدمويّ.[xxiii] وكما بيّن برافو، لقد بُدِّدَ زخمُ الأشهرِ السابقةِ الثوريُّ: “فالجماهيرُ كانت في وضعٍ انسحابيٍّ دفاعيٍّ، وحركةُ الطلابِ في وضعٍ انسحابيٍّ دفاعيٍّ، والعمالُ في وضعٍ انسحابيٍّ دفاعيٍّ، بينما كانت الحكومةُ في وضعٍ هجوميّ.” وحين سألتُ إن كان الضباطُ هم من فشلوا في الانتفاضِ في أواخر سنة 1961، قوَّمَ قولي فوراً وقال: “لا، لا، ليس هذا ما قلت. نحن، الإدارةَ السياسيةَ [للحزب الشيوعيِّ الفنزوليِّ]، ارتكبنا خطأ البدءِ بالحركاتِ العسكريةِ في غيرِ لحظةِ الانتفاضِ الثوريِّ، بل في اللحظةِ الدفاعيةِ [المتأخرةِ].” ولقد أدرك بيتَنكورْت وقتئذٍ هذا الأمرَ، فرُويت عنه سخريتُه القائلة، “هؤلاء الثوارُ الأغبياءُ لم يعرفوا ما يفعلون.”[xxiv] وعلى الفورِ بعد تمرّدِ أيارَ في كاروبانو، وجد كلٌّ من الحركةِ اليِساريةِ الثوريةِ والحزبِ الشيوعيِّ الفنزوليِّ نفسيهما، وقد تعرّضا للمضايقةِ والقمعِ منذ سنة 1960 وأخذا يعملان تحت الأرضِ من غير حريةٍ صحفيةٍ، محظورين بموجبِ مرسومٍ رئاسيٍّ (وهي المرةُ الأولى للحزبِ الشيوعيِّ منذ الدكتاتوريةِ التي ساعدَ في الإطاحةِ بها).[xxv] وللكثرةِ من الناس، كان السبيلُ الوحيدُ الذي بقيَ مفتوحاً هو الكفاحَ المُسلَّح.

لم يُشاركْ في هذا القرارِ كلُّ أعضاءِ الحزبِ الشيوعيِّ الفنزوليِّ. فبينما كان الأعضاءُ الأصغرُ سناً في المكتب السياسيِّ متحرقين شوقاً، تردَّدَ كثيرٌ من المُقاتلين المُجرِّبين. في الذكرى السادسةِ والأربعين من هبّة بويرتو كابِلُّو، جالستُ العديدين من أعضاءِ جبهةِ بائيس الكبارِ سنًّا في ولايةِ بورْتوغْويسا، وهي “قلعةٌ شيوعيةٌ”، إن جاز التعبير. في البداية، تردّدَ في مقابلتي هؤلاء المحاربون القدامَى الشيوخُ الذين كان بعضُهم في السبعين من عمرِه. أرسلوا لي مبعوثين ليعجموا عودي، وهي عمليةٌ تحدثُ في خلفية سيارةِ شحنٍ صغيرةٍ في الطريقِ إلى بقعةٍ مجهولة. طُلبَ مني مرجعٌ ثوريٌّ: من يشهدُ لي؟ كان التحوّطُ الأمنيُّ صارماً، بل مفاجئاً في صرامتِه إذا أخذنا في الاعتبارِ الجوَّ المنفتحَ نسبياً الذي يسودُ فنزولا في السنين الأخيرة. فلا أحدَ يُنكرُ أنّ الأمورَ تحسّنت في ظلِّ تشافيز وأنّ هؤلاء السبعينيين المتواضعين لا يعيشون في خوفٍ، لكن الخطرَ من انتقامِ العناصرِ اليمينيةِ وإمكانيةِ تغيُّرٍ لاحقٍ للحكومةِ مسألةٌ ذاتُ أولويةٍ عند النفوسِ الحذرة.

يبدو أنِّي كنتُ مُقنِعاً بما يكفي، فرُتِّبَ لي اجتماعٌ بعد الغداء، ليتبيّنَ لي حينئذٍ أنّ هؤلاء المبعوثين لم يكونوا سوى المغاويرِ أنفسِهم. لكنْ، حتى بعد بدءِ المقابلةِ، لم تزلْ هناك علاماتُ تحفظٍ: فلم نتبادلْ أكثرَ من حركاتِ أيدٍ لا تكادُ تُفهَمُ ونظراتٍ ذاتِ معنى، كأنما يتذكرون للحظةٍ أنّ شيئاً ما يحسنُ ألا يُقالَ، وأن بعضَ المواضيعِ يحسنُ تجنبُه، وأن بعضَ الأقوالِ يحسنُ ألا يُسجَّل. بعد ذلك اكتشفتُ أنها المرةُ الأولى التي تكلمَ فيها بعضُ هؤلاء الرجالِ بانفتاحٍ حول تجاربِهم، حتى فيما بينهم. غير أنهم، حين شاعَ جوُّ الارتخاءِ، وانهمرَ ما كان مكتوماً لسنوات طويلةٍ، خفّفوا من تحفظِهم بتعليقاتٍ فكاهية: قال أحدُهم، “إن كانوا من وكالة الاستخبار المركزية [الأمريكية]، فقد فُعل بنا؛” فردّ عليه آخرُ، ” على أيِّ حال، لم يبقَ لي من العمر سوى بضعِ سنين.”

كان اثنان من هؤلاء المغاويرِ – جيسَس وكارلُس جِمِنيس – ابنيْ المؤسِّسِ السابقِ للحزبِ الشيوعيِّ وعضوِ اللجنةِ المركزيةِ ديمِتريو جِمِنيس. يذكرُ جيسَس أن والدَه كان يأخذُه وهو طفلٌ إلى اجتماعٍ سياسيٍّ في بْويرتو كابِلّو، حيث كان منظِّماً لأحدِ اتحاداتِ العمالِ في ثلاثيناتِ القرنِ العشرين قبل تجنيدِه في الحزبِ الشيوعيِّ الفنزوليِّ، حيث قامَ بدورٍ مهمٍّ في تنظيم هبَّةِ بْويرتو كابِلّو. كما تذكَّرَ أحدُ الجيرانِ المعاناةَ التي تعرضت لها أُسرتُهم خلال حربِ الغِوار، موضِحاً أن “هذه الأُسرةَ شعرت بعبءِ القمعِ الحكوميِّ على لحمِها.” وما هذا بمحضِ مجازٍ: فقد كان التعذيبُ مُتكرِّراً جسدياً ونفسيّاً. يتذكّرُ جيسَس كيف أن أسرتَه – ومن ضمنِها الأطفالُ – كانت تتعرّضُ في كثيرٍ من المناسباتِ لفرقِ قتلٍ وهميّةٍ أمامَ أعينِ الجيران.[xxvi] ولعلّ من غير المُفاجئِ، آخذين في الاعتبارِ إرثَ أُسرتِهم والتقاليدَ المحليةَ، أنّ هؤلاء المغاويرَ شيوعيون أشداءُ ولا يُضمرون إلا أعمقَ الاحترامِ لدورِ الحزبِ في الكفاحِ المُسلَّح. وبتعبيرِ جيسَس، “لم يكنْ ثمةَ تمرُّدٌ اجتماعيٌّ لم يكن الحزبُ الشيوعيُّ الفنزوليُّ حاضراً فيه…. الفنزوليون متمردون بطبعهم، لكن الحزبَ الشيوعيَّ هو المُحرِّك.” وأضاف قائلا، ودموعُه تترقرقُ في عينِيه انفعالاً، “نحن [الشيوعيين] مخلصون دائماً، غيرُ فاسدين، محترمون، حاسمون…. أريدُكَ أن تؤكِّدَ في كتابِكَ عملَ الحزبِ الشيوعيّ.” لكنّه أصرَّ على أنّ الحزبَ قادرٌ على ارتكابِ حصتِه من الأخطاءِ، وقرارُه في أنْ يُلقيَ بثقلهِ خلفَ الكفاحِ المُسلِّحِ كان أحدَ هذه الأخطاء. لقد عارضَ والدُهما هذا القرارَ وصوّتَ ضدّه، ولم تتبنَّ الاقتراحَ سوى أغلبيةٍ صغيرة. تفكَّرَ جيسَس بمرارةٍ كبيرةٍ بالأرواحِ التي فُقدت وبحقيقةِ أن كثيراً من المُقاتلين الشبابِ الذين نفّذوا الاقتراحَ – مثل برافو و”الخائنِ الأكبر” تيودورو بِتْكُف – انسلخوا عن الحزبِ الشيوعيِّ بعد ذلك بمدةٍ قصيرةٍ (كما انسلخا كلاهما عن تشافيز لاحقاً). لكنْ، بالرغم من المعارضةِ الأوليةِ، كان الانضباطُ الحزبيُّ  لدى هؤلاءِ المغاويرِ بحيثُ أنهم انضموا بلا تحفُّظٍ للكفاحِ المُسلَّحِ الذي عارضوه كأفراد.

هؤلاء المغاويرُ الذين شاخ بهم العمرُ في قرنةٍ معزولةٍ من بورْتوغْويسا ليسوا الوحيدين الذين عارضوا قرارَ الكفاحِ المُسلَّح. فقد كرَّرَ حيرتَهم الجنرالُ المتقاعدُ ألْبيرتو مُلَر روجاس الذي توفيَ حديثاً، والذي قابلتُه في كراكاس بعد ذلك ببضعةِ أيامٍ فقط في البيتِ الأحمر، مقرِّ حزبِ فنزولا الاشتراكيِّ المتحد، الذي كان مُلَر يومئذٍ نائبَ رئيسِه.[xxvii] من خلالِ لجّةِ دخانٍ كثيفٍ من دستةِ لفافاتٍ دخّنَها مُلَر في تتابعٍ سريعٍ، بيّنَ لي أنه انضمَّ للشبابِ الشيوعيِّ عام 1946 قبل أن ينسحبَ طوعا، وهو ما كانت عليه سياسةُ الحزبِ لمن ينضمون للجيش. كان هو أيضاً ضدَّ فكرةِ الكفاحِ المُسلَّحِ، لكنه، إذ كان اسمياً عضواً “لاسياسياً” في الجيشِ، لم يكن ملتزماً بالانضباطِ الحزبيِّ نفسِه لدى المغاويرِ في بورْتوغْويسا. وحين اتصلَ به، بصفتِه ضابطاً، صديقُه القديمُ تيودورو بِتْكُف كي ينضمَّ إلى الكفاحِ المُسلَّحِ، رفض فورا. سألتُه، “لماذا؟” فقال،”لأنني لستُ غبيا!” بيدَ أن هذه البساطةَ تُخفي وراءها تحليلاً عسكرياً إستراتيجياً مُعقَّدا: ذلك أنّ الديمقراطيةَ التمثيليةَ، حسب مُلَر، لم تُكملْ مسيرتَها بعدُ ولا تزالُ تتمتّعُ بدعمٍ جماهيريّ.[xxviii] غيرَ أنّ استجابةَ مُلَر لا تُعالِجُ السببَ الأساسيَّ الذي يعزو له مُعظمُ المشاركين اختيارَهم القتالَ: لم تتركْ تلك الديمقراطيةُ الحديثةُ لهم خيارا آخر. فكما أخبرني أحدُ المقاتلين القدامَى في الكفاحِ المسلَّح: “ظنّ الكثيرون أنه انتحار، لكنّ عدم الذهابِ كان انتحاراً أيضا.”[xxix] ففي نهايةِ المَطافِ، إن كان للتجربةِ الكوبيةِ درسٌ تُعلِّمُه، فهو أنّ العوائقَ الموضوعيةَ للثورةِ يُمكنُ تحويلُها بذاتيةِ الإرادة. ولسوءِ حظِّ المقاتلين الشبابِ الذين حملوا رايةَ الكفاحِ المُسلَّحِ إلى الجبالِ الفنزوليةِ أنّ تجربتَهم اللاحقةَ لم تفعلْ إلا القليلَ لإثباتِ الأطروحةِ الكوبية.

من البؤرة الطليعيةِ (فوكِسْمو)([3]) إلى حربٍ غِواريةٍ طويلة

كمثلِ دعوةِ الحركةِ اليِساريةِ الثوريةِ غيرِ الناضجةِ إلى التمرّدِ في تشرينَ الثاني 1960، كانت مراحلُ الكفاحِ المُسلَّحِ الأوليةُ موسومةً بالعنفوانِ الشبابيِّ لدى المشاركين فيها وبالتفاؤلِ المُسكِرِ الآتي من المثالِ الكوبيّ؛ فالكثرةُ من مقاتلي الحركةِ اليِساريةِ الثوريةِ كان يحفزُهم الخيالُ العاطفيُّ، بينما تُرك المغاويرُ من غير آليّةٍ مُتطورةٍ للكفاحِ بسببِ تخلُّفِ الحزبِ الشيوعيِّ عن القرارِ.[xxx] وحسب قولِ لوبِن بِتْكُف، الذي كان مع شقيقِه تيودورو أحدَ أقدمِ قادةِ المغاويرِ الشيوعيين، “حين نفرنا إلى الجبالِ لأوّلِ مرةٍ كنا مأخوذين بفكرةِ أنّ حربَنا ستكونُ على النمطِ الكوبيِّ، أو شبيهةً جداً بحربِ الغِوارِ الكوبية. كنا نظنُّ أن حلَّ مشاكلِنا لم يكنْ أبعدَ من سنتين أو ثلاثٍ، وأنّ المغاويرَ سيحلُّون مشاكلَ الثورةِ الفنزوليةِ في مدىً قصير.”[xxxi] في سنة 1960، بدأ دوغلَس بْرافو وآخرون يُشكِّلون وحداتٍ غِواريةً ريفيةً صغيرةً عُرفت باسم “البؤرة”، أولا على طول الساحلِ الشرقيِّ الجبليِّ بالقربِ من قمةِ توريميكير وولاية لارا الغربيةِ الحارةِ، لكنْ، ما إن نشبَ التمرُّدُ العسكريُّ في بْويرْتو كابِلُّو وكاروبانو، حتى تبيّنَ للحكومةِ فجأةً أنها تواجهُ خطراً يتوسّعُ بسرعةٍ في الريف.[xxxii] وخلال بضعةِ أشهرٍ حدثت مُصادَماتٌ في جميعِ أرجاء البلادِ: في سوكْر في الشرقِ الساحليِّ، ثمّ في توريميكير، ثمّ في ولايةِ فالْكون في الغرب، التي ينتمي لها برافو، ثمّ في لا أسوليتا في ولايةِ مِريدا الأنديزية (بقيادة القائدِ الغِواريِّ ألفريدو مانيرو، مُؤسِّسِ “لا كوسا ر” لاحقا)، ثمَّ في بورْتوغْويسا حيثُ تكلَّمتُ مع جبهةِ بائيس، وبعد ذلك في الجنوبِ في تْروجِلُّو.[xxxiii] وفي صدام رئيسيٍّ في ياراكوي، اعتُقل أكثرُ من اثني عشرَ مغواراً حديثَ التجنيدِ (من ضمنهم لوبِن بِتْكُف) وقُتل العديدون.[xxxiv]

بالرغمِ من عنفوانِ المغاويرِ الفنزوليين، كان مُنحنَى التعلُّمِ لديهم شديدَ الانحدار: لقد صُفِّيت معظمُ الجبهاتِ الابتدائيةِ على الفورِ تقريبا، ووجد الناجون طريقَهم لتعزيزِ الجبهاتِ الأكثرِ تأسيسا – فكان أنْ  حُفظت الدروسُ بالطريقة الصعبةِ.[xxxv] بين هذه الجبهات كانت جبهةُ خوسيه ليوناردو شيرينو جبهةً مركزيةً يقودُها دوغلَس برافو في ولايةِ فالكون التي ينتمي لها في شمال غرب فنزولا، وقد أُسميت باسمِ قائدٍ محليٍّ من أصلٍ أفريقيٍّ كان في القرن الثامنَ عشرَ قاد تمرُّداً للعبيدِ في سلسلةِ الجبالِ ذاتِها التي منحت لاحقاً ملاذاً للمغاويرِ (راجع الفصل السادس).[xxxvi] أما الجبهةُ الثانيةُ، التي قيل إنها كانت أهمَّ بسببِ الدعمِ الجماهيريِّ غيرِ المسبوقِ الذي تمتعت به، فكانت جبهةَ بوليفار (أو المُحرِّر) في ولايةِ لارا، التي عُزِّزت تحت قيادةِ أرجِميرو غابالدون، الذي كان ابنَ الجنرال خوسيه رافائيل غابالدون، وهو حاكمٌ سابقٌ لولايةِ لارا كان قد تمرّد على الدكتاتور خوان فيسِنتِه غوميس سنة 1929 وقام بإنشاء جيشٍ من الفلاحين المحليين. بنى غابالدون الأصغرُ جبهتَه على الرمادِ الذي لا يزال دافئاً للتمرُّدِ المحليِّ ذي النفوذِ الشيوعيِّ سنة 1960.[xxxvii]وستشهدُ هذه الجبهةُ الواقعةُ بين منطقتي تْروجِلُّو وبورْتوغْويسا الجبليتين والتي هي موطنُ بلداتِ هوموكارْتو ألتو وهوموكارو باخو الشيوعيةِ أوّلَ معركةٍ خطيرةٍ في نيسان 1962.[xxxviii]

بينما صنّفَ لوبِن بِتْكُف لاحقاً تفاؤلَ المغاويرِ المُبكِّرَ بأنه ضربٌ من تفاؤلِ “المغامرين”، لم تكنْ فكرةُ المغامرةِ بحدِّ ذاتِها هي التي أفشلت المتمردين، بل الشكلُ الذي اتخذته هذه المغامرةُ عموما: أعني نظريةَ البؤرةِ الطليعية، الاعتقادَ بأن بؤرةً معزولةً، متحركةً، صغيرةً يمكنُها أنْ تخلقَ بسرعةٍ الظروفَ اللازمةَ للثورة. في منتصفِ عام 1962، عقبَ أوّلِ موجةِ هزائمَ وفرارٍ، عقدت جبهةُ شيرينو المُتضائلةُ أولَ مؤتمرٍ غِواريّ لها. كانت النشوةُ الابتدائيةُ قد تطايرت، وفي وسطِ التضاريسِ الصعبةِ لتلك الجبال – فقد كانت الجغرافيةُ قاسيةً والفلاحون عنيدين – بدا المثالُ الكوبيُّ بعيداً، وبدأ المغاويرُ في جردِ أخطائهم. في الكلماتِ التاليةِ يصف برافو واقعيةَ المؤتمرِ: “كان الأساسُ في إبعادِ فكرةِ الفوريةِ جانباً، والقيامِ بعمل مُتروٍّ كبيرٍ، وتحاشي القتالِ غيرِ الضروري.” لكنّ الأمرَ بدا للآخرين المفتونين من بعيد بفكرةِ النصرِ السريعِ ضرباً من الانسحاب: “في كاراكاس، كانت الأوساطُ الثوريةُ تسخرُ منا. ولأننا لم نكن نحاربُ، كانوا يُطلقون علينا الفكاهات بأننا محضُ كشافة.”[xxxix]

 


[1] مُسلسل أمريكي إجرامي متلفز عنوانه (Miami Vice) استغرق عرضه من سنة 1984 حتى سنة 1989. [المترجم]

[2] إشارة رمزية لفقدان الصبر ممثلةً بالعقدة التي لم يستطع الإسكندر الأكبر (في القرن الرابع ق.م.) حلها بيده، فقطعها بسيفه، وانطبقت عليه رؤيا الكهنةِ أن من يفك تلك العقدة سيحكم آسيا. كانت تلك العقدة من آثار ملوك فْريجْيا في بلدة غورديوم في آسيا الصغرى، التي كانت تابعةً للإمبراطورية الفارسية، ونُسجت حولَها تكهناتُ الكهنة. [المترجم]

[3] لنظرية البؤرة الطليعية، راجع الحاشية “د” من المقدمة. [المترجم]


[i] Fabricio Ojeda, “Carta de Renuncia de Fabricio Ojeda,” June 30, available from the Centro de Documentacion de los Movimiento Armados: http://www.cedema.org.

[ii] لم يكن أوخيدا الجذريَّ الوحيدَ الذي قال إن أسطورةَ 23 دي إنيرو قد أخفت ضدَّها. فقد استخدم ألفريدو مانيرو عبارة 23 دي إنيرو كمجازٍ لإخلاء المحتوى الجذريَّ للكفاح

Notas Negativas (Caracas: Ediciones Venezuela 83, 1971), 63-65, 101.

[iii] Ojeda, Op.Cit..

[iv] Leslie Bethell, ed., The Cambridge History of Latin America, Vol. VIII: 1930 to the Present (Cambridge: Cambridge Univeresity Press, 1991), 754.

لم يكن حزبِ الوحدةِ الديمقراطيِّ الجمهوريِّ شريكا مساوياً قطُّ في هذا الترتيب، وقد تنازل حزبُ العملِ الديمقراطيّ للحزبِ المسيحيِّ الديمقراطيِّ عن هيمنته لسلطةٍ من هذين الحزبين في سبعينات القرن العشرين فقط.

[v] مقابلة مع دوغلَس برافو، 23-24 أيار 2008.

[vi] Richard Gott, Guerrilla Movement in Latin America (Garden City, NY: Doubleday, 1971), 176.

[vii] الحقيقة أن بيتنكورت كان ترتيبه الرابع في كاراكاس (Bethell, Cambridge History of Latin America, 754). وحسب كلارا نيتو، كان لاراسابال رئيس الدولة الوحيد في أمريكا اللاتينية الذي دعم المتمردين الكوبيين صراحةً. (Masters of War [Boston: Seven Stories Press, 2003], 41-42).)

[viii] يؤكد مانيرو على أن أول انتقاد لبيتنكورت – أعمال شغب شهر كانون الأول – لم يأت من الطليعة اليسارية، بل من حركة جماهيرية عفوية. لكن هذا “الكشف المسرحيّ” عن القدرة الشعبية لم تُدركه الأحزاب السياسية، التي بقيت متخلفة ولم تفلح في تحويل علاقتها نحو الجماهير (Notas Negativas, 71).

[ix] خطاب فدل كاسترو في جامعة هافانا، 31 آذار 1967، في (Gott, Op. Cit., 163-4). كذلك ورد ذكره في:

Regis Debray, “Problems of Revolutionary Strategy in Latin America” (1965), in Strategy for Revolution (Middlesex: Penguin, 1973), 161-2.

[x] في فعله هذا، أصبح بيتنكورت أيضاً أحد “أشهر حفاري القبور” في الديمقراطية التمثيلية. راجع:

Manuel Cabieses Donoso, Venzuela, Okey! (Santiago: Ediciones del Litoral, 1963), 68-69.

يقدم دونوسو قائمة كاملة لضحايا بيتنكورت بين سنتي 1959 و1963 (269-76).

[xi] مقابلة مع دوغلَس برافو في (Sucesos, Dec. 1966)، حسب ما ورد في (Gott, Op. Cit. 167). راجع أيضاً (Manero, Notas Nigativas, 57).

[xii] لعل هذه العبارة الأخيرة هي الأكثر سماعاً بالنسبة لرائد “الديمقراطية” الفنزولية هذا. كذلك يُنقل كثيراً عن بيتنكورت في الإعلام تبجحُه في نادي الصحافة الوطني في واشنطن العاصمة أنه “لا ينقل المعتقلين المكبلين،” أي أنه يفضل إعدامهم فورا.

[xiii] Gott, Op. Cit. 170-175.

[xiv] Ibid., 170.

[xv] المصدر نفسه، 168. راجع أيضا: (“Venezuela: Plagued by Castro,” Time, 19 Sep 1960.). وحسب لويجي فالساليس، كان هذا العنصرُ العالمي، لا القمعُ الحكومي، هو الحاسمَ وقد جعل النزاع “غير قابل للارتداد.”

Valsalice, Guerilla y Politica: Curso de accion en Venezuela (1962-1969) (Buenos Aires: Editorial Pleamar, 1975), 17-18.

وحول هذه العملية بأكملها، راجع أيضاً (Donoso, Venzuela, Okey!, 176-78.).

[xvi] Gott, Op. Cit. 170.

[xvii] Moisés Moleiro, El MIR de Venzuela (Havana: Guiras, 1967), 154-5.

يرى هذا الرأيَ دوغلَس برافو (في مقابلتي وفي Sucesos)؛ وفابريسيو أوخيدا (في Gott)؛ وكابيسس دونوسو، الذي يلاحظ أن المنظمات الشعبية كانت “مهتمة ومهاجَمة” قبل اللجوء إلى الدفاع عن النفس (Venzuela, Okey!, 165): وألفريدو مانيرو، الذي يقول إن العنف لم يخدم الثوار وإنه “جاء من الجانب الآخر” (Notas Negativas, 58). يضيف رفائيل أُزكاتِغوي “الطفولة اليسارية”، من دون إنكار القمع. (مقابلة في 26-27 نيسان 2008)، ويتكلم فالساليس عن “التصميمية” التي منعت الجذريين من إدامةِ التكتيكاتِ المضاعفة في وجه القمع (Guerilla y Politica, 3-4).

[xviii] يوثق بيدرو بابلو لِناريس هذه الاحتلالات في:

Pedro Pablo Linarez, Lucha Armanda en Vebezuela (Caracas: Universidad Bolivariana, 2006), 30-31.

وحول إغلاق الصحف، راجع: (Donoso, Venzuela, Okey!, 143-145).

[xix] Moleiro, El MIR de Venzuela, 155-56.

[xx] يقول برافو إن الحكومة وضعت خطة أسمتها خطة ماكواري لتحطيم عناصر العصيان المدني في العاصمة، غير أن عددا من هؤلاء القادة اجتمعوا سرا قبل تطبيق الخطة مع برافو لتمرير رسالة إلى قيادة الحزب الشيوعي الفنزولي؛ فأخبر اللجنة المركزية قائلاً، “في الرابعة ب.ظ.، سنسيطر على الحكومة، لأنهم لن يهاجموا العصيان بل سيأخذون بيتنكورت وحكومته رهائن.” يلاحظ غُت بذكاء أن تصميم الحزب الشيوعي، ولو كان غير عقلاني، كان يأمل في أن يضغط على حكومة بيتنكورت. ففي حزيران 1960، مثلا، أعلن الحزب تضامنه مع بيتنكورت عقب محاولة اغتيال، فارتد الأمر على وجوههم. (Gott, Gorilla Movement in Latin America, 174-5).

[xxi] مقابلة مع جيسس جِمِنيس، 4 أيار 2008.

[xxii] Valsalice, Guerilla y Politica, 39nn15-15

[xxiii] المصدر نفسه، 24-27. حول التمرد العسكري، راجع مثلا:

Asdrubal J. Duarte Parejo, El Carupanazo, (Caracas: Ministerio deCommunicacion e Informacion, 2005); Ali Brett Martinez, El Partinazo: Historia de una Rbelion (Caracas: Andaro, 1973).

[xxiv] تيودورو بتكف يؤيد زعم برافو بأن هذه التمردات جاءت متأخرة جدا.

Norman Gall, “Teodoro Petkoff: The Crisis of the Professional Revolutionary. Part I: Years of Insurrection,” Jan 1972, http://www.narmangall.com/venezuela_art4.htm

[xxv] Donoso, Venzuela, Okey!, 172-3.

في مرسوم آخر في اليوم نفسه، شكل بيتنكورت محاكم عسكرية لـ”المتطرفين”. والإجراءان كلاهما غير دستوريين وساخران لأن بيتنكورت سابقاً كان قد هاجم الاستبداد حين استخدم الإجراءات عينها بالضبط.

[xxvi] مقابلة مع جبهة بائيس، 4 أيار 2008.

[xxvii] مقابلة مع ألبيرتو ملر روجاس، 4 أيار 2008.

[xxviii] بكلمات تيودورو بتكف اللاحقة، “كانت الديمقراطية في فنزولا لعبة جديدة أُخرجت حديثا من الصندوق ولا تزال غير مكسورة في عيون الجماهير.” في:

Norman Gall, 1973, “Teodoro Petkoff: The Crisis of the Professional Revolutionary. Part II: A Mew Party” (January), http://www.narmangall.com/venezuela_art4_2.htm

[xxix] مقابلة مع إليو، 17 أيار 2008.

[xxx] Valsalice, Guerilla y Politica, 20-23.

[xxxi]Gott, Op. Cit., 176.

[xxxii] انتشر هذا التهديد مع اكتشاف معسكر توريميكير في أوائل عام 1962، متزامناً مع اعتقالات جماعيةٍ في المدن (Valsalicee, 39n17). ويعزو ليناريس معسكر توريميكير إلى مديرية ثورية فنزولية قليل ذكرها ولم تعمَّر طويلا، هي DIREVE. (Lucha Armada, 25-26, 38-39).

[xxxiii] Linarez, Lucha Armada, 45-46

[xxxiv] Donoso, Venzuela, Okey!, 221-24

[xxxv] يلاحظ فالساليس أن أهم جبهة في هذا الوقت تضاءلت إلى زهاء سبعة أعضاء (Guerilla y Politica, 21).

[xxxvi] م.ن.، 101-5.

[xxxvii] راجع (Linarez, Lucha Armada, 15). يلاحظ كذلك الدعم الأفريقي المحلي لجبهة شيرينو في فالكون؛ (Valsalice, Guerilla y Politica, 106-109)؛ مقابلة مع خوسيه لويس إسكوبار، 4 أيار 2008.

[xxxviii] راجع (Valsalice, Guerilla y Politica, 108). شهدت هذه المنطقة النصر الشيوعي الوحيد في انتخابات 1958 (106). في بورْتوغْويسا في الجنوب، شُكلت جبهة صغيرة بقيادة خوان فيسنتِه كابيساس – اسمه الحركي القائد “بابلو” – انضمت لاحقاً إلى جبهة بائيس (قادها لاحقا فابريسيو أوخيدا) (109-10). ما كانت تستحق الملاحظة جبهة إسيكويل سامورا، في جبال باشيلار بالقرب من كاراكاس، التي كانت تقودها بشكل كبير الحركةُ اليِسارية الثورية، لكنها كانت “ملاذا أكثر منها كيانا عسكريا” (111). والقول نفسه قد يكون وصفا دقيقاً للجبهات الشرقية الأخرى، وهي أيضا بقيادة الحركة اليِسارية الثورية بشكل كبير (باستثناء ما كان لاحقا تحت مانيرو)، مع أنه أعيد تنشيط بعض الجبهات الشرقية مع انسحاب الحزب الشيوعي وتهافت الجبهات الغربية (113-114).

[xxxix] Alfredo Pena, Conversaciones con Douglas Bravo, (Caracas: Ateneo: Ateneo, 1978), 89.

يوجز فالساليس هذا الأمر بأنه انزياح نحو الماويةِ من غير الظروف الموضوعية. (Guerilla y Politica, 53).

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة “كنعان” الإلكترونية أو محرريها ولا موقع “كنعان” أو محرريه.