■ “كنعان” تتابع نشر على حلقات كتاب ” نحن صنعنا تشافيز: تاريخ شعبي للثورة الفنزويلية”

حكايةُ قوتين مسلحتين

إذا كان التشاؤمُ المُطلَقُ قد قاد هؤلاء المغاويرَ الشبابَ إلى هزائمَ سريعةٍ، فقد أثبتت العلاقاتُ مع الجيشِ أنها عائق آخرُ مُربك. لكنّ النظرياتِ المستوردةَ – من كوبا أو من غيرها – لم تُثبتْ جدواها في أيٍّ من الحالين. ذلك أنّ مثلَ هذه النظرياتِ، في نهايةِ المَطافِ، قد مالت إلى إقحامِ تعارضٍ بين المغِوارِ العسكريِّ الأمريكيِّ اللاتينيِّ والمتمرِّدِ الثوريّ: فالأولُ رجعيٌّ، نظيفٌ أنيقٌ، منضبطٌ انضباطاً صارما، والأخيرُ مُلتحٍ (على سنةِ الملتحين الكوبيين)، ذو تفكيرٍ حرٍّ، متمرِّد. لكن هذه الصورةَ الساخرةَ لم تكنْ لتُناسبَ السياقَ الفنزوليِّ قط؛ فإذا أخذنا في الاعتبارِ دورَ الجيشِ المهمَّ والمُعقَّدَ في الثورةِ البوليفاريةِ، فمن الجوهريِّ أن نتمسّكَ بهذه المسألة. يردُّ الكثيرون جذورَ خصوصيةِ القواتِ المُسلَّحةِ الفنزوليةِ إلى تكوينِ سلطةِ الدولةِ (حيث أن سلطةَ الأقليةِ الحاكمةِ، على غير الحال في كولُمبيا، كانت محدودةً أكثرَ)، أو إلى تكوينِ الجيشِ (الذي، على غير حال منطقةِ “المخروط الجنوبي”، لم يكن من النخبةِ تماماً، كما أنه، على غير حالِ دولٍ مثل بوليفيا، لم يكن ذا نزعةٍ عرقيةٍ صارمة)، أو إلى تجربةِ الحروبِ التحريريةِ والاتحادية. غير أنه، بالنسبةِ إلى دوغلَس برافو، ثمةَ مرجعيةٌ تاريخيةٌ أكثرُ قرباً، يُسميها “تْريخِسْمو”، نسبةً إلى هوغو تْريخو، المقدَّمِ التقدميِّ الذي قاد تمرداً خائباً ضدَّ مارْكُس بيريس جِمِنيس في كانون الثاني 1958. تشيرُ عبارةُ “تْريخِسْمو” إلى تيارٍ ديمقراطيٍّ تقدميٍّ داخلَ القواتِ المُسلَّحةِ الفنزوليةِ، سيتحوَّلُ شقٌ كبيرٌ منه ضدَّ بيتَنكورْت في بضعِ سنينَ قصارٍ من انتخابِه.[i] وبالنسبةِ إلى برافو، كان العجزُ في إدراكِ أهميةِ هذا التيارِ في الجيشِ أحدَ أشدِّ أخطاءِ المغاويرِ خطورةً، لأنه هدد بتركِ الجيشِ في أيدي القطاعاتِ المُحافظةِ التقليدية.[ii]

كان الاعترافُ بهذا الاستياءِ الممكنِ في صفوفِ الجيشِ ذا أثرٍ كبيرٍ في تأسيسِ القواتِ المُسلَّحةِ للتحريرِ الوطنيِّ عام 1963 كقاعدةٍ عريضةٍ لتوحيدِ جبهاتِ الغِوارِ المُختلفة. في أعقابِ التمرُّدَيْنِ الفاشلَيْن في كاروبانو وبْويرتو كابِلّو وخروجِ الضباطِ اليِساريين كرهاً من القواتِ المُسلَّحةِِ إلى صفوفِ المغاويرِ، لم يكن هناك أيُّ كمٍّ من الأحقادِ على المغاويرِ العسكريين يستطيعُ الحيلولةَ دون اعترافِ الثوارِ بجذريتِهم الممكنةِ، ولم يكن الرئيسُ الاسميُّ للقواتِ المُسلَّحةِ للتحريرِ الوطنيِّ سوى النقيبِ مانوِل بونتي رُدْريغِس، أحدِ قادةِ التمرُّدِ في بْويرتو كابِلّو. بل إن وثيقةَ تأسيس القواتِ المُسلَّحةِ للتحريرِ الوطنيِّ تضمّنت نداءً مباشراً “لإنقاذِ القواتِ المُسلَّحةِ”، كما لم يكن هيكلُ القواتِ المُسلَّحةِ للتحريرِ الوطنيِّ وحدَه الذي شكّلته الطبيعةُ الخاصةُ للجيشِ الفنزوليِّ، بل إجراءاتُ عملِها أيضاً: كانت سياسةُ القواتِ المُسلَّحةِ للتحريرِ الوطنيِّ ألا تُورِّطَ القواتِ المُسلَّحةَ في القتالِ ما أمكن الأمرُ، كما أن ميثاقَ الشرفِ لدى القواتِ المُسلَّحةِ للتحريرِ الوطنيِّ يلتزمُ بـ”احترامِ” أرواحِ الجنود.[iii] كانت ثمةَ أسبابٌ استراتيجيةٌ وراءَ هذا، وإنّ جبهةَ التحريرِ الوطنيةَ، التي هي نظيرُ القواتِ المُسلَّحةِ للتحريرِ الوطنيِّ، قد سعت بنشاطٍ إلى “تسهيلِ تحويلِ الحلفاءِ والمقاتلين الجُددِ من الجبهةِ المُعاديةِ”، فاتحةً المجالَ لـ”كلِّ ضابطٍ أمينٍ، وطنيٍّ، قوميٍّ، ديمقراطيٍّ، ثوريٍّ” لتطهيرِ نفسِه “أمام عيونِ التاريخ.”[iv]

كان النقيبُ إلياس مانْوِت، وهو ضابطٌ عسكريٌّ شابٌّ مركزُه في تاشيرا بالقربِ من الحدودِ مع كولُمبيا، مثلاً مرموقاً وقتَ هبَّةِ كاروبانو. حين سمع مانْوِت بالانتفاضةِ، تركَ وظيفتَه وذهب إلى مقرِّ الحزبِ الشيوعيِّ حاملاً رشّاشين وطالبَ بالانضمامِ إلى قواتِ المغاوير.[v] أيَّدَ هذا الولاءَ لمُثُلِ القواتِ المُسلَّحةِ التقليديةِ توليو مارتِنيس، وهو ملازمٌ سابقٌ في الجيشِ ترك وظيفتَه بعد تمرُّدِ سنة 1962، ليصبحَ لاحقاً مساعداً لبرافو في فالْكون، مُصرًّا على القول، “أنا لم أفرَّ من العسكريةِ، لم أخنْ أحداً، بل بقيتُ ضابطاً، ولسوف أبقى. لقد تركتُ جيشاً استعراضياً إلى جيشٍ مُقاتل.”[vi] كانت خاصّيةُ جيشِ المغاويرِ الفنزوليِّ هذه تحديداً هي التي انتُهكت في أحدِ أخطاءِ الكفاحِ المُسلَّحِ المُبكِّرةِ الخطيرةِ جداً. ففي 29 أيلول 1963، قبل شهرين فقط من الانتخاباتِ الرئاسيةِ، في عمليتين أُطلقَ عليهما اسما القائدين الشيوعيين أُولغا لُزاردو وإتالو سارْدي، هوجم قطارُ رحلاتٍ يوميةٍ من لوس تيكِس إلى إل إنكانتو، جنوبيَّ كاراكاس. وحين انقشعَ الضبابُ، كان أربعةٌ من الحرسِ الوطنيِّ قد قُتلوا، فاستغلّت حكومةُ بيتَنْكورْت هذا الهجومَ إلى أقصاه كي تقوِّضَ مزاعمَ الكفاحِ الغِواريِّ الأخلاقية. وحتى هذا اليومِ، يَعُدُّ الكثيرون تيودورو بِتْكُف (وهو الآن من معارضي تشافيز) القائدَ المسؤولَ، بالرغمِ من إنكاره الأمر.[vii]

هذا الموقفُ من الجيش، بالنسبةِ إلى دوغْلَس برافو، “إنما هو أحدُ خصوصياتِ الثورةِ الفنزوليةِ،” فهو يفسِّرُ الميلَ إلى عملِ مدنيٍّ-عسكريٍّ مشتركٍ من النوعِ الذي قام به تشافيزُ والآخرون (بمباركةٍ من برافو نفسِه).[viii] لكنه ليس من غير تناقضاتٍ فيه، وهو ما سيُظهرُه الزمنُ بطرقٍ مُختلفةٍ. وبشكلٍ أكثرَ أساسيّةً، من شأنِ هذه “الخصوصيةِ” أن تُثيرَ توتُّراً داخلَ الكفاحِ المُسلَّحِ بين المغاويرِ ومن يُمكنُ أن يُعَدُّوا “انقلابيين،” أي أولئك الذين كانوا يرون أنّ الكفاحَ يؤدي إلى عمل داخلَ الجيش، فهو انقلابٌ لا تحويلٌ وتبديلٌ كاملان في القواتِ المسلحةِ من أسفل.[ix] وإذ ظهرَ هذا الجدلُ عند التحضيرِ لانقلابِ تشافيز سنة 1992، فقد أسهمَ في المدى القصيرِ في تذبذبِ الحزبِ الشيوعيَّ الفنزوليِّ بين شكلين من الطليعيَّةِ، ساعياً إلى تغييرٍ ثوريٍّ إما من البؤرة الطليعية أو من المعسكراتِ، ولكنْ ليس، في الحقيقةِ، من الجماهيرِ الشعبية.

“أغنيةُ البجعةِ” للقوات المُسلَّحة للتحرير الوطنيّ ([1])

بالرغم من وجودِ شكٍّ واسعِ النطاقِ حولَ التأثيرِ المُمكنِ لعملِ المغاويرِ في المدنِ، حظيتْ وحداتُ المغاويرِ المدنيةُ بنجاحٍ مُبكِّرٍ بينما قُضيَ على نظيراتِها في الأرياف. كانت المُعادلةُ المدنيةُ لـ”البؤرةِ” الغِواريةِ تُسمَّى الوحدةَ القتاليةَ التكتيكيةَ، وهي فصائلُ صغيرةٌ من خمسةِ مُقاتلين إلى ستة. وكانت هذه الوحداتُ القتاليةُ التكتيكيةُ نشطةً قبل عام 1959 – بل إن بعضَها كان يُذكي نارَ الاستياءِ المدنيِّ من انتخابِ بيتَنْكورْت – لكنّ علاقتَها الإستراتيجيةَ بمغاويرِ الريفِ لم تكن صلبةً قطّ.[x] لقد كانت تكتيكاتُها إبداعيةً؛ ففي ما بين عامي 1961 و1963، قامت باختطافِ نجومِ كرةِ القدمِ، وسرقةِ الرسوماتِ الانطباعيةِ الفرنسيةِ، واختطافِ الطائرات لإسقاطِ الدعايات، واحتلالِ البعثةِ العسكريةِ الأمريكية. كذلك جمعت ما بين العمليةِ الفدائيةِ والتكتيكاتِ الجماهيريةِ في الأحياءِ الفقيرةِ، مثل إذكاءِ معاركِ الشوارعِ مع الشرطة.[xi] وقد تضمّنَ بعضُها سياسةً تقولُ “اقتل شرطياً واحداً كلَّ يوم”، وهو ما انتُقِدَ لاحقاً بأنه كان ذا نتيجةٍ عكسية، سياسياً، وقد زُعمَ بأنها سياسةٌ استمرَّت 500 يوم.[xii]

لكنْ، بالرغمِ من أهميةِ الكفاحِ المدنيِّ ونجاحِه، خسر الكفاحُ الغِواريُّ الفنزوليُّ المعركةَ الفاصلةَ في المدنِ، وفي كاراكاس خاصة. ففي الأول من كانونَ الأولِ 1963، بعد شهرين فقط من الهياجِ الشعبيِّ الذي حيَّى هجومَ إل إنكانتو، جرت الانتخاباتُ الرئاسية. وبغباءٍ بالغٍ دعت قواتُ المغاويرِ إلى إضرابٍ عامٍّ قبل عشَرةِ أيامٍ فقط من الانتخاباتِ هيَّأ المسرحَ، بالرغم من نجاحِه التكتيكيِّ، لهزيمةٍ إستراتيجيةٍ وصفَها تيودورو بِتْكُف بأنها “أغنيةُ البجعةِ للقواتِ المُسلَّحةِ للتحريرِ الوطنيِّ”.[xiii] قال، “أعلنّا عن إضرابٍ للحيلولةِ دون الانتخاباتِ العامّةِ، وكنّا قادرين على شلِّ المدينةِ. وقد شللنا المدينةَ بطريقةٍ فجَّةٍ، بالرصاص. في ذلك اليومِ لم يتحرَّكْ أحدٌ في كاراكاس…. وقد قال أحدُ السياسيين اليِساريين إنّ الانتخاباتِ قد خُرِّبت، لكنّ التي خُرِّبت حقيقةً هي القواتُ المُسلَّحةُ للتحريرِ الوطنيِّ. لم يبقَ لدينا ذخيرةٌ ليومِ الانتخابِ، لذلك لم نستطع إيفاءَ وعدِنا بإيقافِ الانتخابات.”[xiv]

بالرغمِ من هذه السياسةِ الغِواريةِ في “الامتناعِ القتاليِّ”، مضت الانتخاباتُ الحاسمةُ قُدُما حسبَ المُخطَّطِ – لانتخابِ خليفةِ بيتَنكورْت وتعزيزِ نظامِ الديمقراطيةِ التمثيلية. أما النتيجةُ بالنسبةِ إلى الكفاحِ المُسلَّحِ، فلم يكن ممكناً أنْ تكونَ أسوأ مما كانت: لم يقتصرْ الأمرُ على أن يؤمَّ 90 في المائة من جمهور الناخبين صناديقَ الاقتراعِ، بل فاز فيها أيضاً رؤول ليوني، من المدرسةِ القديمةِ في حزبِ العملِ الديمقراطيِّ، وهو من طراز بيتَنْكورْت. وهكذا مرةً أخرى، بُدِّدَ وضعٌ ثوريٌّ، فأنفقَ المغاويرُ المدنيون ونظراؤهم في الريف السنواتِ من 1964 إلى 1967 يبحثون عن “مسارٍ جديدٍ”.[xv]

كان هذا المسارُ بعيداً عن الهدوء، لأن ليوني سعى إلى “تدجين” الكفاحِ الغواريِّ بالعصا والجزرةِ معا. وحسب برافو، كان تفضيلُ ليوني للجزرةِ يُمثِّلُ موقفَ الأقليةِ في حزبِ العملِ الديمقراطيِّ والقواتِ المُسلَّحةِ، وكدليلٍ على ذلك يذكرُ عنفَ الهجومِ الحكوميِّ المتزامنِ، الذي كان يُمثِّلُ “عملياً حالةً استثنائيةً” وتضمّنَ عددا مهما من الإعداماتِ العاجلة.[xvi] وبالرغمِ من مظهرِ ليوني اللطيفِ المغايرِ جداً لسلوكِ  بيتَنكورْت الصارم، يتَّفقُ الكثيرون على أن سنواتِ الكفاحِ المُسلَّحِ الأخيرةَ قد قُمعت بطريقةٍ فاقت عنفَ بيتَنْكورْت نفسِه.[xvii] فقد أُنشئت “مسارحُ” عملٍ جديدةٌ ضمّت ما أَطلقَ عليه الكثيرون اسمَ “معسكرات التعذيب،” كما أُعيدَ فتحُ المعسكراتِ الاستعماريةِ في سان كارلُس وحُوِّلت إلى سجنٍ لحبسِ المُعتقلين السياسيين. أحدُ “مسارحِ العملِ” هذه أُقيم في إل توكويو في ولايةِ لارا عام 1964، وهناك تحديداً سُجنَ كلُّ من تكلّمتُ معهم تقريباً من مغاويرِ جبهةِ بائيس وعُذِّبوا بإشرافِ رجلٍ أمريكيٍّ غيرِ معروفٍ كان ينبحُ أوامرَه باللغةِ الإنكليزية.[xviii] بعضُهم كُوِيَ بمكواةٍ حاميةٍ، وبعضُهم بثومٍ نيّئٍ، وآخرون غُطوا بالبراز، بينما أُعدمت الأغلبيةُ ببساطةٍ أو ألقيَ بهم أحياءَ من المروحياتِ ليلاقوا حتفَهم.

مغاويرُ من غير شيوعيين

بقيت غامضةً ومُثارَ جدلٍ دروسُ حالاتِ الإخفاقِ المبكرةِ هذه لدى المغاويرِ، كما اتسعَ الانشقاقُ الذي فصمَ الحزبَ [الشيوعيَّ] عن القواتِ المُسلَّحةِ للتحريرِ الوطنيِّ. تفاقمَ التوتُّرُ في معركةِ انشقاقٍ مفتوحةٍ في المؤتمرِ السابعِ للحزبِ في نيسان 1964، حيث أنّ بعضَهم مثل غيليرمو غارسيا بونسي وتيودورو بِتْكُف، رغمَ دعمِهما الكبيرِ للكفاحِ المُسلَّحِ، تزايد ارتيابُهم من قيادةِ القواتِ المُسلَّحةِ للتحريرِ الوطنيِّ.[xix] فبالنسبةِ إلى بِتْكُف، كانت هيمنةُ القواتِ المُسلَّحةِ للتحريرِ الوطنيِّ على حساب الحزبِ الشيوعيِّ الفنزوليِّ: “في نهايةِ المَطافِ، لا يجوزُ لقضيةٍ ثوريةٍ أن تُقادَ كالجيش. لقد ولّدت عسكرةُ المنظمةِ الثوريةِ سخطاً لاعتباراتٍ سياسية.”[xx] لكن الحزبَ الشيوعيَّ الفنزوليَّ كانت صلتُه بالجماهيرِ أضعفَ من أن تمنحَه احتكاراً في السياسة، بل بات الأمرُ أقلَّ من ذلك حين اعتُقلت بالتدريجِ قيادةُ الحزبِ. منذ سنة 1964، بدأ دومنغو ألبيرتو رانغل من الحركةِ اليِساريةِ الثوريةِ يُعلن معارضتَه للكفاحِ المُسلَّحِ، على أساسِ تزايدِ التمدينِ في البلادِ والحاجةِ إلى قاعدةٍ جماهيريةٍ، ولهذا شهّرَ به الحزبُ الشيوعيُّ والمتشدِّدون من حزبِه واصمين إياه بالخيانة.[xxi] غير أنّه بعد ذلك بسنتين، تزايد الشكُّ في مستقبلِ الكفاحِ المُسلَّحِ لدى بِتْكُف وقياديين آخرين مُهمِّين في الحزبِ الشيوعيِّ ممن فترت هممُهم في سان كارلوس، فلم يوافقوا على كيفيةِ تنفيذِ استراتيجيةِ الانسحاب فقط. أما الاستجابةُ من الجبالِ فكانت واضحة: إن قيادةَ الحزبِ الشيوعيِّ الفنزوليِّ بعيدةٌ كلياً عن الكفاحِ اليوميِّ الذي يقومُ به المُقاتلون المغاوير، وكلا الطرفين يتزايدُ ابتعادُه عن الجماهير.

مع قرارِ الانسحابِ، لم يعدْ يُحتمَل دوغْلَس برافو المُنشقُّ أكثرَ من ذلك. لقد تعرَّضَ للتأديبِ أوّلاً لمناقضتِه خطَّ الحزبِ علناً وانحيازِه لكاسترو بدعمِه استمرارَ الكفاحِ؛ وإذ لم يكنْ طردُه من الحزبِ رسمياً إلا سنةَ 1966، إلا أنه، حسب ما قال لي ضاحكاً، “كان باستطاعتِهم طردي من الحزبِ أبكرَ من ذلك لو استطاعوا.”[xxii] في اجتماعٍ عقدَه مع كثيرين من أولئك القادة الذين شاركوه في آرائه، خطا برافو الخطوةَ الحاسمةَ في تأسيسِ حزبِ الثورة الفنزوليةِ في 23 نيسان 1966. كان بين الحضورِ كلٌّ من أوخيدا، ومانْوِت، وفرانسِسْكو “إل فلاكو” بْرادا.[xxiii] وقد قال لي أحدُ أعضاءِ حزبِ الثورةِ الفنزوليةِ الأوائلُ عن الحزبِ الشيوعيِّ، “لقد تخلَّوْا عنا،” مؤكِّداً على حقيقةِ أنه بينما تُفضِّلُ الأغلبيةُ الواضحةُ لدى محاربي القواتِ المُسلَّحةِ للتحريرِ الوطنيِّ استمرارَ الكفاحِ المُسلَّحِ، فإنّ انسحابَ الحزبِ الفوريَّ تركهم من غير موارد.[xxiv] أخذتْ قواتُ برافو معها جبهةَ شيرينو في فالكون كليًّا، وكذلك عدداً من المحاربين الأفرادِ في الدولةِ كلِّها، وجميعَ جهازِ المغاوير المدنيين التابعِ للحزبِ الشيوعيِّ الفنزوليِّ. لكنّ ولادةَ حزبِ الثورةِ الفنزوليةِ قد وُسِمَ بخسارة فوريةٍ تقريبا: فبعد ذلك بأقلَّ من شهرٍ، ألقت المُخابراتُ القبضَ على أوخيدا وعذّبته وقتلته مُدعيةً أنه انتحرَ شنقاً. كانت هذه ضربةً خطيرةً للحركةِ، التي لم تكنْ بعدُ متماسكة: يتذكَّرُ برافو قائلا، “كان فابْريسيو الشخصيةَ السياسيةَ الرئيسيةَ في الحركةِ الغِواريةِ، والقائدَ الأشهرَ لدى الرأيِ العامِّ. لقد أدَّى موتُه إلى تدهورٍ عظيمٍ فينا. لقد بدأ التساقط.”[xxv]

وليس التساقطُ وحدَه ما حدث؛ فقد عانى حزبُ الثورةِ الفنزوليةِ من انقساماتٍ فوريةٍ بين الأُطُرِ التي أُرسلت إلى كوبا للتدريب، فشكَّل أحدُ القطاعاتِ “حركةَ الإنقاذِ الوطنيِّ”، كما شكَّلت مجموعةٌ أخرى غدت مُحبَطةً من حركةِ الكفاحِ البطيئةِ ما أسمته “النقطةَ صفر”، نسبةً إلى اسمِ معسكرِ تدريبِها في كوبا.[xxvi] وبالرغم من بعضِ النجاحاتِ الرمزيةِ، بما فيها قدومُ مجموعةٍ من المقاتلين العالميين تحت قيادةِ لوبِن بِتْكُف في كانونَ الأولِ 1966، باتَ الكفاحُ المُسلَّحُ في فنزولا في حالِ هبوطٍ لا رادَّ له. في هذه الأوقاتِ اليائسةِ نُسيت الدروسُ السالفةُ، ويعترفُ برافو بأنّ حزبَ الثورةِ الفنزوليةِ وقعَ ثانيةً في “نظريةِ البؤرةِ” الطليعيةِ المعزولةِ التي هجرَها أعضاؤه ظاهريًّا لسنين خلت.[xxvii] وقد استمرَّت الحركةُ اليِساريةُ الثوريةُ في نشاطِها في الجزء الشرقيِّ من البلاد، ناقلةً أُطرَها من جبهةِ إسِكْيِل سامورا في المنطقةِ المركزيةِ في إل باشيلِّير (التي أعادَ بناءها أميرِكو مارتن في أواخر عام 1966) إلى جبهةِ سوكْر إلى الشرقِ زهاءَ عام 1968.[xxviii] لكنّ معظمَ قادةِ المغاويرِ المتبقين وافقوا تدريجياً على خطة “السلام”، آخذين معهم آخرَ آمالِ الاستمرارِ في الكفاحِ المُسلَّح.

“نحنُ ايضاً خاطرنا بأرواحِنا”

كمثلِ النساءِ الكثيراتِ الأُخرياتِ في عصرِها، كان لنورا كاستَنْييدا أن تُعَدَّ مُبكِّرةً في نُضجِها حسبَ كلِّ المقاييس. حين كانت تلميذةً في المرحلةِ الثانويةِ وهي في الرابعةَ عشرةَ من عمرِها، ووسطَ مُعارضةٍ متناميةٍ لنظامِ حكمِ بيتَنْكورْت الذي ازدادَ تعسّفاً، انخرطت في صفوفِ الحركةِ اليِساريةِ الثوريةِ التي تشكّلت حديثاً مُنشقَّةً عن حزبِ العملِ الديمقراطيِّ عام 1960. حتى في مقاييسِ هذا الحزبِ الشبابيِّ، كانت كاستَنْييدا صغيرةَ السن، لكنْ، في سياقِ الجوارِ الثوريِّ لـ23 دي إنيرو، كانت الجذريةُ بعضاً من إرثٍ جينيٍّ، وخلالَ سنتين قصيرتين أصبحت مشارِكةً فعالةً في أنشطةِ الحزبِ السرية. واضحٌ من مكانِ اجتماعِنا أن الأمورَ تغيَّرت: فهأنذا أُقابلُ كاستَنْييدا في مكتبِها في “بانْموجِر”، بنك التطويرِ النسائي، وهو مؤسسةٌ ترعاها الحكومةُ وتتولى كاستَنْييدا رئاستَها. سردت دورَها في الكفاحِ المُسلَّحِ أولاً كما هو آت:

“نظّمت نساءُ منظمتِنا ’اللجنةَ الوطنيةَ لنساءِ الحركةِ اليِساريةِ الثوريةِ‘، وكان دورُنا أساسياً: أولا، رعايةُ الرفاقِ المعتقلين، ليس مادياً حسبُ، بل سياسياً أيضاً… وكان علينا أيضاً أن نهتمَّ بأُسرِهم، اقتصادياً بشكل خاصٍّ، وأن ندعمَ الرفاقَ المتوجهين إلى الغِوارِ الريفيِّ الذين يحتاجون إلى مناصرةٍ ودعمٍ. فكما ترى، كانت حقوقُ النساءِ غائبةً كليًّا، لكننا لم نكن نحاربُ لأجل حقوقِ النساءِ الإنسانيةِ، بل دعماً لجميعِ الحركاتِ المُناضلةِ لأجل تحويلِ المُجتمع، التي كانت في تلك المرحلةِ تمرُّ من خلالِ الكفاحِ الغِواريِّ المدنيِّ والريفيّ.”[xxix]

وهكذا، بينما شاركت الكثرةُ من النساءِ في الحربِ الغِواريةِ مباشرةً، كان دورُ نورا ضمنَ الحركةِ اليِساريةِ الثوريةِ دوراً داعما. كانت تُدركُ ما يستلزمُه هذا الدورُ من توتُّرٍ، لكنها لا تعنيه كنقدٍ غيرِ مؤهَّل: ففي حقبةِ الحربِ الغِواريةِ، اختارت هي وعددٌ من النساءِ الثورياتِ الأخرياتِ اختياراً واعياً أن يضعن التحوَّلَ المجتمعيَّ الأعرض في المقامِ الأوّلِ.

أما ليديس نافاس، التي تعملُ الآن أيضاً في “بانْموجِر”، فتُجسِّدُ مشاركةَ النساءِ المباشرةَ في الكفاحِ المُسلَّحِ بطريقةٍ حادّةٍ، وقد قدّمت لذلك الكفاحِ أكثرَ من أكثرِهم. بدأت نافاس مقاتلةً شابّةً في الحركةِ اليِساريةِ الثوريةِ عامَ 1966، لاحقةً بأخوتِها إلى الكفاحِ المُسلَّحِ، وقد استمرَّت في القتالِ أطولَ مدةً من الأكثرية: فالتحقت بـ”بانديرا روجا” الوليدةِ حين تقسَّمت الحركةُ اليِساريةُ الثوريةُ عام 1969، وبقيت في الكفاحِ المُسلَّحِ حتى ثمانيناتِ القرنِ العشرين.[xxx] وفي سياقِ القمعِ الحكوميِّ العارمِ، فرَّ إلى المنفَى زوجُها خوليو سيزَر غُسْمَن، الذي التقت به في الخنادقِ عامَ 1966، فكان أن وهبَ روحَه للكفاحِ في السلفادور. تتذكَّرُ نافاس قائلةً، “سقط زوجي مُقاتلاً في سان فيسِنْت، في صفوفِ حزبِ التحريرِ الوطنيِّ (السلفادور) في 29 كانون الأول 1981.” أما نافاس نفسُها، فقد غادرت فنزولا سنة 1986 فقط، وبقيت خارجَ البلاد عقداً من الزمنِ تقريباً، عاملةً في كوبا، ونيكاراغوا، والسلفادور، حاملةً مُثُلَ العالميةِ البرولِتاريةِ والكفاحِ ضدَّ اللبراليةِ الجديدة.

تتذكّرُ نافاس أن زوجَها لم يكنْ الوحيدَ الذي فقد حياتَه في سبيلِ التضامنِ العالميِّ: “لاحقاً، بدأ ولداي يتعلمان، يُطوران إحساسَهما الإنسانيَّ، تضامنَهما مع الفقراء…. وقد قاد هذا أحدَ ولديَّ، خوليو سيزَر غُسْمَن [نافاس]، إلى أن يُقرِّرَ الانضمامَ إلى كفاحِ الشعب السلفادوريِّ. وفي مرحلةٍ ما، حين نزلَ [من الجبالِ] إلى المدينةِ، احتجزه الجيشُ في سانتا كلارا وأعدمَه في 30 تشرين الأول 1991. عُدتُ بعد اتفاقاتِ السلامِ لأرى أين قُتل.”[xxxi] لم يكن سنُّ غُسْمَن نافاس سوى عشرين عاما. وإذ شاهدتْ نافاسُ مشاركةَ آلافِ النساءِ في الكفاحِ السلفادوريِّ، فإنها تُصرُّ على أن النساءَ قد شاركنَ كلياً بل أظهرنَ مقدرةً على المقاومةِ أعظمَ من الرجال. إنها تروي أحداثاً أُجبرَت فيها النساءُ على مشاهدةِ أولادِهنَّ بصمتٍ من أماكنِ اختباءٍ تحت الأرضِ وهم يُعدَمون. وتصرُّ نافاس قائلةً، “إنه لأمرٌ بليغٌ أنْ تُضطرَّ إلى إغلاقِ فمِكَ كيلا تُكتَشَفَ، إنها تجربةٌ مؤلمةٌ أشدَّ الألمِ لأيِّ أُمّ.” أن يتولَّى النساءُ والرجالُ المسؤولياتِ ذاتَها بالضبطِ “لا يعني ذلك غيابَ الرجولةِ…. أُكرِّرُ ذلك بالنسبةِ إلى المُشاركةِ في الكفاحِ، كانت النساءُ يتساوين في القيمةِ مع الرجل،” كان في عمليةِ الكفاحِ عينِه، بحرارةِ بوتقتِه، أن أصبحت العلاقاتُ الجنسويةُ طيِّعةً وأظهرت أشدَّ تحولاتِها جذريّةً.[xxxii]

بينما عملت كاستَنْييدا واللجنةُ الوطنيةُ لنساءِ الحركةِ اليِساريةِ الثوريةِ على دعمِ القضايا النسائيةِ بشكلٍ أكثرَ مُباشَرَةً، تُصرُّ نافاس على أن كفاحَهما لم يكن سوى كفاحٍ واحد. ففي نهايةِ المَطافِ قد يُعتقلُ المرءُ في هذا السياقِ، وقد يُعذَّبُ ويُقتَلُ بسببِ تقديمِ الدعمِ بالسهولةِ ذاتِها بسببِ حملِه البندقية. هذه العاطفةُ تُردِّدُها كلُّ مجموعاتِ المغاويرِ (الرجال) الذين قابلتُهم من جبهةِ بائيس، الذين امتدحوا بحماسٍ ومن دون تلقينٍ، النساءَ اللواتي شاركنَ بشكلٍ مُباشرٍ أو غيرِ مُباشرٍ، مؤكدين على سياجِ الصمتِ العفويِّ الذي يرفعُه الكثيرون في وجهِ قواتِ النظامِ كي يحموا أحبّاءهم. لقد قادت مظاهرُ القوةِ الصامتةِ هذه الكثيرين إلى أن يُدركوا أنّه يوجدُ “هنا شعبٌ صلبٌ داعمٌ للثورة.”[xxxiii] إنّ إهمالَ مشاركةِ النساءِ في الكفاحِ الغِواريِّ إهمالٌ لمزاعمِ التضامنِ الحقيقيةِ والمُثُلِ التي قادت نساءً مثل ليديس نافاس إلى أن يُعرِّضنَ أرواحَهنّ ويُضحِّينَ بأُسَرِهنّ على مذبحِ العالميةِ البرولِتاريةِ. لكنّ هذا الفصلَ من تاريخِ النساءِ في فنزولا غائبٌ بلا تفسيرٍ من معظمِ رواياتِ الكفاحِ الغِواريِّ والحركةِ النسائيةِ السائدة.[xxxiv]

ثوارٌ من غير جماهير

في معمعةِ توجُّهِ المغاويرِ صوبَ الحربِ الطويلةِ في أواخرِ عام 1963، اخترقَ المُفكِّرُ الفرنسيُّ ريجي دُبْراي الطوقَ العسكريَّ لزيارةِ جبهة شيرينو. وإذ أن كتابَ [دُبْراي]، الثورة داخل الثورة، لم يظهرْ إلا بعد أربع سنواتٍ، يتذكَّرُ بْرافو أنّ المغاويرَ، خلال مناقشةِ الكاتبِ، قد أُطلعوا على المناقشاتِ التي كانت ستؤلِّفُ مادةَ الكتابِ لاحقاً، أعني توكيدَ دُبْراي على الحركةِ، وتمييزِ العسكريةِ على السياسيةِ، ورفضِ القتالِ المدنيّ.[xxxv] بعبارةٍ أخرى، يؤكِّدُ مبدأُ دُبْراي الذي استلهمه من كوبا على العناصرِ عينِها التي أُجبر المغاويرُ الفنزوليون على تركِها عمليا؛ رغم هذا، ما بقي من آثارِ مبدأ الطليعيةِ ومبدأ البؤرة سيصبحُ عقِبَ أخيلَ أيضا لدى الكفاحِ المُسلَّحِ لاحقاً. وفي اعترافٍ جزئيٍّ بهذه الأخطاءِ، يُصرُّ برافو الآن على أن مبدأ البؤرةِ هو انحرافٌ يسلخُ العملَ الطليعيَّ عن كتلةِ الجماهيرِ الشعبية،” ويُعَدُّ فضلاً له أنه أسَّسَ حزبَ الثورةِ الفنزوليةِ في مسعىً منه للتحوُّلِ من الكفاحِ الطليعيِّ إلى الحربِ الشعبية.[xxxvi] أضفْ إلى ذلك أن دُبْراي لم يُمثِّلْ بصدقٍ حتى الموضوعَ الذي استلهمَه: “لقد ظهرت الملحمةُ الثوريةُ الكوبيةُ كأنها رسمٌ ساخرٌ” لأن الجماهيرَ الشعبيةَ كانت منطويةً تحتها بفعاليةٍ ولأن الجبهاتِ المدنيةَ قامت بدورٍ رئيسيّ.[xxxvii] ولعلَّ ما لم يذكرْه برافو أن ذلك كان “انحرافاً” خضعَ له كثيرٌ من المغاويرِ الفنزوليين باستسلامٍ كبير، من خلال نشوةِ الكفاحِ الناشئ (في 1962)، أولاً، ولاحقاً في مسعىً يائسٍ للتشبُّثِ بالهزيمةِ (بعد 1966).[xxxviii] وكما أنّ الويسكي المستورَدَ يُدفئُ البطنَ، فالتفاؤلُ المُخدِّرُ للطليعةِ ذاتِ الهويةِ الذاتيةِ غالباً ما يكونُ الطريقةَ الفُضلى في مقاومةِ الحقيقةِ الباردةِ للهزيمةِ الموضوعية.

بالرغمِ من إصرارِ برافو على القولِ “إننا لم نُشاركْ دبراي في وجهةِ نظرِه قطُّ،” فإن وصفَه لأخطائهم المُبكِّرةِ توحي بشيءٍ مُختلف.[xxxix] أخطرُ هذه الأخطاء، وهو “خطأٌ عامٌّ”، كان قرارَ إرسالِ “بؤرٍ” معزولةٍ إلى الجبالِ بدلَ ربطِ وحداتِ المغاويرِ بفرقِ الكفاحِ الميدانيّةِ الموجودةِ، مثل أكثرَ من 360 “جبهةً لأجلِ الحقِّ في الخبز” التي تشكَّلت بحلولِ عام 1960، والتي استولت على الإقطاعياتِ المحليةِ واحتلت الأراضي و”الحربةُ والبندقيةُ في اليد.” لكنّ المغاويرَ الشبابَ، وقد أعمتهم الطليعيةُ ومبدأُ البؤرةِ، أهملوا فرقَ الكفاحِ الموجودةَ، واختاروا بدلاً منها أن يختلقوا من الهباءِ كفاحَهم الخاصَّ بهم. أما الخطأُ الثاني ذو العلاقةِ بالنسبةِ إلى برافو، فكان مبالغةً آتيةً من السياسة: قال لي، “لا يُمكنُك أنْ تبدأ بعشرِ جبهاتٍ إن لم تكنْ عزّزتَ ولو واحدة.”[xl] كان المفروضُ أن تكونَ استراتيجيةُ الحزبِ الشيوعيِّ الفنزوليِّ – المُسمَّاةُ “نظريةَ خليةِ النحل” – جبهةً واحدةً في ولايةِ لارا، ومن ثَمَّ يَشعُّ منها الكفاحُ إلى الخارج. بيدَ أنه، بسبب الإقليميةِ السياسيةِ، “كان كلُّ واحدٍ يُريد أنْ يصنعَ جهازَه على هواه،” والنتيجةُ تكاثُرُ جبهاتٍ سيئةِ الإعدادِ يقودُها “قادةٌ” ذوو رؤوسٍ عنيدةٍ، مما بذرَ بذورَ انشقاقاتٍ لاحقةٍ كان من شأنِها إعطابُ الكفاحِ الغِواريِّ حتى النهايةِ القُصوى. هناك سياسةٌ أخرى تخلَّوْا عنها كان يُمكنُ أن تَجبُرَ كلا الخطأين سُميت “الـ500″، وهذه تنصحُ بتدريبِ 500 مقاتلٍ حزبيٍّ شابٍّ على الإنتاجِ الزراعيِّ، والإدارةِ، والتنظيمِ النقابيِّ السياسيِّ، ومن ثَمَّ يُوزَّعون على الجبهاتِ الغِواريةِ الريفيةِ لتعزيزِ الروابطِ بين “مبدأ البؤرةِ” والجماهيرِ الريفية. مرةً أُخرَى هُجرت هذه الخطةُ ببضعِ عشراتٍ فقط من الـ500 المدرَّبين.

        لكنَّ هذا لا يعني القولَ إن الكفاحَ الغِواريَّ الفنزوليَّ لم يكن قطُّ يحظَى بدعمِ الجماهير. ففي السنواتِ الأولى، كانت جبهةُ بولِفار بقيادةِ أرجِميرو غابالدون تحظَى بدعمٍ كبيرٍ من الفلاحين المحليين – وهو دعمٌ موروثٌ في جزءٍ منه من غابالدون الكبير – لكنّ موتَ أرجِميرو العارضَ عام 1963 أدَّى لعدةِ أسبابٍ إلى انهيار الجبهة.[xli] وإلى الشرقِ الأبعدِ، انشغل المغاويرُ بقيادةِ الحركةِ اليِساريةِ الثوريةِ في اختباراتٍ تجديديةٍ ابتعدت كثيراً عن التقاليدِ الطليعيةِ، وبطرقٍ عديدةٍ مهَّدت السبيلَ إلى الحركاتِ المعاصرة. لقد كان كارلُس بيتَنْكورْت بالنسبةِ إلى الكفاحِ الغِواريِّ في شرقيِّ فنزولا ما كان عليه دوغْلَس برافو في الغرب: كان بيتَنْكورْت، باسمِه الحركيِّ “جيرونيمو”، قائداً ذا سلطةٍ لا تُناقَش. لكنني اليومَ قابلتُه في مكتبٍ صغيرٍ في الطبقةِ الأرضيةِ في الجامعةِ البولِفاريةِ التي أُسِّست حديثاً، حيث وُقِّعَ معه عقدٌ لتدريسِ حلقاتٍ تعليميةٍ عن الثقافةِ العقائدية. وبالرغمِ من أنه كان يقودُ مئاتٍ من المقاتلين الأصلابِ ذاتَ يومٍ، فهو رجلٌ متواضعٌ في مظهرِه ومسلكِه على السواءِ، خاصّةً بالمقارنةِ مع برافو؛ وحين دخلنا المكتبَ أخذ يحومُ فيه ليُحضِّرَ لي القهوة.[xlii]وبالرغم من جذورِ بيتَنْكورْت السياسيةِ في الحركةِ اليِساريةِ الثوريةِ، التي كان أحدَ أعضائها المؤسسين، فقد خدمَ عدةَ سنواتٍ تحت قيادةِ غابالدون في الغربِ قبل تأسيسِ جبهةِ سوكْر في أربعِ ولاياتٍ شرقية. وأعضاءُ الحركةِ اليِساريةِ الثوريةِ في الشرقِ كانوا سريعين في انتقادِهم التشدُّدَ التقليديَّ في نظريةِ البؤرةِ، وقد شرعوا يجرّبون بدلاً منها الوسائلَ الجماهيريةَ في حربِ الغِوار.[xliii]

        ابتدعَ بيتَنكورْت شكلاً جمعيا للكفاحِ، نابذاً فكرةَ الطوابيرِ، مُفضِّلاً عليها المفارزَ الأصغرَ والأكثرَ حركةً. أمسكَ هذا القائدُ العجوزُ بقصاصةِ ورقٍ ليرسمَ عليها بنيةَ جبهةِ سوكْر: كانت المفرزةُ الرئيسيةُ – التي سُمِّيت باسم فابْريسيو أوخيدا، المُتوفَّى حديثاً – وحدةً متحرِّكةً هجوميةً تُشبهُ كثيراً تلك العاملةَ في الغرب، لكنها تعملُ بتوافقٍ حميمٍ مع مفرزتَيْ خوان شاكُن لانْزا (“خوانشو”) وغاتيكو أحْمَداراي، اللتين كانتا أكثرَ ثباتاً جغرافيا. كانت هاتان المفرزتان الأخيرتان هما اللتين شكَّلتا أخطرَ انسلاخٍ عن نظريةِ البؤرةِ لدى جبهةِ سوكْر، فلم تخدما كقاعدتي حراسةٍ خلفيةٍ حسبُ، بل، بشكلٍ أكثرَ أهميةً، كمجالين لعملٍ جماهيريٍّ خطيرٍ، بما فيه المدارسُ الثقافية، وبرامجُ محوِ الأميةِ، والتطويرُ الاقتصاديُّ المحليُّ الذي يشملُ دعمَ الفلاحين، وتشكيلَ المقاتلين المحليين. وحسب بيتَنْكورْت، أتاحَ هذان المجالان للمغاويرِ الاستفادةَ سياسياً من الكَرِّ العسكريّ. أضفْ إلى ذلك أن مناطقَ القاعدةِ المحليةِ، إذ كانت قيادةُ مفرزةِ أوخيدا ثابتةً، أتاحت للمحاربين اختيارَ قيادتِهم، التي حُمِّلت عندئذٍ المسؤوليةَ أمامَ المؤتمراتِ الشعبيةِ (وقد انطبقَ هذا حتى على بيتَنْكورْت نفسِه)، بل إنها سعت لمحاربةِ التفرقةِ الجنسيةِ داخلَ الوحداتِ المُسلَّحةِ (كانت ليديس نافاس مشاركةً أساسيةً في هذا الكفاح). هذا التجريبُ في الكفاحِ المؤسَّسِ على الجماهيرِ والديمقراطيةُ الشعبيةُ التنبؤيةُ أثبتا أهميتَهما على مرِّ السنينَ والعقود. لكنْ، حتى مع الدعمِ الذي تمتَّع به المغاويرُ في الشرقِ، لم يكنْ هذا الكفاحُ قابلاً للإسنادِ أمامَ الانفضاضِ الجماهيريِّ وتشريعِ العصا والجزرةِ والقمعِ الحكوميِّ، فتعرضت الحركةُ اليِساريةُ الثوريةُ لعددٍ من الانشقاقاتِ في وقتٍ مبكِّرٍ من سبعيناتِ القرنِ العشرين (راجع الفصلَ الثاني).

        ما هي الدروسُ المُستفادةُ من فشلِ الكفاحِ الغِواريِّ الفنزوليّ، إذن؟ يبدو أن ثمةَ عدداً من التفسيراتِ يساوي عددَ المغاوير، وكلٌّ منها يبدو منحازا. لم يكنْ الأمرُ، ببساطةٍ، ذا علاقةٍ برومَنسيةِ المغاويرِ ونزعةِ المغامرةِ لديهم، وقد تخلَّوا سريعاً عن توقعاتِهم المُبكِّرةِ للنصرِ السريعِ وأخذوا يبنون جهازاً للكفاحِ الدائم. كما أنّ الأمرَ لم يكنْ، ببساطةٍ، ذا علاقةٍ بوضعِهم البرجوازيِّ الصغيرِ أو الطلابيِّ، وهو ما عزاه البعضُ لتلك الرومَنسية.[xliv] فإن كان هذا وصفاً صحيحاً للكثرةِ من مقاتلي الحركةِ اليِساريةِ الثوريةِ، فهو لا ينطبقُ على الكثيرين من ثوريي الطبقةِ العاملةِ الذين ألقَوْا بثقلِهم وراءَ هذه القضية، كمغاوير الحزبِ الشيوعيِّ الفنزوليِّ الذين تكلمتُ معهم في بورْتوغْويسا. من هؤلاء، مثلاً، غُنزاليتو، الذي كان ماسحَ أحذيةٍ، وسكيرا، وبائعاً متجولاً في الشوارعِ، وفي وقتٍ لاحق فقط أصبحَ شيوعياً “من غير أن يقرأ كتابَ رأس المال“، مُصرًّا على أنّ “الشوارعَ هي الكتابُ الأفضل”. لكنْ، حتى هؤلاء لم يستطيعوا إنكارَ أثرِ تدفقِ الطلابِ، وقد كانوا يُنكِّتون معي حول اضطرارِهم إلى القولِ للمقاتلين الطموحين من جامعةِ فنزولا المركزيةِ، “هذه الحافلةُ الصاعدةُ إلى الجبل ممتلئة، فانتظرْ الحافلةَ التالية.”[xlv]

لم يكنْ الأمرُ ببساطةٍ سوءَ تقديرٍ بالنسبةِ إلى شعبيةِ الديمقراطيةِ أو إلى دورِ الجيشِ التقليديّ. ولم يكن ببساطةٍ توكيداً وُضعَ في غير موضعِه على ريفٍ أُخليَ من السكان.[xlvi]ولم يكن ببساطةٍ استيرادَ أشكالٍ أجنبيةٍ للثورةِ، وهو ما لا يُفسِّرُ المصيرَ المشابهَ للنقائضِ المستوردةِ: نظريةُ البؤرةِ الكوبية، أولا، ثم بعد ذلك الحربُ الطويلةُ المستوحاةُ من الصين.[xlvii] كما أنه، كما قال برافو، لم يكن ببساطةٍ “سياسةَ الاستسلامِ” لدى الحزبِ الشيوعيَّ الفنزوليَّ؛ فعند تلك المرحلةِ كان الكفاحُ قد هُزمَ منذ مدةٍ طويلة. لم يكن الأمرُ ببساطةٍ أياً من هذه العناصرِ التي أفشلت الكفاحَ، مع هذا كان كلَّها معا، أو ربما كان ذلك العنصرَ الذي جمعها كلَّها معا: أعني الطليعيةَ، أي الافتراضَ بأنّ قيادةً متنورةً ما كان عليها سوى أن تفتحَ الطريقَ فيتبعَها الناسُ، والافتراضَ بأنه إن لم تدعم الجماهيرُ الكفاحَ فالجماهيرُ هي الخاسرة. لقد كانت الطليعيةُ هي التي قادت التلاميذَ الشبابَ الرومَنْسيين في الحركةِ اليِساريةِ الثوريةِ إلى الاعتقادِ بأنّ باستطاعتِهم قيادةَ ثورةٍ وبأنّ الجماهيرَ سوف تحتشدُ لدعمِهم. لقد كانت الطليعيةُ هي التي بنت الجسورَ بين مختلفِ أنواعِ هذا التطرفِ، مثل تذبذبِ الحزبِ الشيوعيِّ الفنزوليِّ من دعمِ البؤرِ الريفيةِ الصغيرةِ إلى الضربةِ العسكريةِ المفاجئةِ والجدلِ الداخليِّ عنده حول القيادةِ العسكريةِ مقابلَ السياسية، وهما ما يبدوان حدّين متطرفين متناقضين شاركا في إهمالِ العملِ الجماهيريّ. وفوق كلِّ هذا، كان الأمرُ مزاجاً طليعياً أملَى بأنّ في الإمكانِ ببساطةٍ اختيارَ بعضِ النظرياتِ الأجنبيةِ وتطبيقَها، بغضِّ النظرِ عن السياقِ، أكان جغرافياً أم بشريا. حتى نظريةُ البؤرةِ، لم تكن سوى تنويعٍ متطرِّفٍ على هذه الطليعيةِ نفسِها، تنويعٍ نأى بنفسِه عمداً عن الشعبِ، وبحسبِها كان غيابُ الدعمِ الجماهيريِّ للمغاويرِ الفنزوليين قد “تحوّل إلى فضيلةٍ” بطريقةٍ كيميائية.[xlviii]

أيُّ مقاتلٍ غِواري تقريباً سيقولُ لك إن الهزيمةَ لم تكنْ عسكرية: بل كانت سياسية. ومن السخريةِ أنه بالرغمِ من أنّ الكثرةَ من الرومنسيين الشبابِ سيكونون أولّ من يرتدُّ عن الكفاحِ المُسلِّحِ، فإن هذه الأُطرَ التي عارضت قرارَ حملِ السلاحِ تميلُ إلى الاحتفاء به. وبالرجوعِ إلى جبهةِ بائيس، قيلَ لي إنّ الكفاحَ المُسلَّحَ كان “تجربةً بطوليةً جميلةً، لمست شغافَ القلب” بالرغم من عدم فعاليتِها في الاستيلاءِ على السلطة. وإذ كنا نتناقشُ، قاطعَنا مقاتلٌ شابٌّ من الحزبِ الشيوعيِّ الفنزوليِّ كي يمتدحَ رفاقَه الثوارَ الأكبرَ سنا، مُصرًّا على أنّ جهودَهم قد فتحت ثغرةً أثبتت، مع الزمن، أنها حاسمةٌ بالرغمِ من فشلِها. إنّ فكرةَ إيجادِ نصرٍ بين طياتِ الفشلِ هذه هي التي تحملُ أفضلَ وصفٍ لإرثِ الكفاحِ الغِواريِّ لأنها تُعبِّرُ عن التفاؤلِ غيرِ المحدودِ لدى أولئك الذين يتقمَّصون ذلك الإرث. لقد كان الكفاحُ المُسلَّحُ مثلَ مدرسةٍ للقتال يستطيع المحاربون الشبابُ أن يقلعوا أسنانَهم فيها استعداداً لكفاحٍ أطولَ يختزنُه التاريخ. لكنّ كلَّ درسٍ جديدٍ كان، مثلَ بومةِ مِنيرفا،([2]) يصلُ متأخراً جداً فلا يُستفادُ منه. وبإعادةِ صياغةِ ما قاله هيغل، كانت هذه الصورةُ المظلمةُ واضحةً جداً للمغاويرِ المكافحين، لكنّ دروسَها وصلتْ متأخرةً جداً فلا سبيلَ لاستعادةِ حيويةِ كفاحٍ فقدَ عنفوانَه. وهكذا، في نهايةِ عقدٍ طويلٍ من ستيناتِ القرنِ العشرين، كانت الحركةُ الغِواريةُ مُقسَّمةً كليًّا ومعزولةً عن أيِّ دعمٍ جماهيريٍّ جادٍّ، وقد واجهت دولةً قمعيةً كانت تتمتّعُ بمستوىً متزايدٍ من الشرعية. وبينما تنوعت استراتيجياتُ مجابهةِ هذا الوضعِ في العقدِ التالي، فقد سعت كلَُّها إلى تصحيحِ ما كان أُدركَ أنّه الخطيئةُ الأصليةُ للمغاويرِ الفنزوليين: غيابُ الدعمِ الجماهيريِّ، الذي هو في حدِّ ذاتِه نتيجةٌ للطليعية. وكما سوف نرى، لم يكنْ إدراكُ هذه الأخطاءِ متأخراً جداً في وصولِه حسبُ، بل إنّ بعضَ الأخطاءِ دامَ وتكرَّرَ في العقودِ التي تلت.


[1] “أغنية البجعة” تعبير مجازي يعني الحركة الأخيرة قبل الموت. وقد جاء هذا التعبير من اعتقاد خاطئ أُخذ من بعض الأساطير اليونانية القديمة التي تقول إن البجعة التي تصمت طوال حياتها تغني قبل موتها أغنية أخيرة لتموت بعدها. وبالرغم من خطأ هذا الاعتقاد، فإن الخيال الشعري رآها أكثر جاذبيةً من الحقيقة العلمية، فاستخدمها كثيرٌ من الشعراء وكتاب المسرح، ومنهم شكسبير في تاجر البندقية عام 1596، حين قال على لسان بورسيا: “دع الموسيقى تصدح بينما يُتمُّ اختياره؛ فإن خسر بعد ذلك، فليأتِ بنهاية كنهاية البجعة، متلاشياً في الموسيقى.” [المترجم]

[2] “بومة منيرفا” في الأساطير الرومانية، أو “بومة أثينا” في الأساطير الإغريقية، إشارةٌ مجازيةٌ إلى الحكمةِ التي تأتي دائماً متأخرة. في هذا يقول الفيلسوف الألماني ج.و.ف. هيغل (1770-1831)، “إن بومةَ منيرفا تبسط جناحيها عند هبوط الظلام فقط”، والفلسفة تأتي لفهم حالةٍ تاريخيةٍ بعد رحيلِها. فالكاتب هنا يعني التأخرَ في فهم الحقائق. [المترجم]


[i] مقابلة لها مع برافو في (Sucsesos). في أعقاب انقلاب 2002 على تشافيز، حللت مارتا هارْنِكَر هذه النزعةَ:

Marta Harnecker, Venezuela: Militares Junto al Pueblo, (Barcelona, Spain: El Viejo Topo, 2003). See also: Guerilla y Politica, 28-29.

[ii] Peña, Op. Cit., 42-45.

[iii] Donoso, Op. Cit., 278; Gott, Op. Cit., 199.

[iv] Donoso, Op. Cit., 306-7.

[v] Gall, Teodoro Petkoff I.

حتى أن مانوِت، لاحقا، مضى قُدُما فوجّه رسالةً إلى “الإخوة الأبديين” من القوات المسلحة التقليدية، يحثهم على القدوم إلى الجانب الصحيح للكفاح. (Donoso, Venzuela, Okey!, 229-30).

[vi] مقابلة لدبراي “تقرير من مغاوير فنزولا،” 128-29.

[vii] Enrique Rondon Nieto, 2002. “Asalto al tren de Rl Encanto,” Ultimas Noticias, 22 Sep., 20.

راجع أيضاً:

Luis Bonilla-Molina and Haiman El Troudi, Historia de la Revolucion Bolivariana: Pequena Cronica, 1948-2004. (Caracas: Universidad Bolivariana, 2004), 44; and Valsalice, Guerilla y Politica, 36; Linarez, Lucha Armanda, 69-70.

[viii] Gott, Op. Cit., 202.

[ix] Valsalice, Op. Cit., 28-30.

[x] لا يعني هذا أن الحزب الشيوعي الفنزوليّ كانت لديه سياسة تأييد للكفاح الريفي. فحسب بعض المشاركين، مثل دوغلَس برافو، كانت سياسة الحزب الشيوعي عموما تؤيد الانقلاب العسكري وسعى بشكل انتهازي إلى الشرعية على حساب المقاتلين المدنيين والريفيين كليهما.

[xi] Gall, Teodoro Petkoff I.

[xii] John Gerassi. 1967. “Latin America – the Next Vietnam,” Viet Report, January-February.

[xiii] Gall, Teodoro Petkoff I.

في مقابلة مع “Sucesos“، أيد دوغلَس برافو هذا التقييم،  كما فعل فالساليس في ” Valsalice, Guerilla y Politica, 37″.

[xiv] Gall, Teodoro Petkoff I.

يقول بتكُف في مقابلة ثانية، “لعل أعظم أخطائنا في هذه الفترة كانت في محاولتنا إيقاف الانتخابات بدل المشاركة فيها.” (Gall, Teodoro Petkoff II.).

[xv] Valsalice, Op. Cit., 49.

[xvi] Peña, Op. Cit., 109.

[xvii] يقول فالساليس إنه بسبب استفادة بيتنكورت سياسيا من وجود المغاوير، لم يبذل جهدا جادا لاقتلاعهم. (Guerilla y Politica, 8IN3).

[xviii] م.ن. 110. وضع كابيسس دونوسو قائمة بطرق التعذيب السائدة وكشف عن وجود منظمات إرهابية مرتبطة ببيتنكورت (Venzuela, Okey! 202-6).

[xix] Peña, Op. Cit., 116-17..

[xx] Gall, Teodoro Petkoff I.

[xxi] Valsalice, Op. Cit., 59.

[xxii] في الواقع، يلاحظ فالساليس أن وحشية هجوم برافو غير المتوقع (وغير المنضبط) على الحرس القديم جعل الكثيرين من المعتدلين يعارضونه. (Guerilla y Politica, 67).

[xxiii] Peña, Op. Cit., 128.

[xxiv] مقابلة مع إليو، 17 أيار 2008.

[xxv] Peña, Op. Cit., 122.

[xxvi] بالنسبة إلى فالساليس، كان هذا الانشقاق نتيجة متوقعة لـ”تهافت” الحكم الذاتي الغِواري بحيث يعني حتى استقلالية المفارز عن قادتها الاسميين، مما أدى إلى ظهور عدد من الإقطاعيات الصغيرة (Guerilla y Politica, 54). راجع، (Peña, Conversaciones con Douglas Bravo, 131). مقابلة مع إليو، العضو في بُنتو سيرو. وحول حركةَ الإنقاذِ الوطنيِّ، راجع (Linarez, Lucha Armanda, 147-54, 170)؛ وحول بُنتو سيرو، راجع 152-53، 168-71.

[xxvii] Peña, Op. Cit., 128.

[xxviii] Valsalice, Op. Cit., 112; Linarez, Op. Cit., 164.

[xxix] مقابلة مع نورا كاستانييدا، 2 أيار 2008.

[xxx] مقابلة مع ليديس نافاس، 23 أيار 2008

[xxxi] Lidice Navas, 2005. “En esta lucha no hay fronteras….,” Sevicio Informativo Ecumenico y popular, April 6, http://ecumenico.org/leer.php/320#.

تقول نافاس، “لا توجد حدود في هذا الكفاح … فكفاح الشعوب الأخرى هو كفاحنا أيضا.”

[xxxii] هنا تُردد نافاس أفكار فرانز فانون الثاقبة، الذي بيّن أكثر من أي شيء آخر التحول الجذري للهياكل الاجتماعية في العمليات الثورية.

A Dying Colonialism, trans. H. Chevalier (New York: Grove Press, 1965).

[xxxiii] بالمقارنة، ينتقد هؤلاء المغاوير إحدى روايات الكفاح الغواري الوحيدة التي كتبتها امرأة، هي أنجِلا زاغو، بسبب اللهجة النابذة في العنوان، في كتابها شبه الخيالي:

Angela Zago, Aqui No Ha Pasado Nada, (Caracas: Sintesis Dosmil, 1972).

[xxxiv] تتركز رواية إليزابث فريدْمن حول الحركة النسائية، مثلا، على السياسة التقليدية والحركات الاجتماعية التي تعمل في أطراف هذه السياسة (من غير ملاحظة أصل تلك الحركات)، وهي تكرس أقلّ من صفحة واحدة للمشاركة الأنثوية في الكفاح الغواري:

Elizabeth Freedman, Unfinished Transitions: Women and the Gendered Development of Democracy in Venezuela, 1936-1996. (University Park: Penn State University Press, 2000), 128-29.

المطلوب في الوقت الحاضر هو رواية كاملة مكرسة للمشاركة النسائية في الكفاح المسلح الفنزولي من النوع الذي يتعدى نطاق هذا الكتاب. ولمثلٍ ممتاز محدود بفترة مبكرة (لكنه يتضمن بعض من اشتركن لاحقاً في الكفاح الغواري)، راجع:

Fania Petzoldt and Jacinta Bevilacqua, eds., Nostras tambien nos jugamos la vida [نحن أيضا خاطرنا بأرواحنا]: testimonios de la mujer venezuelana en la lucha clandistina, 1948-1958(Caracas: Editorial Ateneo de Caracas, 1979).

مثل هذه الرواية تبدأ بليفيا غوفرنير، إحدى منظِّمات فرق الصدمة في الحزب الشيوعي الفنزولي، التي قتلتها حكومة بيتنكورت في تشرين الثاني 1961، والتي أُخذ بثأرها سريعا. راجع: (Linarez, Lucha Armanda, 33-36).

[xxxv] Régis Debray, Revolution in the Revolution, (New York: Monthly Review Press, 1967).

وصف مارتن غلابرمن وصفاً جيدا تقدمَ دبراي بين عامي 1965 و1967، اللذين في مجراهما “غدت نظرية البؤرة بداية الحكمة الثورية ونهايتَها، ووحدةً مستقلة بذاتها، غيرَ مسؤولة أمام شيء أو أحد.”

Martin Glaberman, “Régis Debray, “Revolution Without a Revolution,” Speak Out, April 1968

[xxxvi] أورده فابريسيو أوخيدا في:

Hacia el poder revolucionario (1967), http://www.cedema.org/ver.php?id=2209.

[xxxvii] PeñaOp. Cit., 120.

هذه اللغة نفسها استخدمها كل من رفائيل أُسكاتِغوي وجوفِنال. أما فالساليس، فيصف أطروحة دبراي بأنها “عقائدية جامدة” ويوافق على أنه بحلول سنة 1968 انتقد أشدُّ أنصار الكفاح المسلح الفنزولي جذرية “الأسطورة” التي رعاها دبراي كليا. (Guerilla y Politic, 12).

[xxxviii] Peña, Op. Cit., 128.

[xxxix] نفس المصدر، 129.

[xl] انتقد دبراي نفسه هذا الأمر:

“Castroism: The Long March in Latin America,” Strategy for Revolution, (Middelsex: Penguin, 1973), 29-99.

[xli] Linarez, Op. Cit., 97.

[xlii] مقابلة مع كارلُس بيتنكورت، 23 أيار 2008.

[xliii] يقول لِناريس إن ألفريدو مانيرو من الحزب الشيوعي الفنزولي، الذي انشق جذريا عن الطليعية قبل تأسيس (La Causa R)، كان في الواقع أكثر دعاة الطليعية بين القادة الشرقيين (Lucha Armada, 92). وقد شكل بيتنكورت لفترة وجيزة جزءاً من لجنة التكامل الثوري عام 1969، مع برافو وآخرين. (Guerilla y Politic, 97n181).

[xliv] خاصة مقابلة كارلُس لانز، 26 أيار 2008.

[xlv] يقول فالساليس، إنه حتى محاولاتُ الكفاح المستند إلى الجماهير بعد عام 1964 قد حافظت على التفرقة بين معارك الشوارع والصراع الطبقي، مما يجعلها تستمر في الاعتماد على التلاميذ في فرق الصدمة (Guerilla y Politic, 57).

[xlvi] يقول مانيرو إن المغاوير لم يفهموا في الواقع المناطق الريفية وإنهم وقعوا في اعتقاد ذي نزعةٍ أوربيةٍ مستوحى من دبراي بأن دول العالم الثالث لا يمكنها إلا أن تأتي بتمرد ريفي (Notas Nigativas, 46).

[xlvii] مرةً أخرى، كانت الحركة اليِسارية الثورية الأسوأ فيما يتعلق بمثل هذا التقليد في نسخها حتى أساليب الكوبيين (Guerilla y Politic, 11-12, 21). لكن مانيرو يرى في هذا القول تخلياً سهلا عن المسؤولية (Notas Nigativas, 72).

[xlviii] Maneiro, Notas Nigativas, 75.