مؤتمر يقوده التروتسك في عاصمة المقاومة!

تشابه ثراء التروتسك، والصهاينة وداعش!

عادل سمارة

كلما سمعت شعار أو مؤتمر ضد الإمبريالية عليك ان تتوقع ان ورائه غالبا تروتسكيين حيث احتلوا هذا المصطلح على الرغم من حقيقة أن كثيرا من قياداتهم منخرطة مع المحافظين الجدد، وشاركوا في صياغة  سياسات الولايات المتحدة في تدمير  وتفكيك يوغسلافيا، افغانستان، العراق  ليبيا واليوم سوريا. أضف إلى ذلك ان التروتسك، والمفترض انهم حركة يسارية فقيرة بالضرورة، لكنهم أغنياء. فمثلا، قبيل شبكة الإنترنيت، كانت مطبوعاتهم المكلفة هائلة في كل مكان وحتى في بلد فقير كمصر؟

التروتسك اثرياء في كل اماكن تواجدهم في هذا الكوكب، ويتحالفون مع الإخوان المسلمين في مصر وسوريا وغير مكان ، وفي نفس الوقت زعيقهم الأعلى ضد الرجعية  وحكام الخليج حاضنوا وفراخة الإرهاب ومموليها.

ومن جهة ثانية، فمن الصعب عليك فهم التروتسكية اليوم كيف تتصرف وتفكر  ما لم تاخذ بالاعتبار علاقتها بالصهيونية والمحافظين الجدد. فمعظم التروتسكيين الذين يتعاطون بالشان الفلسطيني والعربي يكرهون العرب والفلسطينيين. ويخبؤون ذلك تحت غطاء بأن ماركس وهم انفسهم ضد القومية باعتبارها شوفينية، بينما ماركس نفسه وفي البيان الشيوعي له موقف معاكس لزعمهم. وأما الحقيقة وراء مواقفهم فهي فقط عشقهم للكيان الصهيوني وخوفهم عليه.

في أعقاب تفكك الاتحاد السوفييتي، فإن كثيرا من الشيوعيين احزابا وأفرادا ، وخاصة أولئك من التيار السوفييتي الرسمي، تحولوا إلى الاشتراكية الديمقراطية أو حتى إلى المساجد بزعم التدين. والكثير من هؤلاء اصبحوا في خدمة الطوائف مثل صادق جلال العظم وفواز طرابلسي وطبعا في خدمة الوهابية السعودية وها هو وأمثاله يركعون للتروتسك في مؤتمرهم في بيروت.

إن التروتسك بما هم أغنياء ويرفضون مختلف التيارات الماركسية الأخرى يتواطئون مع المحافظين الجدد ويقفزون إلى قيادة وحتى جذب المرتدين عن التيار السوفييتي، كما هو المؤتمر الحالي في بيروت، وجميع هؤلاء على انسجام في رفض القومية العربية إما من مدخل صهيوني تروتسكي ضد القومية العربية، أو بسبب فقر نظري في فهم أطروحات ماركس في القومية وهنا أشدد على المرتدين من الخط السوفييتي الرسمي. إن الموقف المتطرف للتيارين هو ضد الفهم العميق للمسألة القومية ، وهو الفقر الذي يُسِّهل لهؤلاء خيانة الأمة العربية.

إنها مفارقة فارقة أن كثيرا من الشيوعيين العرب الذين يُنظِّروا  ويجادلون ضد الأمة العربية والقومية العربية عاجزين عن التفريق بين:

  • إدعاء طبقات الكمبرادور الحاكم بانها قومية، بينما هي في الحقيقة تمثل “القومية الحاكمة” التي هي عمليا ضد مطلق شكل للوحدة العربية وحليفة تابعة للإمبريالية.
  • وبين القومية الحقيقية، القومية الكامنة للطبقات الشعبية العربية التي تعتقد وتؤمن بالوطن، الأمة، الوحدة والاشتراكية حتى لو إيمانا طبيعيا وبوعي مادي أولي.

لقد اعترفت معظم الأحزاب الشيوعية العربية بالكيان الصهيوني على انه أمة يهودية إسرائيلية على الرغم من حقيقة أن هذا الكيان هو تجميع مستوطنين من اكثر من مئة أمة بما يشبه الأمم المتحدة، بينما هذه الأحزاب لم تعترف بأمة عربية. أما التروتسك فاعترافهم بالكيان وتواصلهم معه حميمياً.

وهنا علينا ان نتذكر أن الرجعية العربية اعترفت بالكيان قبل الكيان، وخاصة آل سعود وآل رشيد 1918، ثم الكمبرادور العربي والآن النفطيات.

إن الوقوف ضد العروبة هو جوهريا دعم وانتماء للدولة القٌطرية التي يغطونها اليوم باسم الدولة الوطنية وهو مصطلح بلا معنى فلا توجد دولة وطنية وأخرى خائنة،  لكن هدفه عدم نقد القطرية وطمس وجوب تجاوز القطرية إلى القومية. بل إن هذه الدولة “الوطنية” قد أحلت محل الدولة القومية فقد فتحت الطريق للطائفيات، والقبليات والعشائريات في معظم الدول العربية وهو ما مهد واحتضن قوى الدين السياسي الإرهابية.

 أسمي هذه قوى الدين السياسي لأنها تحتكر الدين كبرنامج لها وتتلاعب بها حتى الدم! وهي التي تحولت إلى الجيش الثالث لأمريكا/لأوباما يقاتل الجمهوريات بل الشعب العربي نيابة عن جيشيها الآخرين، الجيش الأمريكي والجيش الصهيوني. وهذا الجيش الإرهابي حليف بعمق للتروتسك.
بناء على تجربتي وتقديري ونقاشي مع كثير من التروتسكيين واليسار الغربي فإن الكثير من الشيوعيين العرب يتواطؤون تجاه العروبة في تزلف للغربيين كي يحظوا باعتراف الغربي بهم سواء التروتسكي الغربي او التيارات الشيوعية الأخرى.

من اللافت حصول شبه إجماع بين يساريين وماركسيين عربا وغربيين على دعم احتلال امريكا للكويت 1991 واحتلال العراق 2003. لقد قامت مجموعة من الكتاب في لندن بإعداد كتاب عن حرب الخليج 1991 وشاركت فيه بمقالة بعنوان “النظام العالمي الجديد” (ص ص 259-271) اصدرته دار زد بوكس بالإنجليزية، وصفت فيها اليسار الغربي بسبب تاييده للحرب الإمبريالية تلك بأنه مثل إبن السكرتيرة في حياة الساسة البرجوازيين  أي تم إنجابه بالسر، ولكن حين يقع الأب في مأزق يهب لدعم أبيه.

لقد دعم هذا الغزو الإمبريالي كثير من المثقفين اليساريين العرب مع انها حرب لإنقاذ حكم عائلة متخلفة وتابعة، والحقيقة إنها حرب لمصالح الغرب. وتم تكرار نفس التواطؤ من يساريين عربا وغربيين عند تدمير الغرب والإرهابيين ل ليبيا، واليوم لتدمير سوريا واليمن. وفي مختلف هذه الحروب الإجرامية كان التروتسك في مقدمة مؤيديها.
إن أي نقاش موثوق للوضع العربي يجب ان ينطلق من مرتكزين:

·       حق العرب في الوحدة والاشتراكية، وهذا لا تحققه انظمة وقوى الدين السياسي والطوائف والعشائر والقبائل التي يتحالف معها التروتسك.

·       وتحرير فلسطين

إن اي محلل يتغاضى عن هذين المكونين  هو مريض بالصهيونية وبالإمبريالية معا.

إن أوضح مريض بهذا هو المدعو جلبير اشقر (صلاح جابر) تروتسكي لبناني وهو الإسم الأول في قائمة مؤتمر لليسار العربي ينعقد في بيروت 12 من الشهر الجاري.

http://www.orient-institut.org/fileadmin/user_upload/ARAL_Program.pdf

http://www.orient-institut.org/fileadmin/user_upload/ARAL_Program.pdf

آمل ان لا يكون جميع المشاركين من نفس التوجه، هذا رغم ان بينهم نماذج مرتدة مثل د. فواز طرابلسي.

وفي الحقيقة، بل المرة، أن من العيب أن يسار وماركسيين…الخ يحاضرون ويثرثرون ويقترحون مشاريعا وسيناريوهات على سوريا وبقية الوطن بينما الوطن في اشتباك ناري. إنهم حلقات فلاسفة تنتظر أن تستلم السلطة على دماء الفقراء كشريك مضارب، بل كمغتصب للسلطة كما تحلم المعارضة السورية من طراز الإتلاف والتنسيقيات…الخ. لم تكن الشيوعية الحقيقية هكذا انتظارية في الدفىء.

إن أشقر كتلة تعصب، ففي جلسة بيننا في شقته ببباريس 1995 على مدى اثنتي عشرة ساعة طوالها لم يقل بأن الحركة التروتسكية ارتكبت ولو خطئا واحدا تاريخها. وبالمناسبة من يقرأ ما كتبه ريجيس دوبريه عن امريكا الجنوبية (Revolution in the Revolution 1967 by Monthly Review .ثورة في الثورة 1967 إصدار مونثلي ريفيو، وكتابه أستراتيجية للثورة 1970 إصدار بنجوين  Strategy for Revolution by Penguin  سيرى كوارث في طريقة عمل هؤلاء!

مما كتبه أشقر مؤخرا:

” … إن ما يوحد قوى (معارضة القذافي) على تفاوتها هو رفض الديكتاتورية والتوق إلى الديمقراطية وحقوق الإنسان”   (. Achcar, March 19, 2011) كما كتب الكثير مؤيدا لدور تركيا والوهابية والناتو في الحرب على سوريا.   ولا حاجة بالطبع لشرح عن واحة الديمقراطية اليوم في ليبيا.

والموقف نفسه لدى تروتسك آخرون مثل الفلسطيني المفجوع ضد سوريا والعروبة سلامة كيلة الذي يزعم أن في سوريا ثورة بروليتاريا، وفي نفس الوقت يهاجم حكام الخليج أي مجندي وممولي هؤلاء “الثوار” بأنهم رجعيين!

بدوره، فإن التروتسكي محمد جعفر (وهو يكتب بإسم سمير الخليل، وكنعان مكية) كان قد دعى بوش لاحتلال بلده العراق وظهر علانية على الشاشات مع بوش!

ولكن الموقف الكاريكاتوري البغيض هو للاقتصادي الروسي بوريس كاجارلتسكي الذي كتب: “إن الثورة الليبية هي الثورة العربية  الأقرب إلى الثورة البلشفية أو بشكل خاص إلى الثورة الفرنسية”

(By Boris Kagarlitsky, translated from Russian by Renfrey Clarke November 28, 2011 – Links International Journal of Socialist Renewal).

وعلى أية حال، وفي حدود ما أعرف فإن موقع Link   الذي نشر فيه هذا الرجل هو ايضا موقع ورقي تروتسكي. وحينما كتب كاجارلتسكي مقالته كان الاتحاد الروسي 2011 بقيادة الرئيس مدفيدف وهو من الاتجاه الروسي الداعي لاندماج روسيا مع الإمبريالية الغربية!

ربما استقى كاجرالتسكي معلوماته من الفلسطيني عضو الكنيست الصهيوني عزمي بشارة والذي انتقل إلى قطر بعد أن كان على علاقة قوية بحزب الله وسوريا إلى أن انقلب تماما عام 2011 مع بدء الغزو لسوريا ودعم بإخلاص غزو ليبيا.

أما سخرية القدر فهي تورط الفيلسوف الوسطي سلافوج جيجك بالقول إن عزمي بشارة هو افضل فيلسوف عربي. وفي الحقيقة ليس غريبا على جيجك كمفكر يخلط بين هيجل وماركس ويرد على لينين باعتبار لينين مثاليا. حينما ارتد بشارة عن الخط الماركسي السوفييتي وفي نقاش فيما بيني وبينه أعلن نفسه هيجيلياً. ولكن هذا الهيجلي العربي أصبح اليوم مستشارا لأمير كيان ضئيل ومستعمرة أمريكية هي قطر، بعكس المفكر الكبير هيجل الذي أسس للقومية الألمانية.

أختم بالقول، بأن توفر الأموال للتروتسك يجعل  صيدهم لمرتدي اليسار والقومية وحتى الوطنية سهلا. فلتحذر عاصمة المقاومة.

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة “كنعان” الإلكترونية أو محرريها ولا موقع “كنعان” أو محرريه.