“كنعان” تتابع نشر على حلقات كتاب ” نحن صنعنا تشافيز: تاريخ شعبي للثورة الفنزويلية”

 

 

الفصل الثاني

 

إعادة العلاقةِ مع الجماهير

الناسُ حكماءُ صبورون،

هكذا يقولُ الكبارُ الذين يعرفون ضبطَ الوقتِ

حين يُغَنُّونَ على الربابة.([1])

يقولونَها لأجلِ الفرحِ لأنَّ الوقتَ آت،

في الأمسِ غادرَ بولِفار، لكنَّه سيعود.

هيا بنا، هيا بنا لنستقبلَه!

(علي بريميرا)

مما يُثيرُ الدهشةَ أنّ الكفاحَ الغِواريَّ الفنزوليَّ تحطَّمَ إرْباً إرْباً على الصخورِ الغادرةِ للجماهيرِ. فبعدَ امتطاءِ المغاويرِ في البدايةِ نمرَ العواطفِ الجماهيريةِ المعاديةِ لبيتَنْكورْت، وجدوا أن هذا الدعمَ أخذَ يتهافتُ بسرعةٍ في أواخر ستيناتِ القرنِ العشرين لأسبابٍ عديدةٍ خارجَ نطاقِ سيطرتِهم. وإذ أدركتْ حكومةُ ليوني أن رومولو بيتَنْكورْت نفسَه هو الذي أشعل فتيلَ الكفاحِ المُسلَّحِ، طبَّقت سياسةً ناجحةً في “تدجين” المحاربين السابقين، فأدَّى ذلك خلال فترةٍ قصيرةٍ إلى شقِّ الحزبِ الشيوعيِّ الفنزوليِّ، والحركةِ اليِساريةِ الثوريةِ، والقواتِ المُسلَّحةِ للتحريرِ الوطنيِّ، وبهذا أتاحت المجالَ للقمعِ لأنْ يستمرَّ من غيرِ رادع. فمن تبقَّى من المغاويرِ، بتعبيرِ معارضِهم الأكبر بيتَنْكورْت، كانوا أكثرَ قليلاً من “أرزٍّ بالدجاج من غير دجاج،” أو ماركسيين من غير عمالٍ، أو اشتراكيين من غير فلاحين.[i] وقد تجلّت هذه الحقيقةُ لمن بقيَ في الكفاحِ المُسلَّحِ، فولّدت عمليةً بطيئةً مؤلمةً للنقدِ الذاتيِّ لمعرفةِ الخطأِ الفادحِ وسببِ تخلُّفِ الشعبِ عن الاستجابةِ لدعوتِهم الصارخةِ للإطاحةِ بالديمقراطيةِ الفتية.

في هذه الأثناءِ، استمرَّ الشعبُ الفنزوليُّ في كفاحِه: فشهد العامُ 1967 انفجارَ مقاومةٍ ذاتِ قاعدةٍ شعبيةٍ واسعةٍ بدأها العمالُ العموميون في ماراكيبو لكنّها سرعانَ ما انتشرت في البلادِ كلِّها، فكانت موجةً من الكفاحِ “تزامنت بشكلٍ متناقضٍ” مع فشلِ من سعَوْا إلى الهيمنةِ على هذه الحركةِ وقيادتِها.[ii] كانت متناقضةً بالتأكيدِ لأُولئك الذين لم يزالوا يُضمرون المزاعمَ الطليعيةَ المتخلِّفةَ، الذين لم يستطيعوا فهمَ إمكانيةِ وجودِ عملٍ ذاتيٍّ صاعدٍ من الأسفل. لكنْ، من هي الجماهيرُ الفنزوليةُ التي كان يتوقُ لها هؤلاء المغاويرُ، والتي بدأت الآن تعملُ بوحيٍ من ذاتِها، داحضةً عملياً نخبويةَ الرجعيين والثوريين على السواء؟ لقد كانوا في أغلبِهم مدنيين، كما أخذَ بعضُ المغاويرِ المنشقين يُلاحظُون. لقد تآمرت عقودٌ من الإهمالِ الحكوميِّ وأنصافِ الحلولِ كإصلاحِ الأراضي عام 1961 – وكانت هذه استجابةً للتمرُّدِ الريفيِّ – مع التشويهِ الموروثِ للاقتصادِ النفطيِّ، في حدوثِ هجرةٍ جماعيةٍ من الريف [راجع الفصلَ الثامن]. كانت فنزولا بلداً مدنياً بنسبةِ 60 في المئةِ في بداية الكفاحِ الغِواريِّ، وبحلولِ فترةِ التأمُّلِ التي تبعتْ فشلَ هذا الكفاحِ، كان 70 في المئةِ يقطنون في المدن (وقد استمرَّ هذا الاتجاهُ حتى اليوم، بمعدلِ تمدينٍ حاليٍّ يفوقُ نسبةَ 90 في المئة.)[iii]

هنا أيضاً يكونُ تأثيرُ رِجي دبراي مركزياً لأن دفاعَه عن “البؤرة” الغِواريةِ متداخلٌ كثيراً في دفاعِه عن الريفية باعتبارِها مجالَ العملِ الصحيحَ لنظريةِ البؤرة. وهو يُعزِّزُ هذا الدفاعَ من خلال ظواهريّةٍ غريبةٍ تُميِّزُ الريفَ بشكلٍ واضحٍ عن المدينة. وإذ يُدركُ دبراي أهميةَ التمدينِ في فنزويلا و”التناقضاتِ الاجتماعيةَ المتفجرةَ” التي يخلقُها “النزوحُ الريفيُّ”، فإنه، مع هذا، يذكرُ انتقادَ شي غيفارا “الذي لا يُدحَضُ” للغِوار المدني.[iv] وبنغمةٍ تُردِّدُ تحليلَ فرانز فانون للعالمِ الاستعماريِّ كعالمٍ مانويٍّ للتناقضاتِ المُطلقةِ (من غير دمجِ أفكارِ فانون، على ما يبدو، بالدلالاتِ السياسيةِ للتمدين)، تعكسُ الريفيةُ بالنسبةِ إلى دبراي بصورةٍ غامضةٍ تقريباً العملياتِ الكيميائيةَ للكفاحِ المُسلَّحِ: الكفاحُ في الريفِ يولِّدُ البرُليتاريين، البرجوازيةَ الصغيرةَ المدنية؛ الريفُ هو الحلقةُ الأضعفُ والمدينةُ الحلقةُ الأقوى؛ في الريفِ يتمتّعُ المغاويرُ بحركةٍ مطلقةٍ ويستطيعون أن يُقرِّروا كيف يهاجمون ومتى، وفي المدينةِ يُحددُ العدوُّ الفضاءَ وسطَ منطقةٍ غيرِ ملائمة.[v] بيدَ أن الأمرَ يستحقُّ السؤالَ إلى أيِّ درجةٍ في الواقعِ تبقى عملياً هذه المعارضةُ بين المدنيِّ والريفيِّ، ويُمكنُنا فعلُ هذا بسؤالنا أولاً عن أيِّ “مدنيٍّ” يتكلمُ دبراي. فإذا فعلنا هذا، باتَ واضحاً أن دبراي لا يُميِّزُ إطلاقاً المدنيَّ الحقيقيَّ عن الأحياءِ الفقيرةِ شبهِ المدنيةِ التي تنصبُّ فيها هذه الجماهيرُ المتمدِّنةُ، وبهذا يُهملُ التواصلَ الأساسيَّ القائمَ بين الفلاحين الريفيين والفلاحين السابقين المقتلَعين من جذورِهم في الأحياءِ الفقيرة (راجع الفصل التاسع).

يقول تيودورو بِتْكُف، الذي كان ذات يومٍ أحدَ أهمِّ مناصري مركزيةِ الحربِ المدنيةِ، على عكسِ رفضِ دبراي الإستراتيجيِّ حربَ الغِوارِ المدنيةَ، “إن لمدينةٍ مثلِ كاراكاس طُبوغرافيةً ممتازةً للقتالِ المدنيّ.” فالحقيقةُ أن العاصمةَ الفنزوليةَ، في أواخرِ ستيناتِ القرنِ العشرين، كانت أكثرَ كثيراً من الشوارعِ العريضةِ، والميادينِ الواسعةِ، والزوايا القائمةِ التي يُمكنُ المرءَ أن يجدَها في أيِّ مكانٍ آخر. فالأحياءُ الفقيرةُ المُكتظّةُ بالسكانِ، بأكواخِها المبنية من الصفيحِ والورقِ المُقوَّى، تتفوَّقُ على مناطقِ المغاويرِ الجبليةِ التي هاجرَ منها هؤلاء السكان: هناك كمٌّ هائلٌ من التغطيةِ، وأزقةٌ ضيقةٌ تتطلَّبُ معرفةً تفصيليةً غيرَ رسمية، واكتظاظٌ سكانيٌّ قادرٌ على إيواءِ المقاتلين المُسلَّحين.

“بهذه الطريقةِ يستطيعُ رجلٌ فردٌ يُطلقُ نارَ سلاحِه، ثم يتحرّكُ بسرعةٍ ليُطلقَ من مكانٍ آخرَ، أن يشلَّ حيًّا فقيراً بأكملِه. وليست الفكرةُ بالنسبةِ إليه أنْ يكسبَ معركةً مع الشرطةِ، بل أن يُشكِّلَ جزءاً من عقدةِ التمرّدِ في المدينة. في هذا، كان اشتراكُ الجماهيرِ جوهريًّا بالمطلق، وقد جاءَ على هذا النحوِ: حين كان مقاتلونا ينسحبون من أمامِ الشرطةِ، كانوا يجدون الأبوابَ كلَّها مفتوحةً لهم. عندئذٍ ستقفُ إحدى رباتِ البيوتِ أمام بابِ بيتِها لتقول، ’هاك كأساً من الماء.‘ أو ’دعني أُخفِ سلاحَك.‘ أو ’اختبئْ هنا.‘ أو ’اهربْ من هذا الاتجاه.‘”[vi]

وإذ بدَّدَ المغاويرُ المدنيون في العقدِ الماضي هذا الدعمَ العفويَّ، فإنّ الأهميةَ الإستراتيجيةَ للعملِ الجماهيريِّ في الأحياءِ الفقيرةِ سوف تزدادُ في العقودِ الآتية. مع هذا، لم تتخذْ هذه العمليةُ البطيئةُ والجزئيةُ شكلَ التخلِّي عن الكفاحِ المُسلَّحِ؛ فقد تمّت محاولةُ وضعِ استراتيجياتٍ عديدةٍ، كان كلٌّ منها جمعاً مُعقَّداً بين النجاحِ والفشلِ، وبين الدروسِ المُكتسَبةِ والأخطاءِ المُتكرِّرة. في سبعيناتِ القرنِ العشرين، شُكِّلت أحزابٌ للاشتراكِ في الانتخاباتِ، كما شُكِّلت جبهاتٌ مفتوحةٌ للعملِ الجماهيريِّ، بل إنّ من استمروا في الكفاحِ السريِّ أخذوا ينزاحون عن الطرقِ القديمةِ ويحاولون إعادةَ تشكيلِ الخبرةِ الغِواريةِ في سياقٍ جديدٍ وعيونُهم على مواضعِ فشلِ الماضي.

بدأ أوّلُ تجريبٍ جادٍّ في قلبِ حزبِ الثورةِ الفنزوليةِ نفسِه، كنتيجةٍ مباشرةٍ لتشكيلِه. وبالرغمِ من الانشقاقِ عن الحزبِ الشيوعيِّ الفنزوليِّ حولَ مسألةِ الكفاحِ المُسلَّحِ، جذب حزبُ الثورةِ الفنزوليةِ إلى صفوفِه على الفورِ تشكيلةً من القطاعاتِ المنشقّةِ، منها أعضاءُ مؤسسون بارزون في الحزبِ الشيوعيِّ طُردوا لاحقاً، مثل سلفادور دي لا بلازا، الذي طُردَ لتهجُّمِه على سياسةِ الحزبِ الشيوعيِّ في الولاياتِ المتحدةِ الأميركيةِ حول “التعايشِ السلميِّ”، وإينجل ج. ماركيس (أكا “الفوضوية”). كذلك ضمَّ حزبُ الثورةِ الفنزوليةِ تياراً مُتأثِّراً بجوان بوتِسْتا فْوِنْماير، أولِ أمينٍ عامٍّ للحزبِ الشيوعيِّ الفنزوليِّ، الذي طُردَ لمعارضتِه التحالفَ الفاشلَ مع بيتنْكورت وحزبِ العملِ الديمقراطيِّ,[vii] إلى جانبِ هذه التياراتِ التاريخيةِ، انضمّت إلى حزبِ الثورةِ الفنزوليةِ أيضا عدةُ مجموعاتٍ فكريةٍ وفنيةٍ (منها المجموعةُ الطليعيةُ “إل تيشو دي لا بالينا” والفنانُ الثوريُّ شينو فاليرا مورا)، كذلك فعل الكثيرون من أُطرِ الحزبِ الشيوعيِّ الفنزوليِّ العسكريةِ، والتيارُ اللا-ماركسيُّ المناهضُ للعقائديةِ الجامدةِ الذي يقودُه فابريسيو أوخيدا، وفريقٌ كبيرٌ من “الشبابِ الشيوعيِّين”.[viii]

وسطَ هذه المجموعةِ المتنوعةِ، “كان الجدلُ،” كما قال لي برافو “أمراً محتوما، لم نستطعْ تجنبَه.” لكنّ هذا الجوَّ من التخمُّرِ الفكريِّ المُتوتِّرِ هو بالضبط ما بدأ يولِّدُ أقوى إرثٍ لدى حزب الثورةِ الفنزوليةِ: “هناك بدأنا نناقشُ مع الرفاقِ من فالكون مسألةَ البولِفارية.” لكنّ للبولِفاريةِ، في ستيناتِ القرنِ العشرين كما هي اليومَ، أكثرَ من بولِفارَ نفسِه في ما تقومُ به لإعادةِ اكتشافِ تقليدٍ ثوريٍّ وطنيٍّ واسترجاعِه. وحسبَ قولِ برافو، لقد دمّر الاستعمارُ “النسيجَ الروحيَّ والدينيَّ” للسكانِ الأفارقةِ المحليين المستعبَدين، وقد مثّلت هذه الإبادةُ الثقافيةُ – ومعها ثمانون مليونَ قتيلٍ قُتلوا – “أكبرَ جريمةٍ ارتكبتها الرأسماليةُ في العالم أجمع.” وفي غيابِ هياكلِ الإيمانِ السابقةِ للاستعمار هذه، كان ما بقي هو إرثَ قادةِ التحريرِ الذين حاربوا إسبانيا، والذين “أصبحوا رموزاً دينيةً” هم أنفسُهم. لذلك كان بولِفار وقادةُ التحريرِ الآخرون، حسب قولِ برافو، يُمثِّلون “حقيقةً أصيلةً وكذبةً أصيلةً” معا، مُشخِّصين الكفاحَ الملموسَ ضدَّ الإمبرياليةِ والتعويذةَ التي يلوذُ بها الناسُ في مطامحِهم الثورية. وإذ يُصرُّ برافو على أنّ عمليةً شبيهةً تجري اليومَ حولَ عبادةِ تشافيز، يبدو غيرَ مُستعدٍّ لقبولِ الجوانبِ الإيجابيةِ والضروريةِ لهذه العمليةِ كما يفعلُ مع بولِفار.

بحلولِ العام 1970 عرّفَ حزبُ الثورةِ الفنزوليةِ نفسَه بأنه حزبٌ ماركسيٌّ-لينينيٌّ-بولِفاريٌّ، وقد كان من أوائلِ مُكتشفي البولِفاريةِ عضوُ حزبِ الثورةِ الفنزوليةِ كورنيليو ألفارادو – “اختفَى” فيما بعدُ على يدِ الدولةِ – الذي نشرَ جريدةً باسم إل بولِفاريانو. تزامنت إعادةُ اكتشافِ تقليدٍ ثوريٍّ محليٍّ مع ظهورِ دراسةِ الماركسياتِ المُستعبَدةِ في أماكنَ أخرى وتغذَّت عليها، كما شرحَ لي رَفائيل “الزنجي” أُسْكاتِغْوِي، الذي هو الآن مع حزبِ “الوطن للجميع”.[ix] أُسْكاتِغْوِي، هذا الرجلُ الاجتماعيُّ ذو اللسانِ الحلوِ والمظهرِ المتباينِ بين البشرةِ الداكنةِ واللحيةِ البيضاء، كان واحداً ممن انتقلوا مع برافو من الحزبِ الشيوعيِّ الفنزوليِّ إلى حزبِ الثورةِ الفنزوليةِ. بعد انضمامِه إلى “الشبابِ الشيوعيِّين” سنة 1959 و”لأنه كان شرعياً لفترةٍ قصيرةٍ جداً،” بدأ يُحاربُ في “الفرقِ السياسيةِ-العسكريةِ التابعةِ للشبابِ الشيوعيِّين” في كاراكاس قبل التوجُّهِ شرقاً سنةَ 1964 ليُحاربَ في صفوفِ جبهةِ مانوِل بونتي رُدْريغِس في مُناغاس، ثم تحت قيادةِ ألفريدو مانيرو. وحسبَ ما قاله أُسْكاتِغْوِي، كان انفصالُ حزبِ الثورةِ الفنزوليةِ عن الحزبِ الشيوعيِّ نوعاً من التحرّرِ لأنه “أتاحَ لنا أن نتعرّفَ على مختلفِ الاشتراكياتِ الموجودةِ في العالم،” اشتراكياتٍ كانت في ذلك الحينِ تتكاثرُ نتيجةَ الانشقاقِ الصينيِّ-السوفييتيِّ المتنامي.[x] “أتاح لنا هذا أن نتحرَّرَ من الهياكلِ المعروفةِ مُقدَّماً وكان أحدَ العناصرِ التي جعلت حزبَ الثورةِ الفنزوليةِ واحداً من الأحزابِ ذاتِ البنيةِ النظريّةِ العظمَى.” “لقد بذلنا جهداً لتعلُّمِ التاريخِ الفنزوليِّ، تاريخِ ماضينا،” وقد أثّر هذا في فهمِ حزبِ الثورةِ الفنزوليةِ للقوةِ الكامنةِ في القواتِ المُسلَّحةِ التقليديةِ وانقلابِ تشافيز سنة 1992: “حين أُنصِتُ لتشافيز الآن، لخطاباتِه، ومعاناتِه، وطريقتِه في التعبيرِ عن الأشياءِ، إنما أرى صورةً لحماستي يوم كنت صغيراً في ذلك الزمن، أتقافزُ من مقولةٍ مُقتبَسةٍ من ماو تسي تُنْغ إلى أخرى من غْرامْشي، فإلى مقولةٍ من طوني نِغْري، وأخرى من روزا لُكْسِمْبُرغ، ثم إلى فكرةٍ من شي غيفارا، أو من أحد الوطنيّين الأمريكيّين اللاتينيّين.” حقاً، إن “الجذورَ الثلاثةَ” التي زعم تشافيز وآخرون أنها الأساسُ التاريخيُّ والعقائديُّ للثورةِ البولِفاريةِ – التي تضمُّ بولِفار ومؤدِّبَه سيمون رُدْريغِس ومُحرِّكَ الفلاحين إسِكْيِل سامورا – قد أُخذت مباشرةً من صلاتِهم بحزبِ الثورةِ الفنزوليةِ (أيّدَ هذا الانقلابَ أدان تشافيز، شقيقُ هوغو الأكبرُ، وأحدُ أعضاءِ حزبِ الثورةِ الفنزوليةِ، والكثيرون من بقايا هذا الحزبِ، ومن ضمنِهم أمثالُ أُسْكاتِغْوِي في حزبِ “الوطن للجميع”، وكليبر راميريس.)

بالنسبةِ إلى إسيدْرو راميريس، الذي انضمَّ لاحقاً في سنِّ السادسةَ عشرةَ إلى حزبِ الثورةِ الفنزوليةِ-القواتِ المُسلَّحةِ للتحريرِ الوطنيِّ تحت الاسمِ الحركيِّ “أرْمانْدو”، ليجدَ نفسَه وقد رُفِّع إلى قيادةِ الحزبِ بعد اعتقال الكثيرين من ولايتِه كارابوبو، كان لهذا الجدلِ وهذه الرؤيةِ مُكوِّنٌ دينيٌّ أيضاً متجذِّرٌ في اللاهوتِ التحرّريِّ ومُتّصلٌ بإعادةِ النظرِ بمختلفِِ أنواعِ التاريخِ التي أثّرت في السياقِ الفنزوليّ وتقييمِها.[xi] “كان علينا أن نقبلَ أنّ ذلك الجزءَ من حقيقتِنا وجزءاً من رؤيتِنا العالميةِ، إلى جانبِ الكاثوليكيةِ والمسيحية، يشملان أيضاً المساهماتِ الأفريقيةَ والمحليةَ، إنه تعدُّدٌ روحانيّ. بل إنّ راميريس يتذكّرُ يومَ طلبَ منه فرانْسِسْكو “إل فْلاكو” بْرادا، القائدُ الثاني لحزبِ الثورةِ الفنزوليةِ، أنْ يُرتِّبَ زيارةً إلى مقامِ ماريا ليوناسا على جبل سورتي في ولايةِ ياراكوي. وكمثلِ سانتيريا، بطريقةٍ أو بأخرى، تخلطُ عبادةُ ماريا ليوناسا الكاثوليكيةَ بالمعتقداتِ المحليةِ قبل مجيءِ كولُمْبُس وبتلك الأفريقية. وإذ كان برادا “منفتحاً جداً” لمثل هذه الأفكارِ، سافرا إلى المقامِ سنة 1981، بهدف “البحثِ عن تلك الجذورِ الروحانيةِ لشعبنا.” وقد حدث هذا كلُّه “بشيءٍ من نظرةِ مارْياتِغوي،([2])في إعادةِ الاكتشافِ … استرداداً للذاكرةِ الثقافيةِ الجمعيةِ” المنسيةِ منذ دهرٍ والتي محتها المركزيةُ الأوربية.

كما يمكنُ أن تكونَ عليه دلالةُ ذكرِ هذا الشيوعيِّ البيروفيِّ خوسيه كارْلُس مارْياتِغوي، فإن الأسئلةَ المتعلقةَ بالذاكرةِ الكونية غيرُ مُحدَّدةٍ بالمجالِ الدينيِّ، بل تُعنَى بإضفاءِ الروحانيةِ على الماركسية نفسِها. وحين سؤل راميريس عن الأهميةِ الحاليةِ لتجربةِ حزبِ الثورةِ الفنزوليةِ-رَبْتورا، أجاب بالقول، “إن كان في حزبِ الثورةِ الفنزوليةِ شيءٌ أعرفُه، فهو أخلاقُه وإخلاصُه، شيءٌ ذو علاقةٍ بالمُثُلِ أكثرَ من العالَم الماديّ.” أكان الأمرُ متعلِّقاً بالماديةِ الفرديةِ للفسادِ أم بالماديةِ الجَماعيةِ التي تُمركِزُ القدرةَ الإنتاجيةَ الوحشيةَ، فإن هذه الروحانيةَ أساسيةٌ لعمليةِ الحاضرِ البولِفارية. “نعم، نحتاجُ إلى أن نعملَ لأجل رخاءِ الشعب، والاشتراكيةُ تحتاجُ إلى أن تكونَ مزدهرةًَ مادياً…. لكنّ الاشتراكيةَ لا يُمكنُها أن تتوقَّفَ عن كونها روحانيةً، لأنها تحتاجُ تحديداً إلى تلك الحكمةِ كي تعرفَ كيف تستخدمُ المادةَ، وإلا فسوف تبتلعك.” من شأنِ هذا النقدِ للمادةِ المحضةِ والانفتاحِ على الجوانبِ البيئيةِ للاشتراكيةِ أن يقودَ أيضاً إلى الإسهامِ النظريِّ الأهمِّ  لدى حزبِ الثورةِ الفنزوليةِ متمثِّلاً بدراسةٍ نقديةٍ من ثلاثةِ مُجلَّداتٍ حول الاقتصادِ النفطيِّ الفنزوليِّ نُشرت في أواخرِ سبعيناتِ القرنِ العشرين، وتبقى مرجعاً مفيداً للوقتِ الحاضر.[xii]

لئن أثبتت إحدى مجالاتِ التجديدِ النظريِّ أنها الأكثرُ شؤماً على حزبِ الثورةِ الفنزوليةِ، فهي دراسةُ الحزبِ للمنظماتِ غيرِ الحزبيةِ ورفضُها اللاحقُ لشكلِ الحزبِ اللينينيِّ كأنجعِ أدواتِ التغييرِ الثوريِّ. “حتى أننا رأينا أنّ الحزبَ جزءٌ من هذا التقليدِ الرأسماليِّ القديم،” حسب ما قاله راميريس، وقد انحلّ هذا الحزبُ رسمياً في أوائلِ ثمانيناتِ القرنِ العشرين.[xiii] على الجانبِ الآخر، يعزو أُسْكاتِغْوِي انقسامَ حزبِ الثورةِ الفنزوليةِ وتبدُّدَه إلى التطوُّرِ النظريِّ لدى دوغلاس برافو: ذلك أنه ببِدَعِه التي لا تُكبَحُ وتركيزِه البيئيِّ المتزايدِ، “حلَّ الحزبَ من غير أن يعني ذلك…. فخسرت العمليةُ الثوريةُ منظَّمةً مُهمّةً … ذاتَ روحٍ عظيمة.” أما الكثرةُ التي كانت مُتردِّدةً في تركِ الشكلِ الحزبيِّ، فقد ذهبت إلى منظماتٍ صغيرةٍ شبيهة، مثل “الأمل الوطنيّ” (ومنها ديماس بِتيت ورفائيل راميريس)، والمجموعاتِ اليِساريةِ الأخرى، مثل “العصبةِ الاشتراكيةِ”، و”الطريقِ الثالثِ” (برافو)، و”القضيةِ الجذريةِ” (مانيرو وأيضا أُسْكاتِغْوِي)، والحركاتِ الذاتيةِ الجديدةِ، “جنتي “80، و”النزعةِ الثوريةِ” (التي ضمّت لمدةٍ قصيرةٍ علي رُدْريغِس أراكي، الذي انضمَّ لاحقاً للقضيةِ الجذريةِ وإلى حزب “الوطن للجميع” قبل انضمامِه لحكومةِ تشافيز).

في حزبِ الثورةِ الفنزوليةِ، وُضعت تجاربُ نظريةٌ كثيرةٌ، لكن حلَّ الحزبِ حالَ دون إكمالِها. فمن استعادةِ “الجذورِ الثلاثةِ” إلى التفكيرِ بالروحانيةِ والماديةِ، فإلى التوكيدِ على الثقافيِّ ومُساءلةِ الشكلِ الحزبيِّ، فإلى مسائلِ البيئةِ والاقتصادِ النفطيِّ، كان حزبُ الثورةِ الفنزوليةِ في هذه السنين، وفوق هذا كلِّه، بوتقةً غيرَ مسبوقةٍ للتجريبِ النظريِّ. وبالرغم من أنّ بعضَهم – خاصةً المنشقَّ عن الحزبِ كارلُس لانس –  يُشكِّكُ في العمقِ الحقيقيِّ لعمليةِ التفكيرِ هذه، كان الحزبُ، بلا ريبٍ، من حرّكَ هذه العمليةَ؛ وقد ساهمَ الزخمُ المُكتسَبُ في عمليةِ التجريبِ هذه في الإتيانِ بتشافيز إلى السلطة. أما هِكْتور فيفاس (الذي يزعمُ أنه كان مُهندسَ الهروبِ من سان كارلُس سنة 1975)، فقد عبّرَ لاحقاً عن الموضوع، باعتبارِ كونِه عضواً سابقاً في حزبِ الثورةِ الفنزوليةِ، بالقول، “لم تبدأ العمليةُ الثوريةُ الفنزوليةُ بهوغو تشافيز. فالثورةُ التي يقودُها هذا القائدُ إنما هي استمرارٌ لما بدأه سيمون بولِفار. إلى ذلك إنّه آتٍ من صفوفِ حزبِ الثورةِ الفنزوليةِ.”[xiv]

 

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة “كنعان” الإلكترونية أو محرريها ولا موقع “كنعان” أو محرريه.

 


[1] في الأصل أشار الشاعرُ إلى آلةٍ موسيقية ابتدعها أهل أمريكا الأصليون تسمَّى “غْواشاراكا”، لكني آثرت هنا استخدام “الربابة” بدلا منها كآلة شعبية عربية. [المترجم]

[2] خوسيه كارْلُس مارْياتِغوي (1894-1930)، كان صحفياً ماركسيا عصامياً ولد في بيرو، وكان كاتبا غزيراً، ومن أكثر من تركوا أثراً على الاشتراكيين في أمريكا اللاتينية. كان يؤمن بأن الثورة الاشتراكية يجب أن تنطلق عضوياً من أمريكا اللاتينية على أساس الظروف المحلية وليس بتطبيق الصيغة الأوربية تطبيقا آليا. [المترجم]


[i] مقابلة مع رَفائيل أُسْكاتِغْوِي، في 27 أيار 2008. وبكلمات كْرِس مارْكر النقدية السينمائية للطليعية (التي تشمل مقابلة نقدية ذاتية مع دوغلاس برافو)، لقد كانوا “رأس حربة من غير حربة،” وبالإشارةِ إلى “قطة شيشاير المختفية للويس كارول، كانوا “تكشيرةً من غير قطة.”

A Grin Without a Cat [Le Fond de l’air est Rouge] (Paris: Arte France, 1977)

[ii] Alfredo Maneiro, Notas Nigativas (Caracas: Ediciones Venezuela 83, 1971), 21-23.

[iii] United Nations, World Urbanization Prospects: The 2003 Revision. (New York: United Nations, 2004), 174.

[iv] Regis Debray, Strategy for Revolution. (Middlesex: Penguin, 1973), 76-77.

[v] Frantz Fanon, The Wretched of the Earth, Tr. Richard Philcox. (New York: Grove Press, [1961] 2004), 81.

بينما يميّز فانون بين المدني والريفي، قطعاً، يعترف بأن هذا التمييز متجذر في بنية الاقتصاد التابع ويضع القطاعين في علاقةٍ جدليةٍ. (دبراي، م.ن. 76-82.).

[vi] Norman Gall. (1972). “Theodoro Petkoff: The Crisis of the Professional Revolutionary. Part I: Years of Insurrection,” January, http://www.normangall.com/venezuela_art4.htm

[vii] غُت لاحقا عدّ بلازا “أحد الكتاب المفكرين في مشروع هوغو تشافيز”

Hugo Chavez and the Bolivarian Revolution (London: Verso,200), 79)

راجع أيضا:

Steve Ellner and Miguel Tinker Salas, Venezuela : Hugo Chavez and the Decline of an ‘Exceptional Democracy’ (Lanham, MD: Rowman & Littlefield, 2007), 36.

لم ينضم فووِنْماير نفسه إلى حزب الثورة الفنزولية، بل الكثيرون من المتعاونين معه، مثل مارغُت غارسيا ملدونادو.

[viii] مقابلة مع دوغلاس برافو، 23-24 أيار 2008.

[ix] مقابلة مع رفائيل أسكاتغوي، 26-27 نيسان 2008.

[x] كان حزب الثورة الفنزولية في البداية قريبا من كوبا، لكنه ابتعد عنها حول نظرية دبراي البؤرية، فاقترب أكثر من الصين. وبالرغم من أن أسكاتغوي يعزو انفتاح حزب الثورة الفنزولية إلى التجارب مع السلفية على المستوى المحلي أكثر منها إلى الانشقاق الصيني السوفييتي، فإن حزب الثورة الفنزولية و”القضية الجذرية”، التابعة لمانيرو، كليهما كانا على علاقة رسمية بالصين.

[xi] مقابلة مع إسيدرو راميريس، 15 أيار 2008.

[xii] كانت هذه:

Comision Ideologica de Raptura, El Imperialismo Petrolero y la Revolucion Venezuela, Tomo I: Captial y Propiedad Territorial (Caracas: Salvador de la Plaza, 1975); Tomo II: Las Ganancias Extraordinarias y la Soberania Nacional (Caracas: Editorial Raptura, 1977); Tomo III: La OPEP y las nacionalizaciones: La Raptura Absoluta (Caracas: Salvador de la Plaza, 1979).

بينما يُنيط حزب الثورة الفنزولية-ربتورا دوراً كبيراً بموقف برافو المعارض لتشافيز، فالكثرة ممن شاركوا في تحليل ربتورا عملوا قريباً من حكومة تشافيز، ومنهم علي ردريغس أراك (الرئيس السابق لمنظمة الدول المصدرة للنفط –أوبك- ولمؤسسة النفط الفنزولي)، ورفائيل راميريس (الرئيس الحالي لمؤسسة النفط الفنزولي، ووزير الطاقة سابقا)، وبرنارد مومر (وزير أوبك، ونائب الوزير). راجع:

Bernard Mommer, The New Governance of Venezuelan Oil, (Oxford: Oxford University Press,1998); Mommer, “Subversive Oil”, in Venezuelan Politics in the Chavez Era, ed. Ellner and Hellinger (London: Lynne Rienner, 2003), 131-46.

[xiii] ينكر برافو أن حزب الثورة الفنزولية قد انحل، لكن المقالة “Cual Partido? Cual Socialism?” التي نشرتها اللجنة المركزية لهذا الحزب في أواخر سبعينات القرن العشرين توقعت الكثرة من هذه التطورات في إشاراتها إلى الحاجة إلى “سلطة شعبية موازية” و “نوع حزبي جديد”,

[xiv] Pedro Jorge Solans. (2009). “Hector Vivas, el arquitecto de la fuga del cuartel san Carlos,” El Diario de Carlos Paz, October 30, http://www.eldiariodecarlospaz.com/octobre_09/30_10_09/0c0929k.html