صرخات مؤلمة في التحقيق

محمود فنون 

في مثل هذا اليوم سنة 1985م تم اعتقتالي واقتيادي للمسكوبية حيث قضيت فترة التحقيق هناك
في ليلة باردة وبينما انا مربوط هذه المرة الى عمود استنادي الى مربط في اسفل هذا العامود.. مربط على شكل مستطيل مثبت في العامود،بحيث تكون نقاط اتصاله بالعامود هي ضلعه الرابع ..
ياتون بالمعتقل مقيد اليدين والرجلين ورأسه مغطى بكيس من الشادر يصل حتى اسفل الرقبة ,يجرونه ولا يدري اين يسير والى اين يذهبون به ..
يطلب منه السجان ان يجلس وهو يحاول توجيه الجلسة لتكون في المكان المخصص ،ثم يفك قيد احدى يديه ويعيد ربطه ثانية ليكتشف المرء انه اصبح مربوطا ربما في مرابط خيل او أي حيوانات اخرى .

وهكذا اصبحت مثل كل الذين سبقوني مربوطا في عامود في احدى جدران المسكوبية وكما علمت تحت مظلة من القرميد تمتد حوالي المتر من فوقي ،ومن خلفي ساحة مسقوفة ..
اتكأت بظهري فكان الامر قاسيا
-اه ..هكذا اعذب نفسي بنفسي ..لا يجوز ان اتكيء اذا ،ولكنني تحسست المكان ببضع حركات ووزنت الامر
وجدت انني اجلس فوق ثلاث بلاطات ترفعني قليلا عن الارض ومربوط الى مربط يمنعني من الاتكاء على الحائط من خلفي بل ان محاولة الاتكاء الواحدة قد جعلتني من اعداء الجلوس المعتدل ومن انصار الجلوس على بلاطة منحني الظهر باستمرار قبل ان يعض القيد القصير معصمي ويدميهما .
القيد يشد باستمرار  يبعد يدي عن بعضهما بشكل دائم وكأن اقتراب اليد من اليد يسبب زلازلا للاحتلال وبالنسبة لي وكأنه يولد تماسا كهربائيا او شيئا ما يتآمر من اجل تفسيخ جسدي .
ان جسدي اكبر قليلا من ترتيبات مثل هذه الجلسة وما ان ترتد يداي حول جسدي لتتناسبا مع الربط في الموضع حتى يصبحا مشدودتين بطريقة يستهدفها السجان لتكون وسيلة التعذيب الوحشية التي يتبعها في هذه المرحلة من التحقيق كي ينتزع ما يستطيع من الاعترافات التي يستخدمها في تدمير الثورة وبنى الثورة ويجهز على امكانيات استمرار المقاومة وتطورها ..
اسمع اصوات وهمهمات ..هناك آخرين يجلسون بالمكان ..صوت السجان يصرخ طالبا الصمت ..شيكت(بالعبرية )
ان المصطلحات التي يستخدمها السجانون معروفة تماما للمعتقلين  ..شيكت..بيت شاموش..اوخل..تعمود..شيف..شمور عل شيكت ..لو روتسي لشموعتخا..اختك…امك..
المحقق :  ..لن تصمد طويلا على هذا الحال ..تحمل يا اسد..ميت ام تبكي ولا امي تبكي…الف جبان ولا الله يرحمو..ولك انت تيس شو جابرك كلهم حكوا وروحوا غير انت يا حمار..يعني لازم تستنى لما ايدك تنشل وبعدين تحكي ،شو الفايدة احكي وايدك سليمة..ولا واحد هان صمد .هنا الكل يعترف ..عندما تريد ان تتكلم نادي الشوتير(الشرطي السجان)وقل له: “أني روتسي لدبير”
..لسه هذا اول يوم .. وشوف حالك بالمراية…اكثر واحد صمد خمسة ايام وحكى ..انت شو بدك تصمد… تخيل انك صمدت ست ايام وبعدها تحكي… لشو العذاب ..احكي من اول أحسن.
–  أجلس واستحضر ملف حياتي الكفاحية وأتسلى عن ما حولي وعن ما بي وأتمعن في تفاصيل التجربة واتجاهاتها الرئيسية ،وأتخيل لو انني استمريت في مكاني قبل الاعتقال وأتسائل :هل ممكن ان ننتصر؟هل نمتلك مقومات الانتصار بفعل ثورة من الداخل ؟
كان الخارج قد تلقى ضربة 19822 التي أخرجته إلى المنافي البعيدة والتي جعلت ركيزة الخارج بعيدة عن الفعل النضالي المباشر. وهي سابقا كانت قد تلقت ضربة ايلول 1970 التي أفقدتها كل الزخم والاتساع والجدوى الموجودة في الساحة الاردنية.
لقد توصلت الى اجابة عميقة على السؤال :نعم بمقدورنا أن ننتصر.وحال دخولي سجن المسكوبية بعد انتهاء التحقيق معي ونقلي الى الاقسام شرعت ومن اللحظة الأولى بالتفاعل مع المعتقلين وأقدم لهم إجابة تفيد انه بمقدورنا ان ننتصر.وأثير فيهم هذا التفاؤل الجميل واقدم لهم اجابات وانا واثق انها شافية حول صيرورة النضال الفلسطيني وكنت اعتقد انه بوجودي بين المعتقلين سأنقل ايماني بحتمية الانتصار الى عشرات من المعتقلين الذين بدورهم سيلهبون الارض نضالا وكفاحا حال خروجهم مسلحين بالعقلية الثوية والفكر النظري والتجارب العملية .
يوم على يوم في ذات المكان او في مكان يعرف بالماسورة حيث الربط الى ماسورة مياه تمتد عمودية في مكان من جنبات المسكوبية او على الكرسي الصغير . يبدو انه كرسي اطفال يجلس عليه المعتقل ويمرر القيد من تحت المسند ويد من فوق المسند ويد من تحتها .وعلى الكرسي العادي قرب المجاري التي تفوح رائحتها النتنة . وأحيانا عندما يكون المطر غزيرا يجمعوننا في ساحة مسقوفة.
هذه المرة … ربطني السجان الى العامود وذهب وبينما انا مستغرق في اخيلتي وافكاري وكانني في عالم آخر واذ بصراخ…صراخ فظيع . صراخ. إن بكر في اوج مخاض مولدها الاول تكاد لا تصرخ بهذا الصراخ الممزوج بمقادير هائلة من الالم والعذاب ..الصراخ يتزايد بعد كل هنيهة.. صراخا باكيا ..من يافع يبدو انه في السادسة عشرة او السابعة عشرة ..
– “لم يعد يستطع كظم ألمه” قلت في نفسي .
.ولكن الصراخ يتزايد ويستمر  انه ليس الصراخ الناجم عن الضيق من الربط وآلام القيد في المعصمين ..تصورت ان السجان يضع قدمه على احدى ساعدي الشاب المربوط الى الحائط مثلي ويضغط بما لا يستطيع الشاب تحمله من شدة الالم ثم يزيد الضغط ثم يزيده وصراخ الشاب المنفلت عن سيطرته يزداد كلما ازداد الضغط على يديه…
لا عيب ان يصرخ الشاب من شدة الألم .. الألم الذي افقده السيطرة .. ان العيب في ان يهون على نفسه وتهون عليه نفسه فيقع في مستنقع الاعتراف والتعاون مع الاعداء ضد نفسه وروحه وفكره وثقافته وثوريته… ليتحول في لحظة التحقيق هذه الى جبان متواطيء مع العدو …ويتعاون معه ويقدم له الاسرار الدفينة والثمينة التي يستخدمها العدو في ضرب الثورة وضرب التنظيم وضرب التجربة ومن ثم يستخدمها لضرب روح الشعب وروح الثورة في الشعب .. ان الأمر جد خطير… ان الاعترافات جد خطيرة ولها السبق في ضرب وتدمير الكثير من التجارب الكفاحية في تاريخ التجربة الفلسطينية الكفاحية .
الشاب يصرخ ..يصرخ..يصرخ..ثم بدأ صوته يخفت قليلا قليلا الى ان هدأ
تفجرت كل عواطفي ألما وفرحا
ألما على هذا الشاب حديث التجربة في الحياة وفي الاعتقال كما تصورته .انه مناضل فلسطيني ..لم يرتكب ذنبا  .. انه ربما سار في مظاهرة او وزع منشورا او رفع العلم الفلسطيني وهذا مشروع في بلاد الدنيا كلها (ما عدا الدول العربية)
تخيلته وهو يصرخ .تخيلت تقاطيع وجههه .تخيلته مغمض العينين تحت الكيس يصرهما بقوة ..تخيلت دموعه تنهمر.. ولكن السجان لا يراهما لأن وجهه مغطى. وعل اية حال السجان لا يكترث للدموع انه يريد التعذيب والاعترافات ..انه لا يبحث عن شيء آخر ولا يقبل ان تعترض الاخلاق او القيم او التحريمات الدولية او اية موانع قد تحول دونه ودون التعذيب من اجل الحصول على الاعترافات .
تخيلت عضلات صدره وهو يئن من شدة الالم  تخيلته يرفع جزءا من جسمه عن البلاطة ليميل على الجزء الآخر ، عل هذا يخفف شيئا من آلامه المبرحة ..
لا يشعر بقسوة وشدة هذا الالم الذي يعتقد المرؤ ان لا نهاية له سوى من جربه.. انه اشد من آلام مخاض البكر في اوج مخاضها لحظة الولادة .
وفرحا: فهو لم يقل له كفى سأعترف ( أني روتسي لدبير).. ربما سقطت بعضا من دموعي ربما تلوى جسدي بصورة عفوية متفاعلا مع الصبي الذي لا استطيع ان افعل له شيئا سوى التضامن بالقلب ..لم يقل له كفى وسأعترف ,وعلى ما يبدو فان السجان اكتفى بهذه الوجبة وانصرف .
الذي اعرفه انني فكرت كيف سأتضامن مع هذا الشاب انا لا اعرفه .ولا اعرف الى أي فصيل ينتمي  ولكنه لو تكلم فانه سؤذيني ! انه سؤذي التجربة التي ارى نفسي بعضا من أرواحها. ان صموده يعززني ويعزز التجربة الفلسطينية الكفاحية التي ارى نفسي جزءا فيها وربما جزءا فاعلا وموجها .. وحينما يضربها ” من أي ثغر”…يمس روحي بمقدار ما يدمر في مبنى التجربة الوطنية
لقد صمد في التجربة فناصرته بتركيم مزيد من الحقد عليهم … هؤلاء الاوغاد القتلة الذين يعذبون الاطفال بمساعدة الامريكان المجرمين
فلنتحد جميعا بتركيم مزيد من الحقد على كل المجرمين المستبدين الظالمين للشعوب والذين يقفون في وجه حريتهم والذين يصرون على استمرار الاحتلال في أي ارض ولأي شعب .
ياتي لاحقا

علق أحدهم : حينما يتحول الخوف من الإحتلال إلى حقد عليه ، سننتصر.

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة “كنعان” الإلكترونية أو محرريها ولا موقع “كنعان” أو محرريه.