قراءة في كتاب «حكاية حرب… سورية 2011 ـ 2016»

 

«حكاية حرب» لثريا عاصي… وجع الحرف النازف

 

ناريمان منصور

عندما نقرأ هذا العنوان «حكاية حرب… سورية 2011 ـ 2016»، نظنّ للوهلة الأولى أنّنا سنُطالع عملاً روائياً سيخبرنا حكاية أبطالها شخصيات اختبرت تجارب متنوّعة خلال الحرب القائمة على سورية. لكن الحقيقة، وإن كانت تتقاطع مع هذا التصوّر في بعض المفاصل، أنّنا نجد بين دفّتي هذا الكتاب حكاية أبطالها سورية وشعبها ودولتها والمقاومون معها.

تقول الصحافية ثريا عاصي في تقديم كتابها: «ستّ سنوات مضت وأنا أتابع وأسأل وأقرأ قبل أن أكتب عمّا يجري في بلاد الشام، فكتبت عدداً كبيراً من المقالات ملأتها قدر المستطاع في كلّ موضوع تناولته، بحصادي من الملاحظات والإجابات وبما حفظته من بعض الكتب والدراسات في التاريخ والسياسة، إضافة إلى الأفكار التي خطرت لي!».

إذاً، هذا الكتاب هو حصيلة عمل استمرّ منذ بداية الحرب على سورية وحتى الآن، حصادٌ من مقالات وثّقت وحلّلت وتدارست بقصد الوصول إلى حقيقة ما يحدث وكشفها. هكذا نجد في الكتاب تسلسلاً لمقالات تعرض بالحدث مراحل الحرب منذ بدايتها، وصولاً إلى تفاقم المأزق الذي وجدت الكاتبة نفسها أمامه مسؤولة ومعنيّة بالعمل بما يختصّ به كصحافية كان نهجها، ولا يزال، موقفاً مقاوماً بوضوح صارخ لا يوارب في تبنّيه حكمة الوقوف إلى جانب الشعب السوري والدولة السورية، حتى نصل مع ما تقدّمه إلى قناعة تامّة بأنّ ما وصلت إليه في تبنّيها هذا يتجاوز الموقف متناهياً على صيغة عقيدة تجوهرت بثباتٍ، معرّفة عن نفسها وما تكون.

وتقول عاصي: «قالوا إنّ ما تشهده سورية ثورة من أجل الحرّية والإصلاح والديمقراطية! قلت في نفسي هذا ليس صحيحاً. إنّ المجتمعات لا تثور من أجل الحرّية والإصلاح والديمقراطية قبل أن تحرّر أرضها من المستعمر، وتجعل بينها وبين هذا الأخير مسافة كبيرة جداً. هذا لم يحدث لأسباب بعضها معروف وبعضها مجهول!». وتتابع: «لو خرجت التظاهرات في سورية تطالب بالإعداد للتحرير لفهمت. ولكن ما أثار دهشتي وارتيابي أنّ الثورة وُلدت في حضن السفيرين الأميركي والفرنسي! استنتجت أنّ ما يجري في بلاد الشام ليس ثورة بل هي حرب، لا سيما أنّ الأطلسي بتغطية من الدول الخليجية كان قد دمّر ليبيا واغتال رئيسها بِاسم الثورة».

ممّا لا شكّ فيه، أنّ حضور الوعي أمام فوضى أخذت تتراكم وتتنامى بالفعل المقصود وغير المقصود، يشكّل رافعة قبل أن تنهض بالمجتمع تكون قد دخلت وتداخلت مع معطياته المختلفة، فيكون هذا الوعي هو بوصلة الخلاص التي تمسك بيد الوطن باتجاه تحرّره وإعادة تشكيل بُنيته الإنسانية، فلا مجال لأيّ تهاون أو انزياح في العمل الوطني التحرّري. إن حدث هذا فالنكوص هو النتيجة الحتمية التي سيُدفع ثمنها غالياً. من هنا نرى في المقالات التي عرضتها عاصي قراءات تتّسم بالنوعية في استشراف واقع الحرب على سورية، فما حدث ويحدث ليس ثورة أو مطالب بالديمقراطية، لأنّ النتائج التي نعيشها تُثبت هذا.

وتقول عاصي: «أنشأوا جيشاً… من؟ من دول حلف الأطلسي بتغطية خليجية ليحاربوا سورية. المستعمر والرجعية والعثمانيون الجدد لا يصنعون ثورة. إن البلاد التي يخرج عشرون في المئة من أهلها ليقاتلوا في جيش المرتزقة والمستعمرين، ضدّ بلادهم، هي بلاد لم تنجز بعد وحدتها الوطنية، وبالتالي لا تتوفّر فيها الظروف الملائمة للثورة. جيش المرتزقة والمستعمرين لا يبني وطناً! إن الدولة الوطنية هي التي تبني وطناً».

وتتابع: «حملني هذا كلّه على الانخراط إعلامياً وفكرياً في الدفاع عن سورية، لأنّ سورية تتعرّض لمؤامرة كمثل العراق ومصر والجزائر، غايتها ضرب ركائز دعائم العروبة!

كتابي «حكاية حرب» لأقول إنّ سورية تتعرّض لمؤامرة هي في جوهرها المؤامرة نفسها التي نجحت في إقامة دولة إسرائيل الاستعمارية الاستيطانية العنصرية في فلسطين!».

إذن، ما نحن أمامه كشف مبكر أحياناً وفي زمانه أحياناً أخرى، لحرب عدوانية أخذت نمط تشابك عنكبوتيّ من التداخلات المنسوجة من الأدوات التي عملت تخريباً ودماراً وقتلاً في سورية. أدوات هي استثمار الدين السياسي، السلاح، الإيديولوجيات، الإعلام، المحافل الدولية، والكثير الكثير ممّا يمكن ذكره ولا يتوانى عن تنفيذ مأربه بشكل مباشر أو بالتوكيل، يساعده في هذا غباء الكثيرين أحياناً، تحشيد الرعاع لحمل السلاح والقتال، والعمالة للخارج وهي الأشد خطراً.

بقي أن نقول إنّ كتاب ثريا عاصي «حكاية حرب… سورية 2011 ـ 2016» يعتبر مرجعاً توثيقياً سنعود إليه وستعود إليه أجيالنا القادمة التي ستدرس تاريخ سورية الحديث، تاريخ هذه الحرب ليعرفوا كيف صمد السوريّون من الشام ولبنان وفلسطين والعراق والأردن مع سورية، وكيف انخرطوا جميعاً جيشاً واحداً في هذه الحرب العداونية التحريرية التي تخوضها سورية، كلّ جيش بسلاحه الذي يملكه، والسلاح هنا يكمن في الكلمة التي نزفت مع جراح الشهداء والأبرياء، خُطّت بالوجدان الحيّ، بالألم، بالوجع الرّاعف من أجل حرّية سورية ووحدتها… وكما قالت ثريا عاصي: «لا نقاتل في سورية نُصرة لجماعة أو لأتباع طائفة دينية أو مذهب. لا نقاتل حفاظاً على مسجد أو كنيسة. لا نقاتل خدمة لحاكم، بل نقاتل من أجل سورية لأنّها علّة كينونتنا ووجودنا. سورية ليست مسجداً أو كنيسة. سورية وطن».

:::::

“البناء”

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة “كنعان” الإلكترونية أو محرريها ولا موقع “كنعان” أو محرريه.