حتى لو صدق الترك…لا يكفي

عادل سمارة

حتى لو صدق الترك كما في  تصريحات جاويش أوغلو في موسكو بأنهم مع وحدة سوريا، وعلى النظام العربي السوري في دمشق ان لا يقلق.

لكن من يقرأ تصريحات  السلطة التركية، منذ عام 2011  لا يكاد يصدق أن هناك سلطة تتناقض وتقافز من حضن إلى حضن ومن ورطة إلى ورطة ومن دسيسة ألى دسيسة ومن عدوان إلى عدوان ثم من موقع إلى موقع كما هي السلطة التركية.

 من الذي يمكنه القطع  أن بوسع روسيا وإيران لجم النازية الطورانية؟ هل استقرت مصالح تركيا في الشرق؟ هل بدأت تركيا تغادر تركيبها البنيوي ثقافيا واقتصاديا وعسكريا كتابع للغرب؟ هل المدرسة السياسية الروسية في العلاقات الدولية التي تقوم على التشارك والندية أخذت طريقها إلى تركيا؟ هي بدأت نار الإرهاب الذي وضعته تركيا في يدها تمتد إلى رحمها مما دفعها لخطاب جديد؟ وإلى متى ستبقى على هذا الخطاب؟ هل هو لهذه الأيام القليلة؟ أم هل فهمت تركيا أخيراً بعد أن بدأ الركود يغزو اقتصادها ولم تشتري اوروبا منتجاتها الأقل جودة.

لا شك أن تركيا أدركت إن لم تدرك سابقا أن اوروبا ليست سوقها. فهي :

·       من جهة مطلوبة كراس حربة للناتو ضد الأمة العربية وضد الاتحاد الروسي كوريث للسوفييت.

·      وكمجال استثمارات في عمالة أرخص من العمالة الأوروبية بحيث تحصل على ارباح وفوائد وخدمات ديون.

تركيا سوق لأموال اوروبا وسوق لمنتجات امريكا العدوانية العسكرية اي انها مستعمرة مضاعفة. قوة العمل التركية تخضع لاستغلال طبقي لراس المال الغربي، ويخضع جزء آخر منها كعساكر في خدمة الناتو. هذا دون ان نتحدث عن علاقتها وخدماتها للكيان الصهيوني.

تركيا لم تتورط صدفة  ضد سوريا والعراق. تركيا دخلت ضمن خطة. كانت هي وحلفها في قناعة أن سوريا لقمة سائغة تحتاج إلى قليل من الأيام. وعليه، فقد حاربت تركيا حرب الغرب والصهيونية ضد العرب. ذلك لأن هذا دورها الذي هي مقتنعة به في حلم راودها منذ عقود ان تكون “إمبريالية رثة” في المشرق العربي والجزيرة، كدور استراليا في منطقتها، وطبعا حلم الكيان الصهيوني، أو كما حاولت امريكا ان تجعل من إندونيسيا بعد المذبحة ضد سوكارنو على يد سوهارتو.

 لم تسقط سوريا، ولم يتخلى عنها حلف المقاومة وإيران وروسيا مما وضع تركيا في مأزق مزدوج:

·      صمود سوريا ومعسكرها بل استعصاء سوريا على الغزاة

·      وتراجع ما تسمى المعجزة التركية سواء لفقدانها سوقي العراق  وسوريا. السوقين اللذين كانت تتوقع احتكارهما فيما لو سقطت سوريا فخسرت كليهما. وبالطبع لم يُعوضها عنهما سوق الخليج الذي بما فيه من سيولة مالية وهوى استهلاكي غربي لن يعطي الأولوية لمنتجات تركيا. هذا إلى جانب  بدء الاستثمارات الأوروبية في الرحيل مؤخرا وخاصة الفلوس الساختة Hot Money التي تهرب سريعا لقصر اتفاقات اقتراضها.

ليس من السهولة بمكان، القول بأن تركيا وجدت نفسها وبالتالي قررت التموضع، وإن تدريجيا، في معسكر الشرق، إن جازت التسمية. فإضافة لمختلف إشكالات تركيا أعلاه، فهي تعاني من صراعات داخلية سواء مع الكرد أو مع نقيضها الآخر غولين كحركة دين سياسي أو مع العلمانيين الترك، فإن الثقة بقيادة تركيا تبقى رجراجة كتلك القيادة.

 ومع ذلك، لو صحت كل هذه الأسئلة، ولو صح أن تركيا تخرج ، وتدريجيا بالطبع، من نطاق ارتباطها القديم والقوي بالعدو الغربي والرجعي النفطي والصهيوني. وبأن هناك إمكانية علاقات جديدة بين الأمم القديمة الثلاث في المنطقة، العرب والفرس والترك، وبأن روسيا حليف لهذه الأمم، حتى لو حصل كل هذا، فلا قيمة لعرب إن دخلوا هذه العلاقة فرادى وخاصة سوريا والعراق.

إن تحدي الوحدة السورية العراقية تحدِ قائم بغض النظر عن تغير التموضع التركي. وسيكون من الخطورة بمكان أن يكون وضع العرب مفككاً  في هذا التحالف الثلاثي للأمم القديمة في المنطقة كحال الكرد الذين من حقهم أن يكونوا ضمن هذا التوافق الحضاري إن حصل.

إن دخول سوريا والعراق هذا التوافق فرادى سوف يمهد الطريق لدخول قطريات عربية أخرى فرادى. اي سيدخلها العرب على قاعدة سايكس-بيكو وليس على قاعدة الدولة القومية العربية الواحدة او المتحدة.

وفي حال كهذه، يكون العرب هم السوق لمنتجات برجوازية القوميتين الأخريين مما يخلق حالة من “الاستعمار” الطوعي أو في أحسن الأحوال الانقسام إلى منتج ومستهلك.

هذا هو التحدي الذي على سوريا والعراق إنجازه. وهو الإنجاز الذي إن لم تتجه إليه السلطات لا بد من حراك شعبي وثقافي ضاغط ومناضل من أجله.

فالوحدة السورية العراقية التي لم تتحقق قبل المذبحة، لا بد من أخذ العبرة من المذبحة لتحويلها أي المذبحة إلى قوة وحدة لا مفجر تفتيت كما ارادت لها الثورة المضادة.

مرة أخرى، إذا كانت تركيا قد غادرت حلم احتلال واستعمار الوطن العربي مجدداً وخاصة عبر تحالفها مع كيانات الخليج النفطي كعدوة للقومية العربية ايضا، وإذا كانت إيران ستحافظ على تحالفها مع سوريا والعراق بمعزل عن طموحات قومية، فإن كل هذا لن يجدي إن بقيت سوريا والعراق في حالة الانعزال القطري.

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة “كنعان” الإلكترونية أو محرريها ولا موقع “كنعان” أو محرريه.