حرب المصطلحات:

 

الصيادون.. لا كلاب الصيد

محمد الأسعد

 

وسائط الإعلام العربية، سواء ما كان منها أداة بيد المخابرات الغربية، أو ماكان منها بيد الكائنات الأميبية الانتهازية، أو ما كان منها بيد قوى المقاومة، تعمّم تحليلات مضللة، أبرز ما فيها مصطلحات ومفاهيم يزجها بعضها عن وعي وإدراك، ويزجها بعض آخر عن ضحالة وعي وعجز عن الإدراك. والأمثلة كثيرة؛ يُستبدل تعبير “الأزمة السورية” أو “الحرب في سوريا” بالتعبير الواقعي “الحرب على سوريا”، ويستبدل تعبير “التطبيع مع المستعمرة الصهيونية” بتعبير “الاستسلام للمستعمرة الصهيونية”، ويحل محل “اقتلاع الفلسطينيين” تعبير “تهجير الفلسطينيين”، أما الإرهابيين القتلة وعصاباتهم، فتصر فضائيات الكائنات الأميبية على تسميتهم بالمسلحين، وهو اسم غير دال بالمطلق إلا على بلاهة متعمدة أو متأصلة. بل وتمضي إلى اعتبارهم، في الخبر والتحليل، هم الصورة كلها، وهم من يصنعون الأحداث ويضعون الأهداف، بينما هم ليسوا إلا كلاب صيد تطلقها ذئاب الغرب لاصطياد أمم وشعوب، لاتعنيها ألوانها ومذاهبها ولغاتها، بقدر ما تعنيها ما تملكه أراضيها من مكامن غاز ونفط ومعادن نادرة وثروات واعدة ومضائق حاكمة وقواعد إنطلاق وأسواق.

الأكثر مدعاة للسخرية، أنه أمام ما تحاول  إحداثه كلاب صيد ذئاب الغرب من تخريب على الأرض طيلة سنوات؛ تدمير مصادر قوة الجيش العربي السوري أو المصري، ومن تمزيق لنسيج المجتمعات العربية ووعيها، بانتحال شعارات إسلامية، وقتل وإبادة وترويع المدنيين العرب، ما زالت وسائط الإعلام  تطلق عليها، بإصرار عجيب، تسمية “المعارضة”، معارضة “معتدلة” مرة ومعارضة “مسلحة” مرات. وما زال هناك إصرار على تبني تسمية تحالف الذئاب الغربية لنفسه باسم “المجتمع الدولي” تساوقاً مع ما يوحي به بوضوح؛ أن كل من يخرج على إجماعه وقراراته ليس جزء من المجتمع الدولي، فلا الصين تعد من المجتمع الدولي ولا روسيا ولا إيران.. ولا أي دولة تقف بمواجهته. ولا أدري كيف تنساق حتى فضائيات مقاومة إلى تبني هكذا تسمية ولا تسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية؛ أن هاهنا مجتمعاً غربياً استعمارياً، وهاهنا مجتمع شرقي ينهض ويتحالف لتصحيح المفاهيم والموازين، ولا يصح منطقاً أن يقصر الغرب صفة “دولي” على تحالفه الذي يضم أقل من نصف عدد سكان العالم ومساحة وسماوات الكرة الأرضية.

التضليل الأكبر بعد كل هذا يأتي من تسليط الضوء على شاشة مسرح خيال الظل والدمى التي تتحرك أشباحها على خشبته، والتجاهل التام لمن يحرك هذه الدمى، وشد وعي ونظر المشاهد والمستمع إلى ما يشبه المسرحية، بينما محرك خيوطها يظل خفياً لايراه أحد. وعلى رغم وقاحة الذئاب الغربية، والتي تجلت أخيراً في هستيريا رؤسائها ومسرحيات مندوبيها في مجلس الأمن، وتكرارها بأنها تجند وتسلح كلاب الصيد الإرهابية في سوريا والعراق واليمن وليبيا، ورغم أنها نشرت ما تخطط له من نيات تقسيم وتدمير الوطن العربي جملة وتفصيلا علناً منذ سنوات طويلة، وأطلقت أدوات مخططاتها أخيراً، وولغت قولا وفعلا في الدماء العربية، إلا أن وسائط الإعلام العربية، الغبية والمتغابية على حد سواء، تصر على أن الغرب يتعرض لضربات الإرهابيين، وأن الإرهاب الذي رعاه يرتد عليه، وتشارك في حفلة ندب وبكاء على الغرب المسكين الذي يتعرض مثلما نتعرض له. بل وتروج للمقولة الزائفة بأن هناك “تحالفاً غربياً ضد الإرهاب”. بحيث يخيل للإنسان أن أسماء تخترعها أجهزة استخبارات الذئاب الغربية، مثل “داعش” و”النصرة” و “بيت المقدس” و “جيش الإسلام”، هي قوى شيطانية من عالم آخر غزت الأرض من كواكب أخرى، وامتلكت أسلحة لاتقاوم أشبه بأسلحة مغامري قصص ألف ليلة وليلة: طاقية الإخفاء، وبساط الريح، والحصان الطائر، ومصباح الأبله علاء الدين الذي يخرج منه الجني فينقل الجبال والقصور بلمحة بصر من مكان إلى مكان.

بعض وسائط الإعلام هذه مجند بالفعل، ومخطط له من قبل خبراء اجتماع وعلم نفس وضباط مخابرات يقيمون في مقراته بشكل دائم، ولكن هؤلاء لايظهرون على بعض شاشات الفضائيات العربية الناعقة، بل تنطق بما يكتبون ويخترعون من تعابير ومصطلحات ببغاوات عجماء، مؤنثة ومذكرة، ليس لها من غاية في الحياة سوى استهلاك مساحيق التجميل واللهط والتبرز. وبعض وسائط الإعلام هذه “مجند” ولكن جنّده غباءٌ وقصورٌ وهبلٌ، يديره جهلة لايبحثون ولا يبدعون، ولا يعرفون أن لكل قضية تاريخ، ولكل حركة محرك، يُؤخذون بجزيئية هنا أو هناك، شأنهم شأن دببة تحرق أصابعها سخونة صخرة فتلجأ إلى صخرة أخرى، من دون وعي أن حرارة الجو سخنت كل الصخور.

حتى الآن ما زال العربي موضوع لطمة من هنا وهناك، ملطشة لمن أعطتهم هذه الوسائط أسماء “محللين استراتيجيين” و “خبراء حركات إسلامية” و “شيوخ دين”، وما إلى ذلك من أدوار يمثلها هؤلاء ويرتدون لها المسوح ويصطنعون لها العبارات المفخمة، وما زالت غالبية العرب أشبه بقطعان لاتعرف الفرق بين الجزيرة والجزرة، ولا تعرف الفرق بين  يمينها وشمالها، في أجواء لوثت فيها كلاب الصيد وسممت وقتلت البشر والحجر والشجر، ولوثت فيها وسائط إعلام ذئاب الغرب وذيولها باللغة العربية وسائل الوعي والإدراك.

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة “كنعان” الإلكترونية أو محرريها ولا موقع “كنعان” أو محرريه.