“كنعان” تتابع نشر على حلقات كتاب ” نحن صنعنا تشافيز: تاريخ شعبي للثورة الفنزويلية”

 

تابع الفصل الثاني

 

إعادة العلاقةِ مع الجماهير

الحركةُ صوبَ الاشتراكيةِ ولا كوزا ر: عودة اليِسار الانتخابيّ

لم تعدْ على ما كانت عليه ثكنةُ سان كارلُس، القلعةُ التي بُنيت في القرنِ الثامنَ عشَرَ الواقعةُ وسطَ عمارةٍ حديثةٍ غيرَ بعيدٍ عن مركزِ مدينةِ كاراكاس القديمةِ. بل، لنقلْ، إنها أشياءُ كثيرةٌ: ثكناتٌ عسكريةٌ، والموقعُ الدامي لمحاولةِ انقلابِ عام 1945، والأسوأُ سمعةً أنها سجنٌ وغرفةُ تعذيبٍ للمعارضين السياسيين للديمقراطيةِ القمعيةِ في فنزولا. لكنها الآن شيءٌ مختلفٌ تماما. حين دخلتُها، كان علمٌ ضخمٌ للقواتِ المُسلَّحة للتحريرِ الوطنيِّ يُرفرفُ كسولاً أمامي. كان هذا السجنُ السابقُ قد استولَى عليه مغاويرُ حزبِ الثورةِ الفنزوليةِ السابقون، وهو الآن يُستخدمُ لتثقيفِ الناسِ حولَ فظائعِ النظامِ القديم.[i] ليس من العدل وصفُ سان كارلُس بالـ”مُتحف”؛ فهذا الذي يُديرُه من كانوا هم أنفسُهم سجناءَ سياسيين، إنما هو اليومَ نُصُبٌ يُمثِّلُ ذاكرةَ معاناتِهم وكفاحِهم. وإذ تمشَّيْتُ في الزنازينِ القديمةِ، وكثيرٌ منها لا تزالُ الشعاراتُ محفورةً على جدرانِها، قيلَ لي كيف أنّ قبوَ السجنِ كانت لا تزالُ فيه عند التحريرِ غرفُ التعذيبِ الاستعماريِّ – المعروفةُ باسم “tigritos” أي “النمورِ الصغيرةِ” – التي استخدمتها أيضاً حكومةُ ليوني.

بَيْدَ أنَّ سان كارلُس لا يُمثِّلُ معاناةَ الناسِ المكتومةَ فقط؛ بل يُمثِّلُ أيضاً كرامةَ المقاومة ومكرَها حقا. فمن هنا نُسِّقَ الهربُ المشهديُّ سنةَ 1967 ثم سنةَ 1975. هذا هو أساسُ أهميتِها الجديدةِ؛ واليومَ تتزيّنُ جدرانُها بوجوهِ الهاربين الأبطالِ، وبعضُهم أعضاءُ مشهورون في الحكومةِ (والمعارضة). ههنا، في شباط 1967، وجدت نفسَها النجومُ القياديةُ للحزبِ الشيوعيِّ الفنزوليِّ – بومبيو ماركيس، وتيودورو بِتْكُف، والإخوةُ ماشادو، وفْرِدي مانيوس، وغِليرْمو غارسيا بُنْسي. لم تكن المرةَ الأولى التي شاهدَ فيها بِتْكُف سان كارلُس من الداخلِ ولن يكونَ هروبُه منه هو الأوَّل. ففي سنة 1964، كان قد هربَ من المستشفى العسكريِّ بعد أن شرب لتراً من الدم تقيّأه بعد ذلك مصطنعاً نزفاً معويّاً؛ لكنه بعد أنْ وجد سبيلَه إلى الجبهةِ الغربية، اعتُقلَ ثانيةً وعاد إلى سان كارلُس لاحقاً في السنةِ ذاتِها.[ii] وعلى الفورِ تقريباً، خُطِّطَ لعمليةِ هروبٍ جديدةٍ: وقد شملت الخطةُ، التي أعطيت الاسمَ الرمزيَّ “الكتاب”، شابًّا سوريًّا عُرف باسم “سيمون العربيِّ”، ساعد في حفرِ الخندقِ الذي زاد طولُه على 200 قدمٍ من كشكٍ عبرَ الشارعِ خلالَ نيِّفٍ وثلاثِ سنواتٍ، ودليلُه الوحيدُ كان ضرباً خافتاً على آلةٍ كاتبةٍ من داخلِ الزنزانة.[iii] وفي 5 شباط 1967، نَفَذَ عبرَ هذا النفقِ كلٌّ من بِتْكُف، وماركيس، وغارسيا بُنْسي، وهو ما أسمته لومانِتيه (L’Humanté) [صحيفةُ الحزبِ الشيوعيِّ الفرنسيِّ] “هروبَ القرن”.[iv]

غيرَ أنّ الانقساماتِ التي ظهرت داخل جدرانِ سان كارلُس تعمّقت في الخارج. فبينما اتفقت القيادةُ السجينةُ على قرارِ الانسحابِ من الكفاحِ المُسلَّحِ، جوبهَ الجدلُ حول كيفيةِ الفعلِ بتحدٍّ جديدٍ: كيف تكون ردةُ الفعلِ تجاهَ الغزوِ السوفييتيِّ لتشيكُوسلُوفاكيا؟ اصطدم بِتْكُف مع قيادةِ الحزبِ الشيوعيِّ التقليديةِ قائلاً، إن التجربةَ التشيكيةَ كانت محاولةً لتطويرِ صيغةٍ جديدةٍ للاشتراكيةِ، وإنه بدلَ مقاومةِ الإمبرياليةِ من خلالِ فكرةِ الجبهةِ الشعبيةِ فقط، على الحزبِ الشيوعيِّ الفنزوليِّ أن يُحاولَ بناءَ اشتراكيةٍ في الوقتِ الراهن. ومقابلَ المنطقِ الإستراتيجيِّ “الديمقراطيةُ اليومِ، والاشتراكيةُ غداً” (وهو المنطقُ عينُه الذي أدَّى إلى الترددِ القاتلِ لدى الحزبِ الشيوعيِّ الفنزوليِّ حول الكفاحِ المُسلَّحِ)، كانت أُطُرُ الحزبِ الشابّةُ تقولُ بوضوحٍ، مردِّدةً قولَ نظرائها في الحركةِ اليِساريةِ الثوريةِ قبل عقدٍ من الزمن، “الاشتراكيةُ الآن!”[v] أما تيودورو بِتْكُف نفسُه الذي شجبَ قبل بضعِ سنينَ فقط دوغلاس برافو لانتهاكِه “المبادئَ المُقدَّسةَ للتنظيمِ” ولتشجيعِه “الأجنحةَ الحزبية”، فقد بدأ الآن يُسائلُ تلك المبادئَ ذاتَها بشكلٍ صريحٍ، وفي كانونَ الأولِ سنة 1970، انسلخَ الشبابُ الجذريون عن الحزبِ الشيوعيِّ الفنزوليِّ ليُشكِّلوا “الحركةَ صوبَ الاشتراكيةِ”.[vi] وبُعيدَ هذا الانشقاقِ، وصف بِتْكُف طموحَ أولئك الذين يؤلِّفون الحزبَ الجديدَ بأنهم “يخلقون تنظيماً ثورياً سيكونُ مُنفتحاً بما يكفي، فلا يُحاولُ فرضَ نموذجٍ قاسٍ على المجتمعِ الذي يعيشون فيه.” في هذا “التنظيمِ المُنفتِحِ”، لن يكونَ ثمةَ تقسيمٌ حاسمٌ بين المقاتلِ العنيدِ والمُتعاطفِ، ولا إصرارٌ على “أننا رجالٌ ذوو مزاجٍ خاصٍّ، وأننا، نحن الشيوعيين، مصنوعون من نوع خاصٍّ من الفولاذ.” لقد سعت “الحركةُ صوبَ الاشتراكيةِ” إلى مزجِ الاشتراكيةِ بروحِ “اليِسارِ الجديدِ” بديمقراطيتِها الداخليةِ، ساعيةً إلى بناءِ “تنظيمٍ أفقيٍّ تماماً تتقلَّصُ فيه المسافةُ كثيراً بين القيادةِ وقاعدتِها.”[vii]

غيرَ أن الكلماتِ شيءٌ والأفعالَ شيءٌ آخر. يرى إلمر أن الحركةَ صوبَ الاشتراكيةِ “الجديدة”َ قد أنجبتها انتهازيةٌ ذاتُ أسلوبٍ قديمٍ ومناورةٌ “مكيافِلِّيةٌ”: فقد جعلَ بِتْكُف وآخرون أنفسَهم منذ البدءِ أنصاراً لوحدةِ الحزبِ الشيوعيِّ الفنزولِّيِّ في محاولةٍ معيبةٍ لإيقاعِ أكبرِ ضررٍ ممكنٍ في الحزبِ قبل تركِه.[viii] ولقد أثمرت هذه الاستراتيجيةُ فوراً: فقد فوجئ المنشقون الشبابُ حين اختار بُمْبِيو ماركيس الكبيرُ سنًّا أن ينشقَّ معهم. وكما بات واضحاً عبرَ السنين، إن هذا النوعَ من الانتهازيةِ المكيافِلِّيةِ قد جعلَ من الصعبِ، إن لم يكن مُحالاً، معرفةَ ما إذا كان بِتْكُف يعني ما قالَه، وقد حقَنت هذه الصفةُ الحركةَ صوبَ الاشتراكيةِ بالسياساتِ المتناقضةِ تناقضاً فجًّا. فوق هذا، إن الضربةَ العبقريةَ الاستراتيجيةَ التي جاءت ببُمْبِيو ماركيس وغيرِه إلى الحركةِ صوبَ الاشتراكيةِ الوليدةِ استلزمت وجودَ مخاطرِها التي أدركَها القائدُ الغِواريُّ السابقُ ألفريدو مانيرو أبكرَ من أغلبِ الناس. يقولُ إلْنر، “لقد وُلدت الحركةُ صوبَ الاشتراكيةِ بتيّارين عقائديين مُحدَّدين،” “يِسارِ” بِتْكُف و”وسطِ” ماركيس، ومنذ البدء كان مانيرو “قال إن وجودَ ’الوسطيين‘ في الحزبِ الجديدِ سوف يُبطئُ عمليةَ مراجعةِ مبدأ الشيوعيةِ السلفيةِ وممارستِها.”[ix] وهكذا انسحبَ مانيرو، الذي يعدُّه الكثيرون “عضواً طبيعياً” في قيادةِ الحركةِ صوبَ الاشتراكيةِ، من مؤتمرِها التأسيسيِّ.[x] في هذه الأثناءِ، تعزَّزَ في الداخلِ ما كان يُقلقُه، وعُوِّض الوسطيون بشكل فخمٍ لقبولِهم تركَ الحزبِ القديمِ، كما أُدخلت في موقفِ الحزبِ المواقفُ التقليديةُ من الطبقةِ العاملةِ ومبدأُ الأجنحةِ الحزبيةِ، وسُمِّيَ ماركيس نفسُه أميناً عامًّا، بل إن الحزبَ الجديدَ تبنَّى الشعارَ القائلَ: “أكثرَ من أيِّ وقتٍ مضَى، إننا شيوعيون.”[xi]

وُلدت “الحركةُ صوبَ الاشتراكيةِ” كبدعةٍ بديلةٍ لسلفيةِ الحزبِ الشيوعيِّ الفنزوليِّ، لكنْ سريعاً ما أصبحَ واضحاً أن هذه البدعةَ لم تضعْها بالضرورةِ إلى يِسار سَلَفِها. فقد سعتْ هذه الحركةُ أولا إلى إعادةِ النظرِ في فكرةِ مركزيةِ الطبقةِ العاملةِ في بلدٍ كفنزولا، حيث يؤلِّفُ “العمالُ” الحقيقيون طبقةً صغيرةً ومميّزةً نسبيا (راجع الفصلَ السابع). بَيْدَ أنّ بِتْكُف، الذي رأى في هذا امتداداً لدروس الكفاحِ المُسلَّحِ فنصحَ بتجديدِ فكرةِ البروليتاريا لتشملَ أيضاً الطبقةَ “الهامشيةَ” غيرَ الرسميةِ (راجع الفصلَ التاسع)، تذبذبَ بين هذا الموقفِ والاحتفاءِ المفتوحِ بالطبقةِ الوسطى.[xii] وبغضِّ النظرِ عن هذا الاختلافِ في الموقفِ، بقي الحزبُ عينُه منتمياً بشرياً إلى الطبقةِ الوسطَى، بانياً عضويتَه بشكلٍ كبيرٍ على التلاميذِ والمهنيين. لكنْ، لما كانت الطبقاتُ الفنزوليةُ الوسطى مُمَيَّزةً نسبياً إبّانَ الطفرةِ النفطيّةِ في سبعيناتِ القرنِ العشرين، كانت الدلالاتُ السياسيةُ للتكوينِ الطبقيِّ هذا حاسمة: “لقد كان قَدَرُ الحركةِ صوبَ الاشتراكيةِ، حالُها كحالِ أيِّ حزبٍ يساريٍّ خارجٍ من القطاعاتِ المتميِّزةِ وقابلٍ بهذه القاعدةِ الاجتماعيةِ، أن تتّجهَ مع مرورِ الزمن صوبَ اليمينِ.”[xiii] وقد فاقمَ هذا الانزياحَ إلى اليمينِ موقفُ الحزبِ من الانتخاباتِ الموجَّهةِ سلَفاً والانتهازيةُ التي يُولِّدُها هذا الموقفُ، بحيثُ تتحوّلُ البدعةُ هنا إلى سلفيةٍ جديدة: “كان أعضاءُ الحركةِ صوبَ الاشتراكيةِ يرون دائماً في النتائجِ الانتخابيةِ الطريقةَ الفضلى لتقريرِ صوابِ مواقفِهم.”[xiv] فإنْ كانت المُهمةُ في الاتصالِ ثانيةً بالجماهيرِ، فإنّ الحركةَ صوبَ الاشتراكيةِ لا ترى تلك الجماهيرَ إلا من عدسةِ الانتخابات.

لقد كان انزياحُ الحركةِ صوبَ الاشتراكيةِ إلى اليمينِ بالسرعةِ التي حُذِّر منه. فبُعيْدَ تأسيسِها عامَ 1971، تخلّت هذه الحركةُ عن فوريةِ مطلبِ شعارِها “الاشتراكيةُ الآن!” وتبنّت بديلاً عنه لغةَ الإصلاحِ الجزئيِّ؛ وفي حماسِها لإرضاءِ المنتخبين، غابت إلى حدٍّ ما كلمةُ الاشتراكيةِ من حملتِها الانتخابيةِ الرئاسية.[xv] وكما أخبرني الشاعرُ الناقدُ لويس بريتو غارسيا، إنه كان مع الحركةِ صوبَ الاشتراكيةِ “إلى أن أصبحوا ديمقراطيين اجتماعيين،” ومن المؤكَّدِ أن هذا لم يستغرقْ وقتاً طويلا على الإطلاق.[xvi]غير أنّ ما كان الأشدَّ سخريةً – والأكثرَ كشفاً – حول الاستراتيجيةِ الانتخابيةِ المفرطةِ لدى هذه الحركةِ تمثَّلَ في فشلِها الذريع. وبالرغم من ترشيحِ الحركةِ صوبَ الاشتراكيةِ للصحفيِّ خوسيه فِنسِنت رانْغل، ذي الشخصيةِ الجذابةِ، وصاحبِ الاحترامِ على نطاقٍ واسعٍ، والمعروفِ جداً بفضحِه القتلَ خارجَ القانونِ الذي ارتكبته الحكومةُ، والذي خدمَ لاحقاً نائبَ رئيسٍ في عهد تشاقيز، لم تنلْ هذه الحركةُ إلا عدداً هزيلاً من الأصواتِ، بل تناقصَ هذا العددَ حين استدارت الحركةُ صوبَ الداخلِ ورشّحت بِتْكُف نفسَه عام 1983. وإذ كانت الكثرةُ من الفنزوليين تتطلّعُ إلى الأمانةِ والمسؤوليةِ في زمنِ الفسادِ، عُدَّتْ الحركةُ صوبَ الاشتراكيةِ في مسحٍ للرأي العامِّ سنة 1983 بأنها الحزبُ الأقلُّ أمانةً في الأفقِ السياسيِّ الفنزوليّ، وهذا حقاً إنجازٌ أمام المنافسةِ الشرسة.[xvii] لكنْ، حين وقعت الأزمةُ الاقتصاديةُ، بدت هذه الحركةُ بديلاً جذاباً لنظامِ الحزبين السائدِ يومئذٍ، فحظيت بنجاحٍ مُهمٍّ في الانتخاباتِ البلديةِ عام 1989. لكنْ، حين كانت الكثرةُ تتطلَّعُ إلى مخرجٍ لمعارضتِها الكليّةِ لديمقراطيةِ الحزبين النخبويةِ الفاسدةِ، ظهرت الحركةُ صوبَ الاشتراكيةِ بمظهرٍ دفاعيٍّ عن ذلك النظام، بل بمظهرِ المُعزِّزِ الوظيفيِّ له، في احتفالِها بما قدَّمَه للأمةِ حزبُ العملِ الديمقراطيِّ والحزبُ المسيحيُّ الديمقراطيُّ. وحين وجد النظامُ الحزبيُّ الفنزوليُّ نفسَه يسقطُ من غيرِ ما كابحٍ عقبَ انقلابِ تشافيز عام 1992، ألقت الحركةُ صوبَ الاشتراكيةِ بثقلِها مع ترشيحِ رفائيل كانديرا، مؤسِّسِ الحزبِ المسيحيِّ الديمقراطيِّ، وهو أحدُ ديناصوراتِ النظامِ القديمِ الذي لم يتأخّرْ زوالُه السياسيُّ إلا باعترافِه الانتهازيِّ بالأهميةِ الحقيقيةِ لانقلابِ 1992 (راجع الفصلَ الإضافيَّ الثاني).

غير أن النجاحَ المتواضعَ للحركةِ صوبَ الاشتراكيةِ انطمسَ حتى في المجالِ الانتخابيِّ على يدِ نوعٍ مختلفٍ جداً من الأحزابِ، حزبٍ كان أفضلَ تمثيلاً لانتقادِ الشكلِ الحزبيِّ لهذه الحركةِ، حزبٍ كان أثبتَ في إخلاصِه للتنظيمِ القائم على الحركةِ من القاعدةِ إلى القمةِ: أعني بذلك “القضية الجذرية” (La Causa Я). حين انسحبَ ألفريدو مانيرو من المؤتمرِ التأسيسيِّ للحركةِ صوبَ الاشتراكيةِ في كانونَ الثاني 1971، لم يفعلْ ذلك كي يُشكِّلَ حزباً جديداً؛ وإذ وافقت هذه الحركةُ المولودةُ حديثاً على نظامٍ أساسيٍّ ينتقدُ اعتبارَ “الحزبِ هدفاً بحد ذاتِه”، وضع مانيرو هذه النزعةَ إلى الشكِّ موضعَ التنفيذِ بالامتناع في البدءِ عن تشكيلِ حزبٍ أو حتى حركةٍ، بل شكَّل بدل ذلك مجموعةً عُرفت باسم فنزولا 83.[xviii] وقد جمعَ هذا “الموقفُ المُضادُّ للأحزاب” ما بين العداءِ الدائمِ للديمقراطيةِ التمثيليةِ الفاسدةِ وبين الاعترافِ القويِّ بالأخطاءِ الطليعيةِ لدى الكفاحِ الغِواريِّ، فكان بهذا أكثرَ انسجاماً مع مزاجِ البلادِ السياسيِّ اللاحقِ من الحركةِ صوبَ الاشتراكيةِ.[xix] وسيكون هذا “المُتبقِّي” من انشقاقِ الحركةِ صوبَ الاشتراكيةِ عن الحزبِ الشيوعيِّ الفنزوليِّ على درجةِ الإحباطِ عينِها من القديمِ والجديدِ. وإذ بذلت الحركةُ صوبَ الاشتراكيةِ كلَّ جهدٍ كي تنضوي تحت الأحكامِ الحاليةِ لنظامِ الديمقراطيةِ التمثيليةِ، ابتعدت جماعةُ “القضيةِ الجذريةِ” بشكلٍ أشدَّ حسماً عن هذه الأحكامِ، فاختارت، في البدءِ على الأقلِّ، أن تنحازَ إلى مبدأ الحركةِ “من القاعدة إلى القمة”، جاعلةً من نفسِها تنظيماً ديمقراطياً مباشراً يعملُ ضمنَ الحركاتِ الاجتماعيةِ وجنباً إلى جنبٍ معها.[xx] وإذ كان مانيرو والآخرون أقربَ بطريقةٍ ما إلى حزبِ الثورةِ الفنزوليةِ منهم إلى الحركةِ صوبَ الاشتراكيةِ، فقد وسَّعوا الدروسَ المأخوذةَ من فشلِ المغاويرِ، مُصرِّين على أنّ “بوسعِ الحركةِ الجماهيريةِ أن تحملَ على عاتقِها عبءَ إنتاجِ … قيادةٍ جديدة.”[xxi] وبالرغم من الاعترافِ بالقيادةِ التي استلزمَ هذا الرأيُ وجودَها، كان ذلك انسلاخاً خطيراً عن طليعيةِ الماضي وكذلك عن الطليعيةِ المعاصرةِ لدى “أتباعِ الحركةِ صوبَ الاشتراكيةِ [الذين] حافظوا على عقيدةٍ صوفية نوعاً ما في إدارتِهم للكفاح.”[xxii]

باتجاهِ هذا الهدف، حدّدت “فنزولا 83” ثلاثَ مناطقَ رئيسيةٍ للكفاحِ الحاليِّ لتُركِّزَ عليها طاقاتِها: الحركةَ الطلابيةَ في الجامعةِ المركزيةِ في كاراكاس، حيث بدأ مانيرو يدرسُ الفلسفةَ، ومصانعَ “سيدُر” للحديدِ في الشرقِ الفنزوليِّ الرطبِ، وحيَّ كاتيا ذا التاريخِ القتاليِّ في كاراكاس الغربية. وقد كرّست المجموعاتُ العاملةُ في تلك المناطقِ تحت رايةِ “فنزولا 83” نفسَها بالدرجةِ الأولى لإنشاءِ الصحفِ التالية: بْراغ في الجامعةِ المركزية، وكاتيا 83 في كاتيا، وإل ماتَنْسيرو في سيدُر (سُمِّيت باسم منطقةِ ماتنْساس الصناعية). ومن هذه الصحفِ كان للأخيرةِ فقط أثرٌ مُهمٌّ ودائمٌ، وقد كان رفضُ “فنزولا 83” اللاطليعيُّ تثبيتَ المواقفِ العقائديةِ سببَ معظمِ مشاكلِها اللاحقةِ، مما جعلَ مصيرَها مشابهاً بشكلٍ ساخرٍ للحركةِ صوبَ الاشتراكيةِ. فقد طُردت مجموعة بْراغ عام 1967 بعد مطالبتِها بإيضاحٍ عقائديٍّ أكبرَ؛ وكان أن نال خلفُها في ثمانياتِ القرن العشرين مصيراً مشابهاً، وهي مجموعةٌ فكريةٌ عُرفت باسم “منزل المياه الهادئة”.[xxiii] أما الأمرُ الأخطرُ، فكان في التحولِ السياسيِّ اللاحقِ الذي يسَّرَه هذا العداءُ للعقائديةِ. وحين مات مانيرو فجأةً وعلى غيرِ توقُّعٍ عامَ 1982، كان ذلك في أثناء توجيههِ صوبَ الوسط لهذا التنظيمِ الذي أصبح اسمُه عام 1979 “القضيةَ الجذريةَ”، فأدَّى الصراعُ الناتجُ على القيادةِ إلى خروجِ مجموعةِ كاتيا.[xxiv] أما النتيجةُ فكانت ثنائيةً: أنْ فقدَ الحزبُ الذي اعترفَ بأهميةِ الأحياءِ الفقيرةِ مبكِّراً جناحَه المدنيَّ، وهذا، مضافاً إليه استعداءُ المفكِّرين المسبقَ، يسَّرَ “التحوُّلَ العماليَّ”.[xxv] أما مانيرو، الذي هاجمَ ذاتَ يومٍ الحركةَ صوبَ الاشتراكيةِ بأنها أفرغت الاشتراكيةَ من محتواها واصفاً أعضاءها بالـ”غنمِ في لباسِ ذئاب، والغنمِ المُتعَبةِ” لمحاولتهم غزوَ الوسطِ بدلَ توحيد اليِسارِ، فقد وصل هو نفسُه من الجهةِ المُعاكسةِ إلى استنتاجٍ شبيهٍ: التحرُّكِ صوبَ الاشتراكيةِ – كالهيمنة العماليةِ والمشاركةِ المحليةِ – من غير استعمالِ اللفظةِ مطلقا.[xxvi] وبينما كانت تجاربُ “القضيةِ الجذريةِ” في الحكوماتِ المحليّةِ وفي الحركةِ العماليةِ مهمةً (راجع الفصل السابع) وأسهمت في توكيد الثورةِ البولِفاريةِ على الديمقراطيةِ التشاركيةِ، فقد أخذتهم هم أيضا الأحداثُ.

بينما بقيت الحركةُ صوبَ الاشتراكيةِ دائماً قوةً هامشيةً وألقت بثقلِها مع كالديرا في انتخاباتِ 1993، تعرّضت “القضيةُ الجذريةُ” لانفجارٍ مُفاجئٍ في تلك الانتخاباتِ بسببِ عنادِ مُنتقديها للنظامِ القديمِ ومحاولاتِ تغييرِه عمليا.[xxvii] غير أنّ هذا لم يكن كلَّ ما أظهرت؛ فبالرغم من أن الكثيرين يفترضون أن “القضيةَ الجذريةَ” مهّدت السبيلَ لانتصارِ تشافيز لاحقاً، كان هناك جدلٌ أكثرُ فطنةً مدفوعٌ من الأسفلِ ويشملُ أقساماً من الحزبِ ذاتِه. حين انتُخب رئيسُ “القضيةِ الجذريةِ” أندريس فيلاسْكيس لأول مرةٍ حاكماً لولايةِ بولِفار سنة 1989، كان في حاجةٍ إلى استثارةِ شبحِ العنفِ الشعبيِّ الجماهيريِّ وهبّةِ كاراكاس لإجبار نُخَبِ الحزبين الحاكمين على الاعترافِ بانتخابِه؛ وحين أُعيد تنصيبُه عام 1992، كان ذلك في أعقابِ انقلابَيْ شباط وتشرينَ الثاني، اللذين حدثا نتيجةَ هبّةِ كاراكاس.[xxviii] بَيْدَ أن أكبرَ انزعاجٍ حدث لـ”القضيةِ الجذريةِ” عام 1992 كان في انتصارِ أرِسطوبولو إسْتورِس عمدةً لكاراكاس. لكنّ هذا الانتصارَ لم يأتِ من فراغٍ: فقد كان إسْتورِس أحدَ عضوين في المجلسِ التشريعيِّ رفضا أن يشجبا محاولةَ انقلابِ تشافيز في شباط، وبدلا من ذلك انتقدا النظامَ السياسيَّ والسياساتِ اللبراليةَ الجديدةَ التي تمخّضت عنه (أما الثاني فكان كالديرا نفسَه). وهذا لا يكشفُ الفرقَ الجوهريَّ بين “القضيةِ الجذريةِ” والحركةِ صوبَ الاشتراكيةِ فقط (كان بِتْكُف شجب الانقلاب بشدة)، بل الانقسامَ العميقَ داخل الأخيرةِ: فقد كانت شريحةٌ مُهمةٌ من “القضيةِ الجذريةِ” قد حافظت على العلاقةِ مع المناضلين المُسلَّحين تحت الأرضِ ومع التياراتِ المُنشقَّةِ في الجيش كتيارِ تشافيز المُسمَّى الحركةَ البولِفاريةَ الثوريةَ-200. وبالرغم من أن “القضيةَ الجذريةَ” تنقسمُ على نفسِها حول السؤالِ عن دعمِ ترشُّحِ تشافيز – حيث تُشكِّلُ الأغلبيةُ “حزب الوطن للجميع” – فإن الانقسامَ الحقيقيَّ وقعَ أصلاً عند محاولةِ انقلابِ 1992.[xxix]

آلام احتضارِ نظريةِ الطليعية

إن كان مُحررو صحيفةِ لومانِتيه وصفوا الهروبَ من سجنِ سان كارلُس سنة 1967 بـ”هروبِ القرن”، وجبَ عليهم بعد أقلَّ من عقدٍ أن يبلعوا عبارتَهم. ذلك أنه حين تعزّزت عمليةُ العنفِ، المسماةُ بشكلٍ ساخرٍ العمليةَ السلميةَ، عانت التشكيلاتُ التي اختارت الاستمرارَ في الكفاحِ المُسلَّحِ من خسائرَ فادحةٍ؛ وكما حدث قبل عقدٍ من الزمنِ، انتهى الأمرُ بأغلبِ من اعتُقِلوا أحياءَ في سجنِ سان كارلُس. لم يكن جوفِنال واحداً منهم: ذلك أنه لم يُعتقَلْ قطُّ، بالرغمِ من دورِه المركزيِّ في عمليةِ الهروبِ من سان كارلُس سنة 1975 وفي المراحلِ المُتداعيةِ من الكفاحِ المُسلَّحِ الثوريّ. قابلتُ جوفِنال في الحرارةِ الخانقةِ في ماراكيبو في غربِ فنزويلا الغنيِّ بالنفط. وإذ اختبأنا في مقهىً مكيَّفِ الهواءِ هرباً من شمسِ الظهيرةِ التي فاقت حرارتُها 40 درجةً مئويةً، بدأنا نتناقشُ في تاريخِه وآرائه حول الغِوارِ المُسلَّحِ. كان جوفِنال، من بين عددٍ كبيرٍ من الشيوعيين، انضمَّ إلى الحركةِ اليِساريةِ الثوريةِ سنة 1964 وهو في الحاديةَ عشرةَ من عمرِه، وفي الرابعةَ عشرةَ ارتقَى إلى قيادةِ الشباب. وبالرغمِ من شبابِه، يروي أنّ “ثقافتَه اكتملت بالممارسةِ الثوريةِ،” إذ أن الحزبَ ثقَّفَه في المواضيعِ السياسيةِ والاستعدادِ القتاليّ. “كنا، نحنُ الشبابَ، مرتبطين بالكفاحِ في ذلك الوقتِ لأسبابٍ عاطفيةٍ … لكنّك في الحياةِ ومع تطوّرِ حالتِك القتاليةِ تأخذُ بعضَ القراراتِ تحت الضغط … فالقمعُ يُعزِّزُ الغضبَ، وهذا الغضبُ يتحوَّلُ شيئاُ فشيئاً إلى وعي.”[xxx]

بصفتِه مُحارباً في وحدةٍ قتاليةٍ تكتيكيةٍ مدنيةٍ في كاراكاس، كان جوفِنال يُضمرُ بعضَ استياءٍ بسببِ مُعاملةِ الكفاحِ المدنيِّ باعتبارِه ثانويا وحرساً خلفياً يُقدِّمُ التموينَ والمقاتلين للريف. وحين انسحب الحزبُ الشيوعيُّ الفنزوليُّ من الكفاحِ عام 1966، استمرت الحركةُ اليِساريةُ الثوريةُ، ولكنْ ليس من غيرِ ضغطٍ على التنظيمِ وتوتِّرٍ عظيمٍ بين هذه الحركةِ وحزبِ الثورةِ الفنزوليةِ-القواتِ المُسلَّحةِ للتحريرِ الوطنيِّ بقيادةِ برافو. في أواخرِ عام 1968، انسحبَ مؤسسُ الحركةِ اليِساريةِ الثوريةِ دومِنْغو ألبيرتو رانْغِل ساعياً وراء الشرعيةِ، وبعدَ سنةٍ انقسمَ من بقوا نشيطين إلى ثلاثِ مجموعاتٍ: فقاد أميرِكو مارتن المجموعةَ “الأصيلةَ” صوبَ التهدئةِ السلميةِ (منضمًّا لاحقاً إلى الحركةِ صوبَ الاشتراكيةِ عام 1968)، بينما انقسمت العناصرُ المٌسلَّحةُ الباقيةُ جوهرياً بحسب الأجيال. أما الأُطرُ الأكثرُ خبرةً من الجبهاتِ الشرقيةِ، فقد أنشأت “الرايةَ الحمراءَ” بقيادةِ أميرِكو سِلْفا، وكارلُس بيتَنْكورْت، وغابرِيِل بويرتا أَبُنْتي، أما الأعضاءُ الأصغرُ سنَّا من المفارزِ الأكثرِ مدنيةً، مثل يورخي رُدْريغِس، وفرناندو سوتو روجاس، وجوليو إسكالونا، فشكَّلوا “منظمةَ الثوار”.[xxxi]

كانت الانقساماتُ السياسيةُ في فنزولا، حسب قولِ جوفِنال، الذي انضمَّ هو نفسُه إلى مُنظمةِ الثوارِ، أحداثاً عاطفيةً جداً، وقد حوّلَ انقسامُ الحركةِ اليِساريةِ الثوريةِ المحبةَ الرفاقيةَ الأولى بين أعضائها إلى “كرهٍ عميقٍ” بين الثوارِ بقيَ حتى يومِنا هذا. وبالرغمِ من الجهدِ اللاحقِ لخلقِ بنيةٍ مُوحَّدةٍ من مغاويرِ حزبِ الثورةِ الفنزوليةِ والرايةِ الحمراءِ ومنظمةِ الثوار، فإن “هذا لم يتبلورْ قطُّ”. وعلى مدى سبعيناتِ القرنِ العشرينَ استمرَّت الأعمالُ الغِواريةُ بغيابِ حتى الحدِّ الأدنى من التنسيقِ بين الجبهات. قال جوفِنال محاولاً شرحَ الأمرِ بصعوبةٍ واضحة، “حسنا يا صاحبي! … فيما يتعلّقُ بهذه الأشياء، نحن اللاتينيين أغبياءُ، لا أعلمُ إنْ كان هذا الأمرُ موروثاً من الدمِ المحليِّ أو الإسبانيِّ أو الكاريبي الذي فينا….” فالطليعيةُ والبؤرويةُ لدى مُنظمةِ الثوارِ، كما كان الحالُ لدى حزبِ الثورةِ الفنزوليةِ قبلها، قد رُفضتا على الورقِ، لكنهما بقيتا في الممارسةِ، لأنهم “استمروا يرون التكرارَ عينَه في الكفاحِ الغِواريِّ بحسبِ البنيةِ نفسِها، من غيرِ ما علاقةٍ بالجماهير.” ففوق كلِّ شيءٍ، كان هذا التكرارُ للأخطاءِ القديمةِ هو ما جعل جوفِنال ينأى بنفسِه عن هذه المجموعةِ سنةَ 1973 تقريباً، مُيمِّماً شطرَ كاراكاس بحثاً عن روحٍ ثوريةٍ مُتجانسة.

هناك، في نسيمِ العاصمةِ العليلِ وحرارتِها السياسيةِ، واجه جوفِنال أحدَ أشدِّ الشخصياتِ إثارةً للجدلِ في التاريخ الفنزوليِّ الحديثِ، أعني كارلُس لانْس رُدْريغِس. وإلى جانبِ لانْس، وهو مغوارٌ قديمٌ كان لا يزال حتى حينئذٍ ينتمي لحزبِ الثورةِ الفنزوليةِ، أعار جوفِنالُ انتباهَه إلى سجن سان كارلُس. في هذا الوقتِ، كان سجنُ سان كارلُس مُكتظًّا بالمعتقلين السياسيين، ومنهم أغلبُ قياداتِ الرايةِ الحمراءِ وحزبِ الثورةِ الفنزوليةِ، وكذلك أعضاءُ منظمةِ الثوارِ وبُنتو سيرو [النقطة صفر]، الفرعِ القديمِ لحزبِ الثورةِ الفنزوليةِ.[xxxii] بدأت منظمةُ الرايةِ الحمراءِ، التي يُقالُ إنها المجموعةُ الأكثرُ نشاطاً في ذلك الحينِ والأعلى درجةً في القدرةِ التكتيكيةِ، في تنظيم عمليةِ حفرِ النفقِ داخلَ السجنِ، جاذبةً إليها مشاركةَ أُطرِ حزبِ الثورةِ الفنزوليةِ المعتقلين، ومنهم “إل فلاكو” بْرادا. سُمِّيت هذه المُهمّةُ باسم “عمليةِ جيسَس ألبيرتو فينول”، نسبةً إلى مُقاتلٍ من الرايةِ الحمراءِ يحملُ اسماً مستَعاراً هو “إل موتيلون”، كان، مثلما فعلَ بِتْكُف، قد نفّذ هروباً مشهدياً من المستشفَى العسكريِّ، لكنه قُتل بوابلٍ من الرصاصِ في كمينٍ نُصبَ له سنة 1973.[xxxiii]

قدَّم جوفِنال وكارلُس القوةَ الخارجيةَ، بمساعدةٍ ليست غيرَ ذاتِ أهميةٍ من لدن كاملِ مفرزةِ مغاويرِ الرايةِ الحمراءِ، البالغِ عددُها ستين مقاتِلا تقريبا. وقد استولىَ ستةٌ من هؤلاء المغاويرِ على بنايةٍ عبرَ الشارعِ بغيةَ تقديمِ غطاءٍ مُسلَّحٍ لعمليةِ الهروبِ؛ وبعد التلويحِ من على الشرفةِ بقطعةِ قماشٍ بيضاءَ، أخذتْ وحدةٌ ثانيةٌ في التحرّك. وإذ كانوا مُسلَّحين بسمّاعةٍ طبيةٍ، ومِثقبٍ كهربائيٍّ، ومِطرقةٍ ثقيلةٍ – ناهيك بالأسلحةِ الرشاشةِ – كانت مُهمَّتُهم الاتصالَ بالنفقِ من منزلٍ مُجاورٍ فوقه: “أرسلنا الإشارةَ وانتظرنا الاستجابةَ من رفاقِنا الذين كانوا في تلك اللحظةِ على بعدِ ثلاثةِ أمتارٍ تقريباً تحتَ أساس المنزلِ وعلى بُعدِ أكثرَ من خمسين متراً عن زنازينهم…. سمعنا تحت الأرضيةِ ثلاثَ ضرباتٍ بعيدةٍ، ضعيفةٍ، حذرة؛ كرَّرتُ الرمزَ فغدت الاستجابةُ مسموعةً أكثر: لقد كنا فوق هدفنا.”[xxxiv] على مدى ساعتين، كان المغاويرُ يعملون في ثَقبِ الأرضيةِ الإسمنتية، مُتستِّرين بدويِّ تلفازٍ لأحدِ الجيرانِ وبما أحدثته من صرفِ انتباهٍ مباراةُ البيسبول الحاسمةُ بين الفريقين المتنافسين القديمين، أسودِ كاراكاس وماغايّانِس. أدى الحفرُ الشديدُ إلى انهيارٍ لطيفٍ للأرضِ المُضاءةِ من الخلفِ وإلى ظهورِ وجهِ رفيقٍ قبعَ طويلا في السجنِ؛ وقبل حلولِ منتصفِ الليلِ في 18 كانونَ الثاني 1975، هرب عبرَ النفقِ الضيِّقِ ثلاثةٌ وعشرون سجيناً سياسياً من مختلفِ المُنظَّماتِ الغِواريةِ المُحاصَرةِ (منهم رفائيل أُسْكاتِغْوِي من حزبِ الثورةِ الفنزوليةِ وكارلُس بيتنْكورْت من الرايةِ الحمراء).[xxxv]

بَيْدَ أنّ ما أحدثه هذا الانتصارُ الخطيرُ من ابتهاجٍ شديدٍ لم يستطعْ إخفاءَ الانقساماتِ والتوتراتِ والخلافاتِ الكامنةِ. فبعد وقتٍ قصيرٍ، جاء كلٌّ من جوفِنال ولانس إلى “إل فْلاكو” بْرادا لمناقشةِ إمكانيةِ تغييرِ استراتيجيةِ حزبِ الثورةِ الفنزوليةِ وتكتيكاتِه، خاصّةً صوبَ المُهمّةِ التي لا تزالُ مُراوِغةً، ألا وهي العملُ الجماهيريُّ المباشر. لكنّ هذه المناقشاتِ انهارت: “تناقشنا وتناقشنا، نحن في الوضعِ عينِه، الرفاقُ لا يريدون أن يفهمونا، أجبرَنا هذا على خلقِ شيءٍ جديدٍ كلياً، أو ما يُفترَضُ أنه جديد، وأنْ نمضيَ بحسبِ ما نؤمنُ به، وهكذا أعدنا تجمُّعَنا.” من السخريةِ أن جوفِنال ولانس، بالرغمِ من اعترافِهما بأخطاءِ الماضي – غطرسةِ الطليعيين ومبدأ البؤرة الانعزاليِّ – كثيراً ما كرّرا تلك الأخطاء. قال لي جوفِنال بنوعٍ من الفكاهةِ المُرّةِ، “كنا نتكلّمُ ونقولُ ’سوف نُغيِّرُ الأمور،‘ ثم لا نلبثُ أنْ نقعَ في الحفرةِ ذاتِها كما من قبلُ لأننا اجتمعنا تحديداً لأجل عملية عسكريةٍ، عمليةِ نِيهاوْس.” في 27 شباط 1976، أولَ ليلةٍ في المهرجانِ وقبلَ هبّةِ كاراكاس بثلاثَ عشْرةَ سنةً، برز لانس وجوفِنال وآخرون غيرَ مُسلَّحين أمام بابِ رجلِ الأعمالِ الأمريكيِّ وليم نِيهاوْس. وحين فتحت البابَ إحدى الخادماتِ، صاح بها نِيهاوْس، وكان مرتاباً أصلا، أن تُغلقَ البابَ، لكنّه كان مُتأخراً، فقد أعاقَ أحدُ المُهاجمين البابَ بقدمِه ودخلَ الأعضاءُ الآخرون لذلك التشكيلِ الذي لما يزلْ غيرَ مُسلَّحٍ، وعُرفَ لاحقاً بالمجموعةِ الغِواريةِ الثوريةِ، وأخذوا نِيهاوْس رهينة.

شُرحت تلك العمليةُ بالتفصيل في نصٍّ موقَّعٍ باسمٍ مستعارٍ بشكلٍ واضحٍ هو غاسبَر كاسترو روجاس (أي GCR، الأحرف الأولى من اسم المجموعةِ الغِواريةِ الثوريةِ [بالإسبانية])، وعنوانُه “كيف اختطفنا نيهاوْس”.[xxxvi] شرحَ لي جوفِنال أصلَ العملية، وقد سألني أنْ لا أذكرَ التفاصيلَ بدقّةٍ، كأرقامِهم وأسمائهم الرمزيةِ. كانوا استوْحَوْا الأمرَ من اختطافِ سفيرٍ أمريكيٍّ سنةَ 1969 من قِبَلِ الحركةِ الثوريةِ البرازيليةِ “حركة 8 تشرين الثاني” (التي كانت الرئيسةُ البرازيليّةُ الحاليّةُ دِلْما روسِف عضواً فيها ذات يوم).([1]) وفي محاولةٍ من جوفِنال ولانس للتغلّبِ على “عصبيتِهما العقائدية”، طلبا الدعمَ من “منظمةِ الثوار” و”الرايةِ الحمراءِ”، وكانت الأخيرةُ في لجّةِ الانقسامِ ثانيةً. وقد أُطلقَ على العمليةِ اسمُ أرجِميرو غابالدون، القائدِ الأسطوريِّ للكفاحِ الغِواريِّ المُبكِّرِ في الغربِ الفنزوليِّ الأوسط، الذي كان يتمتّعُ بتأييدٍ جماهيريٍّ غيرِ مسبوقٍ، لكن هذا الاسمَ كان غيرَ مناسبٍ بشكلٍ كبير: فبالرغم من اعتراف جوفِنال ولانس بأنّ غيابَ الدعمِ الجماهيريِّ كان كاحلَ أخيل للكفاحِ المُسلَّحِ، لم تُصحِّحْ عمليتُهما الجديدةُ هذا الخطأ.

كان المغاويرُ المدنيون تسلَّلُوا سابقاً إلى شركة نيهاوس، أُووِنْز-إلينوي، واكتشفوا كنزاً حقيقياً من وثائقَ تشهدُ على فسادٍ في أعلى مستوياتِ الحكومةِ الفنزوليةِ، وكذلك مساعيَ الشركاتِ العالميةِ للتدخّلِ في السياسةِ المحلية. وقد أضاف المغاويرُ إلى هذه الوثائقِ التي ضُبطت في منزلِ نيهاوْس بأنْ أصدروا شجباً نشروه على الملأ للشركاتِ العالميةِ ولحكومةِ كارلُس أندريس بيريس. وحسب التعبيرِ الهستيريِّ المتوقَّعِ من الصحافةِ الأمريكيةِ أنّ “الإرهابيين نسبوا أنفسَهم إلى حركةٍ يِساريةٍ غيرِ معروفةٍ تُسمَّى ’قيادة أرجِميرو غابالدون الثورية‘. وبدلا من طلب فديةٍ نقديةٍ، طالبوا أُووِنْز-إلينوي بما يلي: (1) أنْ تدفعَ لكلِّ واحدٍ من مستخدَميها الفنزوليّين البالغِ عددُهم 1,600 مستخدَم مبلغ 116 دولاراً تعويضاً عن ’استغلالهم‘؛ (2) أنْ تُوزِّعَ 18 ألف رزمةِ طعامٍ للأسرِ الفقيرةِ؛ (3) أنْ تشتريَ مساحةً في الصحفِ الفنزوليةِ والأجنبيةِ لبيانٍ طويلٍ، يكتبُه المتطرِّفون، يشجبُ الشركةَ وحكومةَ كاراكاس. وإلا فإنهم سيقتلون نيهاوْس.”[xxxvii]

إلى زمنٍ ما، أثبتت استراتيجيةُ المغاويرِ نجاحَها، مُوقعةً شرخاً بين الدولةِ الفنزوليةِ الفاسدةِ وشركة أُووِنْز-إلينوي، ومُحرِّكةً فعاليّةً غريبة: ففي مسعاها لتحرير نيهاوس، نفذت أُووِنْز-إلينوي هذه المطالبَ الثلاثةَ، لكنها في تنفيذِها المطلبَ الثالثَ استثارت غضبَ حكومةِ بيريس. وحسب بيانٍ حكوميٍّ، “لقد أهانت [أُووِنْز-إلينوي] كرامةَ البلادِ وعزّزت تقويضَ نظامِنا الدستوريِّ” بنشرِها بيانَ الخاطفين، فجرى تأميمُها على الفور.[xxxviii]

بينما كان أطولُ اختطافٍ سياسيٍّ في تاريخِ فنزولا عمليةً نظيفةً بالتعبيرِ العسكريِّ، سريعاُ ما أصبحَ مع الوقت غيرَ مستقرٍ سياسياً وكارثياً في نهايةِ المطاف. ففي تموز 1976، اعتُقل العديدُ من أعضاءِ “العُصبةِ الاشتراكيةِ”، وعُذِّبَ حتى الموتِ من قِبَلِ مخابراتِ الحكومةِ أهمُّ قادتِهم، يورخي رُدْريغِس (والدُ نائبِ رئيسٍ حديثِ العهدِ يحملُ الاسمَ ذاتَه).[xxxix] وإذ جُنَّ جنونُ المخابراتِ، أخذت تعتقلُ كلَّ من تراه في وجهِها، حتى أعضاءَ المجلسِ التشريعيِّ ممن حاولوا التفاوضَ على إطلاقِ سراحِ نيهاوس. ومع اقترابِ الذكرَى السنويةِ الأولى لعمليةِ الاختطافِ، اعتُقلَ لانس عند حاجزِ تفتيشٍ للشرطةِ في ولايةِ بولِفار الشرقيةِ، غيرَ بعيدٍ من المكانِ الذي اكتُشف فيه نيهاوس حيًّا بعد أكثرَ من سنتين.[xl] من بين جميع الأمكنةِ، أُعيد لانس إلى سجن سان كارلُس، ليبقَى أكثرَ من ثماني سنواتٍ في سجنٍ كان ساعدَ فيه ثلاثةً وعشرين ثائراً على الهربِ قبل سنتين فقط. لكنْ، إن كان اختطافُ نيهاوس نجاحاً تكتيكياً من نوعٍ ما، وحتى نجاحاً سياسياً في بعضِ الجوانب، فإن قلةً قليلةً ستقولُ إنه كان يستحقُّ ردةَ الفعل التي استثارها: فقد اعتُقل حوالي أربعمائةٍ من قادةِ الثوار وقُتل كثيرون كنتيجةٍ مباشرة.[xli]

روايةُ لانس عن عمليةِ نيهاوس السيئةِ الصيتِ وتبعاتِها – التي نُشرت من زنزانتِه في لاس كارلُس – حادّةٌ في جدليّتِها لكنها مُقنعةٌ نظرياً وتحليلٌ أصيلٌ من داخلِ بنيةٍ ماركسيةٍ صارمةٍ لظاهرةِ الفسادِ بالاستيلاءِ على العملِ وتقديسِ السلعة.[xlii] فالفسادُ، حسبَ لانس، ينزعُ إلى أن يُعامَلَ كـ”قضيةِ أخلاقٍ وفضيلة،” لكنّ “هذا التفسيرَ يُخفي الظروفَ الاقتصاديةَ والاجتماعيةَ التي تجعلُ ظاهرةَ الفسادِ مُمكنةً، مُقدّماًً لها غطاءً أو عذراً أخلاقيا.”[xliii] وفي دفاعِه في محاكمتِه، يُردِّدُ لانس ملحمةَ فِدِل كاستْرو،سيغفر لي التاريخُ، مُنكِراً مشاركتَه في عمليةِ الخطف، لكنه يستغلُّ الفرصةَ لشجبِ الفسادِ الذي فضحته تلك العملية. “أفتخرُ بأنْ أُصبحَ من يتَّهمُ نظامَ كارلُس أندريس بيريس، لأن من يُراجعُ حياتي لن يجدَ شيئاً سوى الثباتِ الثوريِّ والتضحية. إني لأتحمّلُ كلياً تبعاتِ أني تصرّفتُ ومُستمرٌّ في التصرّفِ كشيوعيٍّ ثوريٍّ؛ فإنْ عدّت هذه المحكمةُ مثلَ هذا التصرّفِ خليقاً بالإيمانِ، أمكنني القولُ إني سأتحمّلُه بثباتٍ لأني أومنُ بأنّ المُستقبلَ لنا، والنصرَ آتٍ دائما.”[xliv]

إن السياقَ الذي اجتمعتُ فيه بكارلُس لانس شهادةٌ على حقيقةِ “إيمانِه” التي لا تُصدَّقُ بالمستقبل. ففي ناطحةِ سحابٍ مُشرفةٍ على محطةِ قطارِ الأنفاقِ في لاهويادا في كاراكاس الوسطى، أخذني لانس سريعاً، مروراً بالأمن ثم صعوداً بالمصعدِ، إلى وزارةِ التعليمِ العالي، حيث عُيِّنَ حديثاً نائباً للوزير. وبالرغم من كوني معتاداً على وزاراتِ الحكومةِ الفنزوليةِ، فوجئتُ بفخامةِ وزارةِ التعليمِ العالي، التي تتفاخرُ بأرضيتِها من الخشبِ الصلبِ والأثاثِ الحديثِ المتواضع. وإذ صدمني الوضعُ السرياليُّ – بأن أقابل “إرهابياً” مُداناً وسطَ هذا الانحطاطِ الذي ترعاه، فوق هذا، حكومةٌ “ثورية” – عنّت ببالي، مع هذا، نكتةٌ خرقاءُ قلتُها بعصبيةٍ، “حسناً، إنها أفضلُ من سان كارلُس.” لكنّ لانس مؤثرٌ بشكل مُذهل، فلم أكن بحاجةٍ إلى أن أطرحَ أسئلتي، لأنه ببساطةٍ يُقدِّمُ المعلوماتِ بأسرعَ مما أستوعبُها، معلوماتٍ عن ماضيه، ونفوذِه، ومسارِه الفكريِّ والسياسيِّ، وآرائه في التسييرِ الذاتيِّ العماليِّ، ووقتِه كرئيسٍ لشركةِ الألمنيوم، ألكاسا، التابعةِ للدولةِ، ودورِه في تشكيل الإصلاحاتِ التعليميةِ للثورةِ البولِفارية. لكنه أصرَّ على القول، “تستطيع أن تحصل على هذا من الوثائقِ، لكني عشتُها في تجربتي العملية.”[xlv]

انضمَّ لانس للكفاحِ المُسلَّحِ لأولِ مرةٍ عن طريقِ “الشبابِ الشيوعيِّ” عام 1961، فوجد نفسَه عام 1965 في جبال فالكون مع دوغلاس بْرافو، الذي أسّس معه بعد ذلك بسنةٍ حزبَ الثورةِ الفنزوليةِ-القواتِ المُسلَّحةَ للتحريرِ الوطنيِّ. وبرأي لانس، إنّ من انضمُّوا إلى الكفاحِ المُسلَّحِ قد عكسوا تعدديةً انتقائيةً من وجهاتِ النظر – من نظريةِ البؤرةِ حسبَ أسلوبِ دبراي إلى الماويةِ الريفيةِ، ومن مبدأ الضربةِ الصاعقةِ العسكريةِ التكيّفِ إلى مقاربتِه المستوحاةِ من “الكتائب الحمراء” التي حدّدها بمحتوىً طبقيٍّ حازم. لكنّ هذه الخياراتِ الظاهرةَ كلَّها كانت تشتركُ في عنصرٍ أساسيٍّ واحدٍ: طليعيتِها. يشعر لانس أنّ التجريبَ النظريَّ لدى حزبِ الثورةِ الفنزوليةِ، مع كلِّ مجهوداتِه، كان، في الحقيقةِ، محدوداً جداً: فالعقائدُ الماركسيةُ السائدةُ المتعدِّدةُ – من ستالين إلى ماو، ومن فيتنام إلى كوريا الشمالية – إنما وقفت غيرَ مرتاحٍ بعضُها إلى جانبِ بعضِها الآخر، مع مجالٍ ضيِّقٍ لأفكارٍ ضئيلةٍ ضعيفة مأخوذةٍ من مارْياتِغوي. ويُشبِّهُ لانس هذه المقاربةِ بأنها “فاتيكان”، لأن المغاويرَ في خلافاتِهم وانقساماتِهم إنما “يُغادرون كنيسةً ليقيموا أخرى، ويتركون نموذجاً ليُنشئوا آخر. لم يكن ثمةَ بحثٌ حقيقيٌّ لطريقتنا نحن في التفكير.[xlvi] وبشكلٍ أشدِّ حدةً، يُصرُّ لانس على أنه لم يكن في فنزولا قطُّ استراتيجيةٌ لحربِ غِوارٍ تُفهَمُ على أنها تراكمٌ لقوىً مدفوعةٍ في نهاية المَطاف صوبَ إبادةِ العدوِّ. أما الكفاحُ المُسلَّحُ، فلم يخدمْ إلا كنقطةِ ارتكازٍ لتحريكِ انقلابٍ أو، أسوأ من ذلك، كورقةِ مساومةٍ لأولئك الذين يسعون إلى “التهدئة”. وقد كان هذا، في جزءٍ منه، لأنه برلمانيٌّ في تكوينِه العقائديِّ والبشريِّ بشكلٍ غريبٍ: فهو متعدّدُ الطبقات، قوميٌّ، شعبيٌّ، بوعيٍ برجوازيٍّ صغيرٍ كان ما أورثته الجبهويةُ الشعبيةُ الستالينية.

ابتداءً من العام 1974، أخذ لانس وآخرون في حزبِ الثورةِ الفنزوليةِ يغوصون بحثاً في اليِسارِ الماركسيِّ المتطرِّفِ، وتحديداً في مبدأ التسييرِ الذاتيِّ الإيطاليّ. وإذ استلهمَ لانس المركزيةَ الطبقيةَ الجذريةَ من بعضِ المؤلِّفين من أمثالِ أنطونيو نِغْري([2]) – ذي الكتابين المشهورين الإمبراطورية والتعدُّد – فإنه، كالحكومةِ الإيطاليةِ،  ربطَ مُخطئاً نظريةَ التسييرِ الذاتيِّ بالممارسةِ الجذريةِ للعدالةِ الشعبيةِ التي أسستها “الألويةُ الحمراءُ” في إيطاليا. فكان هذا التقدّمُ النظريُّ هو الذي قاد لانس وجوفِنال وآخرين إلى القيامِ بعمليةِ نيهاوس.[xlvii] غير أنّ جوفِنال، إلى جانبِ هذه المصادرِ، يُضيفُ أنّ أولئك النشطاءَ في المجموعةِ الغِواريةِ الثوريةِ يسعَوْنَ إلى تعميقِ وتوسيعِ استكشافِ حزبِ الثورةِ الفنزوليةِ للجذورِ المحليةِ بحثاً عن “جذورِنا”؛ لقد درسوا “الجذورَ الثلاثةَ” للبولِفاريةِ قبل تشافيز بزمنٍ طويل، وسعَوْا إلى استلهامٍ محليٍّ من لدن توباك أمارو والجيراجارا المتمردين،([3]) وانغمسوا في البحثِ في اللاهوتِ التحريريِّ، مستندين في كلِّ هذا إلى أساس صلبٍ مأخوذٍ عن مارْياتِغوي. يقول جوفِنال إنهم يميلون إلى أن يلوُوا العصا إلى حدِّ البدعةِ – “كاللاتينيين اوالكاريبيين الجيدين، تخلينا عن الماركسيةِ كلياً!” – فانتهَوْا بدل ذلك في “المزكولانزا“، وهي خلطةٌ أشدُّ فوضويةً من خلطةِ حزبِ الثورةِ الفنزوليةِ.

في أعقابِ عمليةِ نيهاوس وما سبّبته من قمعٍ للحركةِ الأوسع، مضت كثرةٌ من المجموعاتِ المُسلَّحةِ تتخبّطُ في سيرِها، وتزعَّمَ جوفِنال المنظمةَ الغِواريةَ المدنيةَ المعروفةَ باسمِ “فِنْسيرِمُس” التي انتظمت البلادَ كلَّها، والتي أتقنت تكتيكاتِ الضربِ والهربِ وسرقةِ البنوكِ من غير الاتصال حقيقةً بالجماهير: “وهناك ارتكبنا الخطأَ ذاتَه،” قالها جوفِنال بضحكةٍ يائسةٍ ثم أضاف، “استمررنا في تطبيق مبدأ البؤرة. ثمّ بدأنا نتكلّمُ عن حقيقةِ أن الكفاحَ يحتاجُ إلى أن يكونَ سياسياً في أساسِه، وأنه يحتاجُ إلى اقترابٍ أعمقَ من الجماهيرِ، وإلا اختفينا؛ والحقيقةُ أننا كدنا نختفي.” عند نهايةِ سبعيناتِ القرنِ العشرين، واجهتْ الحركةُ الغِواريةُ الفنزوليةُ هزيمةً طويلةً ممتدّةً – موتاً بطيئا. لقد أجبرها القمعُ على العمل السريِّ، مما أسهمَ في انعزالِها عن الجماهيرِ، فوجدت هذه المنظماتُ الغِواريةُ المدنيةُ المتهافتةُ أنفسَها معزولةً عن الجماهيرِ كحالِ مثيلاتِها الريفيةِ قبل عقدٍ من الزمن.

 

 


[1] دِلما روسِف، المناضلة الماركسية، وُلدت في 14 كانون الأول 1947، وتولت رئاسة البرازيل في الأول من كانون الثاني 2011، خليفةً للرئيس لويس إناسيو لولا دي سِلفا، الذي كانت تتولى رئاسة ديوانه.

[2] الإيطاليُّ أنطونيو نِغري فيلسوفٌ سياسيٌّ ماركسيٌّ اجتماعيٌّ، وُلد عام 1933 في بادوا، إيطاليا، وعمل أستاذاً في جامعتها. اشتُهر بكتابِه الإمبراطورية، الذي شاركه في كتابته مايكل هاردت. تأثر نِغري بماركس وسبينوزا، وهو مؤسس مجموعة “سلطة العمال” عام 1969. [المترجم]

[3] توباك أمارو (1545-1572) كان آخر ملوك دولةِ الإنكا في بيرو، وقد أعدمه الغزاة الإسبانيون. أما الجيراجارا أو الجيرارا، فهم قوم من “الهنود الحُمر” كانوا يقطنون شمال غرب فنزولا وانقرضوا في منتصف القرن السابع عشر. [المترجم]


[i] فيما يتعلق بتاريخ استعادة سان كارلس، راجع:

Carlos Martinez, Michael Fox and JoJo Farrell, eds., Venezuela Speaks! Voices from the Grassroots, (Okland, CA: PM Press, 2010), 152-53.

[ii] Norman Gall. (1973). “Theodoro Petkoff: The Crisis of the Professional Revolutionary. Part II: A New Party,” January, http://www.normangall.com/venezuela_art4_2.htm.

[iii] فيما يتعلق بسيمون العربيِّ والهروب، راجع:

Alejandra Otero. (2006). “Siete Dias,” El Nacional, August 20, D4; Gall, “Theodoro Petkoff II”; Guillermo Garcia Ponce, El Tunel de San Carlos (Caracas: Ediciones La Muralla, 1968); Petkoff, “Como nos fugamos de San Carlos,” Elite (1967), 47-53.

[iv] Gall, “Theodoro Petkoff I”

[v] Ibid.

[vi] Steve Ellner, De la Derrota Guerrillera a la Politica Innovadora: El Movimiento al Socialismo (MAS). Caracas: Monte Avila, 1992), 57.

[vii] Gall, “Theodoro Petkoff II.

[viii]  Steve Ellner, De la Derrota Guerrillera a la Politica Innovadora, 67.

[ix] Ibid., 72.

[x] Margarita Lopez Maya, Del Viernes Negro al Referendo Revocatorio. (Caracas: Alfadil, 2005), 135.

[xi] Ellner, Op. Cit., 69-70.

[xii] Ibid., 79.

[xiii] Ibid., 81.

[xiv] Ibid., 111.

[xv] Ibid., 94-95.

[xvi] مقابلة مع لويس بريتو غارسيا، 24 نيسان 2008.

[xvii] Ellner, Op. Cit., 97.

[xviii] Ellner, Op. Cit., 70; Lopez Maya, Del Viernes Negro, 138.

[xix] Ellner, Op. Cit., 155.

[xx] Maneiro, Notas Nigativas, 5-6, 10.

وهكذا تكون صحيحةً جزئيا مقولة مارغاريتا لوبيس مايا إن “القادة من أمثال مانيرو وبتكُف سيجهدون كي يجدوا صلة جديدة مع الحركات الشعبية”. (Del Viernes Negro, 137-8). أما لويس بونيلا-مولينا و هايمن إل ترودي، فيميزان ما بين “الإصلاحيين” مثل الحركة صوبَ الاشتراكيةِ والحزب الشيوعي الفنزولي وبين “الوسطيين” مثل القضية الجذرية. راجع:

Historia de la Revolucion Bolivariana: Pequena Cronica, 1948-2004. (Caracas: Universidad Bolivariana, 2004), 48

[xxi] Maneiro, Notas Nigativas, 102-103.

لم يرفض مانيرو وغيره فكرة الطليعية رأساً، بل رأوها بدل ذلك ضرورية وخطرة معا. قالوا إن الطليعي الحقيقي يجب أن يكون النتيجة لا السبب، متولداً من “صلات أصيلة مع الحركة الجماهيرية” (30-40).

[xxii] Ellner, Ibid, 104.

[xxiii] Lopez Maya, ibid, 141-42.

يلاحظ غولدفرانك، حسب بابلو مادينا، وهو عضو قديم في القضية الجذرية، أن منطقة إضافية من التركيز قد وجدت، قوامها اتصالات داخل الجيش. راجع:

Deepening Local Democracy in Latin America: Participation, Decentralization and the Left. (University Park: Penn State University Press, 2011), 43.

ينتقد إلنر مانيرو باعتباره “مضادا للعقيدة”، بينما يعده غويليرمو ييبيس سالاس مضادا للثفافة. راجع:

La Causa R: Origen y Poder. (Caracas: Tropykos, 1993).

راجع أيضا:

Bonilla-Molina and El Troudi, Historia de la Revolucion Bolivariana, 50-51n53.

وحول دور القضية الجذرية في تثبيت النظام الفاسد بشكل ساخر، راجع:

Julia Buxton, The Failure of Political Reform in Venezuela. (London: Ashgate, 2001).

[xxiv] Lopez Maya, ibid, 1445-46.

[xxv] Ibid., 146.

[xxvi] Ibid., 144.

[xxvii] حول تجارب القضية الجذرية، راجع:

Marta Harnecker, Haciendo Camino al Andar: Experiencias de ocho gobiernos locales. (Caracas: Monte Avila, 1994).

[xxviii] Lopez Maya, ibid, 149.

[xxix] مقابلة مع رَفائيل أُسْكاتِغْوِي، في 27 أيار 2008.

[xxx] مقابلة مع جوفِنال، ناركيبو، في 18 أيار 2008

[xxxi] Pedro Pablo Linarez, Luca Armada en Venezuela. (Caracas: Universidad Bolivariana, 2006), 168.

[xxxii] كان أحد أعضاء بُنتو سيرو ممن كلمتهم مع (إيليو) معتقلاً في سجن سان كارلس من سنة 1971 إلى 1979. لكنه لم يستطع المشاركة في هروب عام 1975 لأنه كان في الطبقات العليا من السجن. ولم يُفرج عنه إلا بعد أن بدأ أعضاء بُنتو سيرو ينضمون إلى الأحزاب الأخرى كسبيل إلى الشرعية.

[xxxiii]Bonilla-Molina and El Troudi, Historia de la Revolucion Bolivariana, 53-54.

[xxxiv] Pedro Reyes Millan. (2004). “1975: la fuga del cuartel San Carlos,” Apporrea.org, January 16, http://www.aporrea.org/ddhh/a19479.html.

[xxxv] بقي سان كارلس سجنا سياسياً حتى عام 1988، حين أُطلق سراحُ زعيم الراية الحمراء آنئذٍ، غبريال بويرت أبونتي – الذي هرب من السجن عام 1975 ليعود إليه ثانية سنة 1982. بيد أن سان كارلس عاد إلى هذا الدور في أعقاب انقلاب تشافيز الفاشل سنة 1992. وقد وجد الرئيس المستقبلي نفسه بين هذه الجدران المألوفة حتى عام 1994 حين أطلق سراحَه رفائيل كالديرا.

[xxxvi] Caspar Castor Rojas, Como Secuestramos a Neuhous. (Caracas: Editorial Fuentes/Tres Continentes, 1979.

راجع أيضاً:

Pedro Mathison Leon, Las Verdades y Mentiras del Rescte de Niehous. (Caracas: Comala, 2001); Ezequiel Diaz Silva, Los Secretos de Niehous. (Caracas: Seleven, 1979).

[xxxvii] “Venezuela: Terror and Takeover,” Time magazine, 19 Apr. 1976, http://www.time.com/time/marazine/article/0,9171,914076-1,00.html

[xxxviii] بالرغم من أن أياً من المصادر الصحفية المحلية لم تنشر هذا البيان، ربما خوفاً من التبعات السياسية، لم يحل ذلك دون اعتداء الحكومة على الحرية الصحفية: فقد فُتشت محطة التلفزة الفنزولية وحُقِّق مع مديرها لمقابلة مزعومة مع أحد أعضاء المجموعة الغِوارية الثورية، كذلك فُتشت جريدتا إل ناسيونال ولا فيرداد وصودر عددا ذلك اليوم. راجع:

Carlos Lanz Rodrigez, El Caso Niehous y la Corrupcion Administrativa. (Caracas: Editorial Fuentes/Tres Continentes, 1979), 20.

[xxxix] حسب البعض، كان إفان نولاسكو بادِلا، الذي كان نائب وزير الثقافة في حكومة تشافيز، هو من خضع للتعذيب فتعرّف على ردريغيس كأحد المشاركين (Martinez et al, Venezuela Speaks!, 158n12). للاطلاع على رواية بادِلا عن دوره في تشكيل المجموعة الغِوارية الثورية وعملية نيهاوس، راجع  (Linarez, Locha Armada, 181-83).

[xl] Lanz, El Caso Niehous, 20-22.

[xli] Leslie Bethell, ed., The Cambridge History of Latin America, Volume VIII: 1930 to the Present. (Cambridge: Cambridge University Press, 1991), 777.

[xlii] Lanz, El Caso Niehous, 10.

[xliii] Ibid., 11.

[xliv] Ibid., 177.

[xlv] مقابلة مع كارلس لانس ردرغيس، 26 أيار 2008.

[xlvi] يوافق جوفنال على ذلك، واصفاً حزب الثورةِ الفنزوليةِ بأنه منظمة “سلفية” لم يسع إلا إلى صلات مع الماركسية الناقدة.

[xlvii] راجع أيضاً (Lanz, El Caso Niehous, 125,).