من الفكر القانع إلى الفكر التنويري المقاوم

نبيل فوزات نوفل

مع تعاظم شأن العولمة المتوحشة، بدأ يتعاظم دور الفكر القانع في المجتمعات البشرية عامة، وفي وطننا العربي خاصة، وذلك من خلال تنامي انفصام شخصية المجتمع البشري، وانحسار قيم ومبادئ الإنسانية، وتفاقم الفساد في إدارة شؤون الناس، وتردي رؤية مستقبل العالم الذي يحتوي وجودنا البشري والبيئي، إلى جانب انقسام المجتمع البشري إلى أقلية عددية محظية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً تحولت إلى أكثرية من حيث النفوذ في المجتمعات البشرية والرأسمالية منها بشكل خاص يمكن تسميتها بالأكثرية المحظية، وأكثرية عددية تعيش فقراً متعاظم القسوة في الفقر والعوز والبؤس تحولت إلى أقلية من حيث اقتناعها بما يغشاها من نماذج الاستغلال والبطالة والحرمان والتخلف الحضاري يمكن تسميتها بالأقلية القانعة.

وفي كتاب جين تشزنو الشهير وهو بعنوان (توقعات من أجل البقاء) يقول: (إن أولئك الذين يقومون بخدمة المحظوظين قد أذعنوا قانعين، عاجزين، ضمن مناخ الانطواء والتفكير بالسلامة الشخصية من إبداء أي مجابهة سياسية تعبر عن خروج واضح عن حال الخضوع الذي يغشى بقاءهم، وأتعجب من إغراق هؤلاء الناس، أي القائمين على خدمة المحظوظين أنفسهم في الخذلان واللامبالاة وعدم الإحساس، ويبدو لي أن حياتهم السياسية تتفسخ، ويبحث الفرد منهم عن مختبأ، ويجري إغراء المثقفين منهم من قبل مديري التقنيات الحديثة الذين يعمدون إلى إعادة تشكيل عالمنا، إن لم يسعوا إلى هدمه).

لقد انتاب البشرية اعتلال رهيب، فقد غابت القيم والمفاهيم، وازدادت موجات العنف، والإرهاب الدولي، والفكر التكفيري، ونشاطات عصابات المافيا على المستوى المحلي والدولي والتي تحولت إلى شبكات دولية، وما عزز ذلك عدم كفاءة معظم الأنظمة والأحزاب السياسية حيث سادت حضارة القنوع.

 لقد كان للقوى الاستعمارية الدور الأكبر في تنمية روح القنوع والعجز في المجتمعات البشرية من خلال تطبيقها سياسة (العجز المتعلم) تجاه بلدان عالم الجنوب خاصة، تلك العملية التي تفضي إلى تعليم الفرد أو الأفراد المستهدفين حالة القبول بالأمر الواقع، أو الاستسلام للمصير الذي أعدّ لهم، لأن الفرد الذي يتعرض لموقف ضاغط لا يستطيع التخلص منه، كفيل بتعليمه اليأس والعجز. لذلك تركزت السياسات الاستعمارية على ترسيخ وتصنيع الجماعات التي تنفث سموم التعصب والتحجر، ومنع تشغيل العقل، وتجميده من خلال البدع والخرافات تحت ستار الدين، مثل الوهابية، والإسلام السياسي بأحزابه المختلفة، وعلى رأسها الإخوان المسلمين، والتي كان للعثمانيين والبريطانيين الدور الأساس في الولادة والرعاية، ومن ثم الإمبريالية الأمريكية والصهيونية، التي رسمت لها الدور والمهام، لتدمير أي بارقة أمل في التطوير، والتقدم، والوحدة في الوطن العربي. إلى جانب رجال الدين البعيدين عن الدين والذين انتحلوا عباءة الدين زوراً وبهتاناً، والحكومات التي تم تصنيعها من قبل القوى الاستعمارية والتي قامت على الاستبداد والقهر ومصادرة حرية التفكير، ما جعل التفكير في الوطن العربي، تتنازعه تيارات عدة أخطرها:

1-  التيار التكفيري الظلامي: الذي يتسم بكونه يتصف بالتسليم والاستسلام، واستبعاد التأويل، والجدل، وعدم الاجتهاد أو إعمال العقل والاكتفاء بالنقل عن السلف والإجماع هو الأصل والخروج عنه خروج عن الجماعة، علم السلف أفضل من علم الخلف، لا جديد في العلم، فقد قال السلف الصالح كل شيء. العلم في نقصان، وليس في تطور، الزمن السابق أفضل دائماً من الزمن اللاحق، ونبذ أصحاب الآراء المخالفة، هذا الفكر هو الذي ولد لنا اليوم الجماعات المسلحة التكفيرية بأصنافها المختلفة، التي تمارس أبشع أنواع القتل، والسلب، والاغتصاب، والتي تربت في أقبية أحزاب الإسلام السياسي، وأبرزها الوهابية، والإخوان المسلمين.

إن أصحاب الفكر الظلامي التكفيري رافضون لكل مظاهر الحضارة، وهم في الواقع منتج غربي، صنع للاستعمال فقط في الوطن العربي والشعوب الإسلامية، ويطالبون بإيقاف التفكير، وتعطيل العقل العربي، بحجة أن ما قيل قد قيل، وما علينا إلا السير على ما تركه السلف لنا، لأنهم وصلوا إلى كل شيء.

إن التيار التكفيري المتطرف يرجع بالحادثات إلى ما وراء الطبيعة، ويرجع إليها كل الأمور، وهي عقلية غيبية صرفه تبرز من خلال ثنايا التاريخ في عصور التاريخ المظلمة في القرون الوسطى، إن هذا التيار يرى كل شيء ساكناً رغم أنه يتحرك، أنه يتسم بالجمود وتقديس الماضي، والقضاء والقدر، وانصراف عن الحاضر ونكران لكل مطالب الحياة، لذلك نراهم اليوم يدمرون كل مظاهر الحضارة وكل ما يدل على حضارتنا وتراثنا الأصيل.

2- تيار تمثل في اختراع ما يسمى ما بعد الحداثة، والفكر العدمي، وجماعات (حرية التعبير) وغير ذلك، فبرزت الدعوات المطالبة بالانفصال، والتقسيم لضرب العروبة ومشروعها القومي المناهض للإمبريالية والصهيونية, فوقع البعض في شباكها ومشاريعها الثقافية التدميرية للهوية والشخصية العربيتين المؤدية إلى احتقار الذات العربية، مقدمة للخضوع والتسليم للأجنبي، والتبعية المطلقة لما يمليه الغرب الاستعماري ما أدى إلى انزلاق الكثيرين إلى مستنقع الدونية والاستصغار، فعملوا على تشجيع العدمية في أنواع الأدب والفنون كافة، والتي تطالب بأنه علينا الالتحاق بالغرب والحضارة الغربية، والطريق الوحيد ترك لغتنا العربية، وتعلم اللغة الإنكليزية، والقيم الغربية، والتخلي عن كل ما يمت لأمتنا العربية بصلة، التي تسوق لبدعة مركزية الحضارة الأوربية، وقوة العقل الأوربي، وتنادي بأن الخلاص يكون بالأخذ بكل ما يقول به الأوربيون.

هذا الواقع يدعونا للاتفاق مع الكثيرين الذين رأوا أن الأمراض التي أصابت التفكير العربي، جعلته في معظمه، فكراً أحادياً يرى الأمور من زاوية واحدة، وهو ما يتعارض مع مفهوم التفكير المتوازي، فكر يسوده طابع رد الفعل، وهو ما يتنافى مع الفكر الاستشرافي، فكر قانع ملول، يكتفي بأول بديل ويزهد في استعراض باقي البدائل، وهو ما يتنافى مع الفكر التبادلي، فكر يميل إلى اليقين وينشد الإجماع، والتعامل مع القاطع، وهو يتنافى مع التفكير الاحتمالي، فكر وهنت صلاته مع العلوم الصورية من رياضيات، وتقنيات، فكر ينزلق إلى التفاصيل التي تلهيه عن الصورة الشاملة، وهو يتنافى مع الفكر المنظومي، فكر يعاني نرجسية القبلية، يؤدي إلى العجز عن فهم الآخر، المختلف، ما يؤدي إلى أنه يتنافى مع الفكر التواصلي، فكر توفيقي يؤدي إلى القبول أن الحقيقة وسط بين طرفين، وهو ما يتنافى مع الفكر التركيبي.

وهذا ما جعل الكثير من جوانب الفكر العربي فكراً ضحلاً، أحادي الأبعاد وانفعالياً غير تحليلي، وغير منهجي، غير منطقي، فكر عقلاني بجانب فكر خرافي، سلفي تقليدي بجانب فكر معاصر، فكر محافظ بجانب فكر ثوري، خليط مركب من الأيديولوجيات غير محددة الهوية، والمعالم تفتقد الأصالة لكنها سلفية تفتقد المعاصرة لكنها استهلاكية، تطرح قضايا بمنحى راديكالي، وتنتهي بتفسيرات لاهوتية أو قدرية، تبحث في الهوية، والتراث، وتتغافل عن الحاضر، تنقل عن الغرب، وتتحدث عن الموروث، (اغتراب المفكر المثقف عن تاريخه عن واقع مجتمعه، وانشغال المفكرون العرب بالفكر الغربي قبل الاهتمام بمشكلات مجتمعهم، والأخطر من ذلك أن الانشغال بالفكر الغربي لم يكن قائماً على هوية تاريخية مسبقة، لم يكن متخذاً منحى جدلياً، مع هذا الفكر، ما أدى بنا إلى أن أصبحنا لا نملك ناصية عقولنا، وهي في معظمها من صنع الآخرين، حاضرين وغائبين، فقد تفشى وباء العقول في وطننا العربي، حتى شمل غير قليل من صفوف النخب لدينا، وليس هناك داء عقلي إلا وابتلينا به، من اللاعلمية إلى الخرافة، ومن ضمور الإنتاج الفكري إلى العزوف عن العلم ومداومة التعليم، حيث يظن كثيرون أنهم يفكرون وهم في حقيقة أمرهم لا يفعلون سوى إعادة ترتيب انهياراتهم، واجترار أفكارهم وأفكار غيرهم، ما أدى إلى أن أصبح الفكر العربي اليوم شتاتاً، يجمع بين المتناقضات، تعبير عن التجزؤ، والتهرؤ الثقافي، أصبح الفكر الاستهلاكي هو الفكر السائد والمسيطر على المنطقة العربية، يحارب بأسلحته المادية الفكر المبدع الخلاق، حتى وصلنا إلى أن أصبح هذا الفكر عاجزاً عن استشراف آفاق التحولات التاريخية للواقع الاجتماعي، وعن اكتشاف المحركات العميقة لهذا الواقع، وعجز هذا الفكر أن يدرك أن هذا الواقع بحاجة إلى نقد جذري بحكم تخلفه الشديد. هذا الواقع أوصلنا إلى ما يمكن تسميته بالفكر القانع الذي هو منتج استعماري بماركات مختلفة.

ولتكريس هذا الواقع المؤلم عملت القوى الاستعمارية في ابتكار تجمعات وتكوين منظمات وإرساء مؤسسات تعمل على استلاب الأمل من قلب الإنسان العربي عامة والشباب خاصة تمهيداً لاستسلامه النهائي لقوات الاستيطان الاستعماري المتوحشة الجديدة. فظهر دعاة التطبيع مع الكيان الصهيوني ومنظرو ما يسمى ثقافة السلام ومشروع الدولتين والذين تم تصنيعهم في أوكار الموساد الصهيوني. وتعزيزاً لسيادة ثقافة الاستسلام تم العمل على تقوية وتغذية الزواحف الفكرية والسياسية والاقتصادية في المجتمع العربي التي تطوعت لإظهار إعجابها ومواكبتها وقيادتها للتبشير بالعولمة، لتعيث فساداً وإحباطاً ويأساً واستسلاماً تمهيداً للقضاء على روح المقاومة وثقافة المقاومة. وهذا ما تراهن عليه القوى الإمبريالية وأدواتها في الوطن العربي من خلال ممارستها أبشع السياسات في المجالات المختلفة لتعزيز حالة الفقر والجهل والتفرقة والاستبداد والقهر بهدف تحقيق الهدف الخطير وهو التسويق لثقافة الاحتلال والقبول بالأمر الواقع والاعتراف بالوجود الصهيوني في فلسطين وضياع الحق العربي فيها والتسليم الكامل بأن أمريكا قدر لا مفر منه، ومن يرغب بالسلامة عليه الاختباء تحت العباءة الأمريكية ومرتزقتها.

الفكر المقاوم: والسؤال الذي يطرح هنا: ما البديل لذلك؟ وما هو حبل النجاة؟

 برأينا، وكما أكد قبلنا بعض المفكرين أن على العقل والتفكير العربي أن يتحلى ببعض الخصائص وفي مقدمها العقلانية العلمية: التي تتخذ من العقل مصدراً للمعرفة. وامتلاك القدرة على الخلق، أي يمتلك التفكير القدرة على توليد الأفكار الجديدة التي تسهم في تغيير أفعالنا وسلوكنا، وتحمُّل ضريبة الخلاف مع الآخرين، والقدرة على الإتيان بما لم يسبق أن ورد في الأذهان بشأن مشكلات قائمة من تحليلات، وحلول. وأن يكون استراتيجياً، ويتمتع بالواقعية المبدئية، ويمتلك القدرة على النقد والعلمانية التي تعزز المواطنة وتحصين الوحدة الوطنية.

إن تمتع التفكير العربي بهذه الخصائص تجعله فكراً تنويراً حقيقياً، وقادراً على النهوض والتطور، وتحقيق الاستقلال، والخلاص من التبعية، والخنوع، ويقوي روح المقاومة، والتحدي لكل قوى الاستعمار والاستغلال والقهر، ويكسب الوطن منعة وقوة، ويبني مؤسسات وطنية ترقى لأن تكون رادعة لكل عدوان.

إن ما يساعد على تحصين فكرنا العربي التنويري هو العمل في كل مؤسسات الثقافة الوطنية على خطة استراتيجية تستند إلى الإيمان بأن الاختلاف والتنوع الثقافي حقيقة كونية إنسانية، والعمل على تنقية مناهجنا التربوية من كل مظاهر التعصب، والخرافات الغيبية والتطرف، والاستلاب، والقنوع، والتفريط بالحق العربي، كما هو حال مناهج دويلات الخليج العربي، ومصر وغيرها من البلدان العربية. إضافة إلى التركيز على التفكير النقدي في مناهجنا التربوية والتعليمية، وخاصة في الجامعات، وثقافة الحوار والاختلاف في هذه المناهج في كل المراحل التعليمية، وربط هذه الأفكار بالسلوك لدى أبناء المجتمع، لأن الفكر التنويري هو ممارسة قبل أن يكون شعاراً نعلقه على الجدران ونتغنى به على شاشات التلفزيون، إنها سلوك وفعل وطني في مجالات الحياة كافة. وبذلك نخلص الفكر العربي من الظلامية والتكفير والتخلف والعدمية والقنوع، ومن خَدَرٍ الأفكار الضيقة، والاتجاه به نحو المستقبل، والغوص في عمق الأشياء، ما يساعدنا على إزاحة غُمَة القلق عن الإنسان العربي، ونستطيع النهوض ومواكبة التطور في المجتمعات المتقدمة.

عن الكاتب: عضو اتحاد الكتاب العرب/جمعية البحوث والدراسات

:::::

«النور»، جريدة أسبوعية- سياسية- ثقافية يصدرها الحزب الشيوعي السوري «الموحد».

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة “كنعان” الإلكترونية أو محرريها ولا موقع “كنعان” أو محرريه.