تعليق الطاهر المُعِز

أرسل لي صديق هذا المقال القصير، عندما علِم ُ أني أبحث عن بعض البيانات والأرقام التي تخص اللغة العربية، بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية (18/12/2016) وبعد نشر فقرة في “النشرة الإقتصادية”، وصلَني هذا النص وأعتقد (لست جازِمًا) أنه نُشِرَ في صحيفة “السفير” اللبنانية، بعد حوالي أسبوع من يوم اللغة العربية، وأنا مُتَّفِقٌ مع مُحْتَواه (لولا بعض التعابير مثل “الإنتماء للشرق” وبعض الإختلافات البسيطة) والتسطير والتَّلْوين من عندي

اللغة ليست فقط وسيلة تخاطب واتصال وإنما هي وِعاء حضاري يعكس مُسْتَوى تطور المجتمعات، وتعاني اللغة العربية من تبعية الأنظمة والحُكّام العرب، والإستعمار الثقافي، وتخلف المستوى التقني، لأن من اخترع السيارة أو الحاسوب أو الثلاجة سيعطيها إسمًا بِلُغَتِهِ الأم وسيبين طريقة استخدام هذا الجهاز باللغة الأم الخ، ولا تعمل حكومة واحدة في الوطن العربي على تطوير اللغة العربية، بل يُثِيرُ وزراء في المغرب العربي مسألة استخدام اللهجات المحلية في المدرسة، ويُهاجم بعض المواطنين اللغة أو الحضارة العربية في وسائل الإعلام الحكومية، ورغم تطوير العرب للفلسفة اليونانية والعلوم (الرياضيات وعلوم الأرض والأحياء والطّب) فإن الحكّام الذين دعمهم الإستعمار اغتالوا البحث العلمي وفرضوا اللغات الموروثة عن الإستعمار (الانغليزية والفرنسية) ولغة القوة المُهَيْمِنة عالميا في الوقت الحالي (الإمبريالية الأمريكية)، وعَمَّمَت الأنظمة العربية لغة الإستعمار في التعليم والمعاملات اليومية في الإدارة والإقتصاد، إضافةً إلى عجز الأنظمة العربية عن (أو عرقلتها ل) توحيد المُصْطَلَحَات عبر مجمع اللغة العربية الذي انقسم إلى مُجَمَّعَيْن لكنه جامد، وغير فعال، ولا غرابة في ذلك فقد هيمن آل سعود على الجامعة العربية وعلى مُخْتَلَفِ مُؤَسَّسَاتها التي تعمل بشكل مُتَقَطِّع باستثناء اجتماعات مجلس وزراء الداخلية العرب الذي يجتمع بانتظام في تونس ويتخذ قرارات قمعية تُنَفَّذُ كُلُّها بشيء من الشَّطَط…

يقطن الوطن العربي مواطنون أصْلِيُّون مثل الأكراد في المشرق والأمازيغ في المغرب وغيرهم وهم موجودون قبل العرب أحيانًا في بعض المناطق، ومن حقهم تطوير لغتهم وثقافتهم (شعر وأساطير أو حكايات الأجداد وحِكَم الخ)، ويشكل التزاوج بين اللغات إثراء لها جميعًا إذا لم يكن الهدف إلغاء الآخر ومحو ثقافته وحضارته وتاريخه…

في فلسطين المحتلة، أحيا الإحتلال الصهيوني لغة مَيِّتَة وفرضها على كافة اليهود المُسْتَوْطِنِين، بينما يُعاني الفلسطينيون الذين بقوا في وطنهم بعد “النّكْبَة” من الإستعمار الإستيطاني الإقتلاعي التَّهْجِيري، وكذلك (أو نتيجة لذلك) غربة ثقافية ولُغَوية حيث أُطْرِدَ عُمّال من عملهم لأنهم تحدثوا بالعربية مع زبائن (في ماكدونالدز وفي محطة بيع الوقود وغيرها)، ولا توجد إرشادات باللغة العربية في مطار تل أبيب، في حين لا تزال اللغة العربية لغة رسمية إلى جانب العبرية والانغليزية (منذ الإستعمار البريطاني) ولا تملك المدارس العربية بُنْيَة تحتية وموارد مادية تُتِيح لها تدريس العربية بشكل مرْضِي…

في فرنسا تعمل الدولة على نشر الفرنسية (التي فقدت مكانتها أمام اللغة الانغليزية) في افريقيا والوطن العربي، من خلال المراكز الثقافية والمنظمات “غير الحكومية” بهدف نشر إنتاجها وخلق جيل مُنْبَتٍّ حضاريا وثقافيا ولغويا، وفرز عُمَلاء يدافعون عن الإستعمار ويُحَقِّرون كل ما هو وطني أو محلي أو قومي، ولولا فرض اللغة العربية في افريقيا والمغرب العربي لأصْبَحت لغة مَيِّتَة، لأن البحوث العلمية للباحثين الفرنسيين تُنْشَرُ بالانغليزية أولاً قبل ترجمتها إن كُتِبَتْ لها الترجمة، وتدور نقاشات مجالس إدارة شركات كبرى فرنسية المنشأ مثل “رينو” للسيارات أو “توتال” للطاقة باللغة الانغليزية، ومنعت فرنسا التدريس أو التخاطب باللغة العربية في عديد الإدارات، وأصبحت الدولة الوحيدة (بعد الكيان الصهيوني) التي يُقَدِّمُ الطلبة في جامعاتها بحوثهم العربية بلغة أخرى…

هذان مثالان من جملة الأمثلة الكثيرة على حال لغتنا الذي يعكس وضْعًا أشمل بكثير من تعريف اللغات “كوسائل اتصال ومخاطبة” بين الناس، لا غير، بل تتجاوز المسألة ذلك بِكَثِير… إنها دعوة للتَّأَمُّلِ والتفكير والربط بين الفكرة أو الرّأْي واللغة التي يُعَبِّرُ بها الإنسان عن ذلك، ناهيك عن التعبير عن الأحاسيس والإنفعالات والغضب والفرح، والتي غالبًا ما يُعَبِّرُ عنها المُهاجِرون وحتى أبناء المهاجرين باللغة الأم…

نُشِيرُ أخيرًا إلى قِدَم اللغة العربية عن الدّين الإسلامي، فالتراث المكتوب باللغة العربية يعود إلى قرون قبل الإسلام، وشكّلت اللغة العربية تطويرًا للغات أخرى أقدم منها لسكان المنطقة مثل الأشوريين، لذلك فإن الإسلام وَسَّعَ من رُقْعة انتشار العربية ولم يكن سببًا في وجودها، بل هو استخدم اللغة العربية لينتشر أولاً في محِيطِه، قبل الإنتشار، والعربية هي أيضا لغة الشعائر الدينية في الكنائس المسيحية العربية، لأن العرب المسيحيين هم أولا عرب وثانيا مسيحيون، ويعود لهم الفضل في تطوير اللغة العربية في القرون الماضية، وفي الدفاع عن استقلال البلدان العربية وفي النضال ضد الغزو “المسيحي” الأوروبي منذ الحروب المُسَمّاة “صليبية” وحتى النضال ضد الإستعمار الإستيطاني الصهيوني

للتذكير: تنتمي اللغة العربية إلى مجموعة “اللغات السّامِيَّة” وهي أقدَمُها أو من أقدَمِها، ويتحدثها حوالي 425 مليون شخص في العالم (بيانات سنة 2013)، أي أكثر من الفرنسية، وهي إحدى اللغات الأربع الأكثر استخدامًا في الشبكة الإلكترونية (انترنت)، وتتميز اللغة العربية بسهولة التعريب لأنها لغة “اشتقاقية” ولها قواعد لغوية مضبوطة منذ قرون عديدة، خلافا لعديد اللغات الحديثة الأخرى…

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة “كنعان” الإلكترونية أو محرريها ولا موقع “كنعان” أو محرريه.