حرب المصطلحات وخطرها على الأمة

نبيل فوزات نوفل

 شهدت السنوات الأخيرة ظاهرة تكاثر المصطلحات، وتداخلها، وتشويهها، في إطار حروب المصطلحات التي تشنها الدول الإمبريالية على شعوب العالم، بهدف التبسيط الساذج للواقع السياسي المرير، وقد بات شيوع هذه المصطلحات في بيئتنا العربية ترفاً فكرياً، أو موضة اكثر من كونه تعبيراً عن حالات واقعية ملموسة بهدف الوصول إلى ثقافة مهزومة، تقلد الآخرين في استعمالاتهم لمصطلحات تشخص بيئة اجتماعية سياسية، وحالة ثقافية تؤهلهم قدراتهم الراهنة لبلوغها، بينما نحن بعيدون تماماً عنها.هذا الواقع يدعونا للتنبيه من خطورة ذلك ونتائج على أمتنا العربية، وتوضيح معنى المصطلح.

إن المصطلح هو أولاً، تعبير عن الأمة بذاتها من ذاتها، لأن الشعوب هي التي تعرّف نفسها وهي التي تبني قيمها، ومعاييرها، عبر وعي الذات، وأخلاقيات هذه الذات.وبالتالي لا يمكن أن يصدّر لنا الآخرون مصطلحات عن ذاتنا، ثم يطالبوننا بالمفهوم السياسي والعملي أن ننضوي في ظل هذه المصطلحات المستوردة.

وثانياً: هو توجه معياري، لوضع الأمور في نصابها، بدلاً من أن تكون مقلوبة تمشي على رأسها، فالأصل هو أن يأتي المصطلح معادلاً للحالة الوطنية والقومية، بحيث يمتنع العبث، أو التبديل، أو المساومة على المصطلح الوطني أو القومي، أي أن يكون قوة ومنعة للوطن، وعندئذ يكون دليل حكمة وعقل راجح.

ولا شك بأننا في الأمة العربية تعرضنا لحرب خطيرة جداً ترتبط بموضوع المصطلحات، وبكل أسف جزءٌ من هذه المصطلحات لم ننتجها، والأسوأ من ذلك أن الجزء الآخر منها نحن أنتجناه، لكن مضمون هذه المصطلحات حُوِّر من قبل المجموعات التابعة للتلمودية الإمبريالية في الغرب، وأُعيد إنتاجُهُ بشكل آخر وأرسل إلينا، بهدف ضرب العقيدة، لأنه عندما نخسر المصطلح نخسر العقيدة، وعندما نخسر العقيدة نخسر الثقافة، ونخسر معها الأخلاق والاقتصاد والسياسة والمجتمع، ونخسر كلَّ شيء، وعندما نخسر العقيدة نخسر قضايانا، وهذا أحد أسباب تخلف الأمة العربية والشعوب الإسلامية، وبالتالي اليوم تعدُّ معركة المصطلحات إحدى أهم المعارك التي يجب ألا نغفل عنها، فقد قدًّم الإعلام الغربي والعربي الشريك في المؤامرة على سورية سَيلاً من المصطلحات الوافدة لتكون بديلاً فكرياً للمنظومة التي تقود مجتمعنا وتدير سلوكه.

ولقد فضح بعض الكتّاب والصحفيين الهدف الخطير للتلاعب بالمصطلحات وكشفوا عنها وخاصة ما يتعلق بصراعنا الوجودي مع الكيان العنصري الصهيوني، فلقد أورد روبرت فيسك عينة مثيرة من المصطلحات دأب الإعلام الغربي في استخدامها للتغطية على الجرائم التي يقترفها الكيان الصهيوني والقوى الإمبريالية العالمية في فلسطين المحتلة، من قبيل استخدام تعبير (المناطق المتنازع عليها) بدلاً من الأراضي المحتلة، و(إغلاق المنافذ) بدلاً من الحصار، و(المجاورات) بدلاً من المستوطنات، و(المتعاونين من الفلسطينيين) بدلاً من العملاء، و(القتل الخطاً بسبب الوجود في منطقة الاشتباك) بدلاً من القتل المتعمد للأبرياء، أما إطلاق النار العشوائي على الضحايا العزل فهو مجرد حالة فردية من جندي خانته أعصابه أراد أن ينفّس عن شحنة غضبه، واستخدام (الجدار العازل) بدلاً من الحاجز العنصري، كما عمد الإعلام الإمبريالي الصهيوني ومن والاه إلى استخدام تعبير (النزاع العربي -الإسرائيلي)، بدلاً من الصراع العربي الصهيوني ، ليضفي القطرية على الصراع بدلاً من الطابع القومي، كما استخدم مصطلح (دول الطوق) بدلاً من دول المواجهة، إلى جانب محاولات محو الذاكرة الوطنية بإطلاق الأسماء العبرية واليهودية على المناطق العربية بهدف تزوير تاريخ المنطقة وخاصة في فلسطين.

وما نشهده اليوم من تشويه للمصطلحات واستغلالها وخاصة في الحرب العدوانية على سورية فيما يتعلق بالمجموعات الإرهابية وإطلاق مسميات المعارضة المعتدلة على العصابات المجرمة العميلة، وتسمية الجيش الحر على من خان شعبه ووطنه، وثوار على من يرتبط بالأجنبي والعدو ويطلب قصف وطنه من أجل الوصول إلى السلطة، والخلط المتعمد بين المقاومة والإرهاب لتشويه المقاومين والقوى المقاومة التي تقف في وجه الطغيان والعدوان وغير ذلك، ومما تقدم علينا اليوم التصدي لكل المصطلحات المدسوسة وتوضيح معانيها ومقاصدها واختيار المصطلح الذي يصون ثوابتنا الوطنية والقومية.

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة “كنعان” الإلكترونية أو محرريها ولا موقع “كنعان” أو محرريه.