من وحي دعاء الشيخ

محمود فنون

إنني أشعر بالفخر والإعتزاز بسبب اصطفافي مع سوريا والنظام السوري جيشا وشعبا وقيادة

واشعر بالابتهاج بالتقدم والانتصارات التي توجت حتى الآن بتحرير حلب .

منذ سنوات ، ومنذ سقط القذافي شهيدا على أيدي الحلف الإستعماري الرجعي المعادي  الذي قصف ليبيا ودمرها، منذ أن قتل القذافي، وشيوخ الردة وبنفس وروح رجعيتين مشبعتين بالتضليل ،  يصرخون على المنابر مطالبين من الله أن يقتل الإسد ، بل بعبارة مسجوعة يقولون ” يا الله يا كافي تلحق بشار بالقذافي “

فيأت الرد عليهم ” يا الله يا جبار تنصر الرئيس بشار على الإستعمار واتباع الإستعمار “

إن هذا لسان الحالة الشعبية المنقسمة على نفسها فيما يخص الصراعات الدائرة في الوطن العربي .

إن إساس الإنقسام  هو انقسام جهتي التوجيه والتأثير وبالتالي تكون الحالة الشعبية تابعة للتوجيه والتأثير .وهذا أساسه الإنقسام الطبقي  ومعه التدخل الإستعماري والإحتلالات كما سنرى.

ولكن لماذا يتبع الناس الموجهين والمؤثرين ؟ ومن هم؟

دون ان نعود بعيدا في بطن التاريخ فمنذ نهايات الحكم العثماني الرجعي الجاهل ، دخلت البلاد العربية في حالة انقسامات وتبعيات وتناقضات جديدة:

الراغبون في التخلص من الحكم العثماني، والنائمين على بقاءه والراغبين في بقاءه . التحرريون الراغبون بانعتاق الأمة العربية وتحررها من الحكم العثماني المستبد والرجعي وتوحيدها اقتصاديا واجتماعيا – المناضلين الحالمين  ومنهم النهضوييون والرجوازيون والمثقفون وجميعهم متنورون. وبين الطبقات الإقطاعية صاحبة المصلحة في الجهل والإستقرار الإقطاعي وبقاء الحال على حاله والخوف من أي تغيير .

وبينما هم في هذه الحال ومن وراء ظهرهم كان الغرب الإستعماري يخطط ويجهز نفسه للتنفيذ. ووضع نصب عينيه استعمار الوطن العربي كله وتجزئته  وعدم السماح بإقامة دولة عربية واحدة فاكتسح شمال أفريقيا انتزاعا من السلطنة العجوز الخائرة. هذه السلطنة لم تتمكن من الدفاع عن أطرافها وكانت تسمى ممتلكاتها. كما ان اوروبا الإستعمارية جندت شيوخ الخليج وأمير مكة وشيوخ العشائر في الخليج والعراق ، ومنذ نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين سيطرت على الجناح الشرقي من البلاد العربية  وقسمتها وفق ما عرف باتفاقية سايكس بيكو.

وباختصار دخلت كل من بريطابيا وفرنسا كطرف يمتلك قدرة كبيرة من التأثير والتوجيه  وكون لنفسه مساحة في الوطن العربي  وأصبح الجناح الشرقي من الوطن العربي مستعمرا بالكامل ومناطق نفوذ لكل من بريطانيا وفرنسا.

وقد عمق هذا الفريق تأثيره من خلال الإستيلاء على جزء كبير من قوى الدين وأفكاره وأصبح بالتالي الطرف السائد والمؤثر بدرجة كبيرة .

ونستمر بالحديث عن ظهور النقيض من قوى ترغب في الإنعتاق من الإستعمار وتدعو للوحدة العربية وكانت هذه القوى تجد آذانا صاغية من جهة وتواجهها القوى الإستعمارية والرجعية بما لديها من جهة أخرى  ، وهذه جذور الإنقسام في المواقف .

واستمر الحال ودخلت البلاد العربية مرحلة التحرر الوطني وارتفعت وتيرة النضال من اجل دحر الإستعمار بعد الحرب العالمية الثانية ، وأخذت الإقسام المستعمرة تستقل تباعا بعد أن كرست مرحلة الإستعمار وضعية القسمة وظهر على الفور شعار الأمة العربية الواحدة والسعي للوحدة ، واستمر جهد الدول الإستعمارية التي قسمت الوطن ومعها الأنظمة التي سخرتها لخدمتها مثل السعودية ودول الخليج والمغرب  ونظام ملك ليبيا ونظام بورقيبة ، وتحررت كل من مصر وسوريا والعراق ولاحقا ليبيا من النفوذ الإستعماري وظهرت الناصرية.

والناصرية ظاهرة قومية تحررية تقدمية وقفت بحزم ضد الإستعمار وأعوانه  في المنطقة العربية وغيرها وناضلت ضد النفوذ والمخططات الإستعمارية والأحلاف كما سحقت النظام الإقطاعي في مصر  ودعت إلى الإشتراكية .

هكذا هي ظاهرة عظيمة وعميقة وامتد تأثيرها ودعايتها إلى أعمق أعماق الجماهير في كل الوطن العربي  كما أصبحت حالة تحريضية ضد الرجعية والإقطاع وعملاء الإستعمار  والتف حولها الملايين  وأصبح الأمر صعبا جدا على الإستعمار والرجعية في البلاد العربية وتحررت الجزائر وجنوب اليمن وتم سحق النظام الملكي الرجعي في كل من العراق وليبيا وتم استرداد القضية الفلسطينية من الرجعيات العربية وظهرت منظمة التحرير والفصائل الفلسطينية والثورة الفلسطينية ضد الصهيونية واحتلال فلسطين .

كما ظهرت قوى الإسلام السياسي مرتبطة بالحكومات الرجعية ومتواطئة مع الأجنبي .

وشكلت السعودية موئلا للحركات الدينية المطرودة من بلادها وتحركت فيها الحركة الوهابية مدعومة وموجهة وظهرت تفريخات الدعوة وغيرها وأخذت تبث دعايتها في  الإذاعات ومحطات التلفزة والجوامع والبيوت، واستخدام المادة الكتوبة بتوزيع ملايين الكتب بما فيها كتاب يستند على الآيات والأحاديث وينفي أية امكانية للصعود على القمر وآلاف الكتب التي  تنشر الأدعية وتفسير الأحلام وفتاوى الشيوخ الجهلة  والطب على ايدي الشيوخ، وتشكلت  حركات الدعاة وحركات السلفيين ، الدعاة الذين يقدمون الدروس في الجوامع وفي البيوت مستندين إلى بساطة التدين وناشرين فكرة المرجعية الدينية على المستوى الفردي  بحيث انه يتوجب عليك أن تسأل الشيخ في كل أمر كي لا تقع في الخطيئة وتدخل النار .وكانت قوى الدين السياسي تحصد النتائج والرجعية العربية تحصد قوى الدين السياسي وتنفق عليها.

وقد أخذت هذه الحركات تتنفس منذ هزيمة ايلول في الأردن وموت عبد الناصر وانقلاب السادات على الناصرية وتحالفه مع الإخوان المسلمين وتحالفه مع السعودية  ثم جاءت افغانستان بتوجيه الغرب الإستعماري وتمويل دول الخليج  وظهور التيارات الجهادية وتفرعاتها وتفريخاتها وبدعم من الأنظمة الخليجية … هكذا أخذ المد الرجعي ينتشر ويتعمق  ويستجيب له البسطاء ،وأخذ المد التقدمي التحرري يتجمد ويتراجع . ولم تستطع كل من العراق وسوريا أن تسدا فجوة مصر ورحيل عبد الناصر والانقلاب الرجعي الذي تزعمه السادات .

أصبحت دعاية الناس إلى الموقف التقدمي تحتاج إلى جهد كبير للتثقيف والتوعية بينما الرجعية تكرس الموروث العثماني وتستعيده وتبثه بأدوات هائلة القوة والتأثير .

لقد أجهدت الاستخبارات البريطانية وبعدها الأمريكية نفسها لتجنيد الدين وبث افكار من الدين ومن ثم استخدام قوى الدين السياسي لبث دعايتها في أوساط الأمة العربية وتجنيدها للقتال نيابة عن الغرب الأستعماري ومن أجل تحقيق أهدافه . وكما نرى الضحايا من العرب ومن تم استقطابه من انصار التدين السياسي ، والنفقات من الأنظمة الرجعية .

إن أمريكا لا تنفق الكثير على هذه الحركات كما أن الضحايا لا تحملهم الطائرات إلى أمريكا كما كان الحال أثناء ثورة فيتنام  مثلا .

يضاف إلى كل هؤلاء منظمات الأنجزة التي انفق عليها الغرب وثقغها ووحهها وجندها للعمل وفق أجندته وجعل لها تأثيرا بين الجماهير .

ويضاف الطابور السادس الثقافي  الذي جندته عمليات القمع والتجويع والأموال والعصا والجزرة وهؤلاء الذين أصبحوا جنودا في الطرف الإستعماري الغربي ومعهم كل المتخاذلين من أفراد وأحزاب تم انتهاكهم  وخرقهم .وهكذا وجدت الثورة المضادة الطريق سهلا واستغلت حراك الجماهير وقنصته لإحداث اكبر قدر من التدمير والتجزئة.

إذن حالة الإنقسام التي ذكرناها أعلاه حالة موجودة موضوعيا وتاريخيا ومرت فترة الناصرية  التي كان التفوق فيها للأمة العربية ثم جاءت مراحل الرجعية حيث تسود الرجعية .

 وحيث تسود الرجعية نرى زعماء التيارات الدينية مثل القرضاوي يدعو امريكا جهارا نهارا لضرب سوريا وهو وغيره يدعون امريكا لتسليح عملاءها بمضادات الطيران والدبابات والأسلحة الثقيلة . وجهارا نهارا يطلبون من الغرب ضرب سوريا وسبق لهم وأيدوا ضرب ليبيا .

وهكذا فإن انتصارات الجيش السوري والنظام السوري على  تحالف الناتو بزعامة امريكا ومجموعة الدول الأوروبية وتركيا والرجعيات العربية والإسلام السياسي وتفريخاته ومن معه من الجيش الحر واتباع الغرب ومعهم الدعاية الدينية كطرف كبير وتأثير يصعب مقاومته ، إن انتصار سوريا على كل هؤلاء لا بد انه اعظم درجات البطولة والإصرار والقوة والصبر والمثابرة .

وإن عملنا نحن المثقفون إنما يتم في بيئة مجافية تماما وليس لها من سنيد الا اثنين : إيماننا بالقضية مدعومة بثبات وتقدم الدفاع عن سوريا الوطن والشعب  وبهذا نحن فخورون.

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة “كنعان” الإلكترونية أو محرريها ولا موقع “كنعان” أو محرريه.