دﻻﻻت قرار مجلس اﻻمن ضد اﻻستيطان الصهيوني

رسمي الجابري
لقد شكل قرار مجلس اﻻمن بشأن اﻻستيطان مفاجئة كبيره واثار دهشة وحيرة الكثير من المراقبين ، وأحدث صدمه مزلزله داخل الكيان وردود فعل هستيريه ﻻ تقل في دويها عن صدى اﻻتفاق النووي بين إيران و 1+5،ما حدا بنتنياهو وشركائه إلى اتهام أوباما بالخيانة ، وإلى التهديد بتصعيد سياسةالضم واﻻلحاق ، والتلويح بمراجعة العﻻقه مع اﻻمم المتحده .
ﻻ شك ان القرار سواء من حيث التوقيت او من حيث اﻻجماع والتأييد غير المسبوق من أعضاء مجلس اﻻمن والمجموعات الدوليه المختلفه او من منظور الكواليس التي سبقت ورافقت القرار ، يفرض البحث عن مقاربات تفسر هذا التحول المفاجئ ، وتسمح ببلورة اجابات لحزمه كبيره من التساؤﻻت العالقه.
لماذا اﻻن ؟ ولماذا قبل شهر من استلام الرئيس الجديد ؟ وما هي اﻻسباب والعوامل والمتغيرات الموضوعيه التي حدت باﻻداره اﻻمريكيه للقبول بالقرار ، ﻻ بل والسعي ﻻصداره ، وهي التي طالما اعاقت ومنعت صدوره ؟؟!!
وبمعزل عن اي ملاحظات حول المضامين ، فان القرار وﻻ شك يشكل مكسبا كبيرا ، بما يعنيه أكان إزاء غول اﻻستيطان والتهويد او لجهة عوده فلسطين إلى أروقة مجلس اﻻمن وانتهاء عهد اﻻنفراد الصهيو -اﻻمريكي الممتد على مدى يزيد عن ربع قرن من التغييب القسري بقوة اﻻستفراد الصهيو – امريكي واﻻصرار على احتكار الخصم والحكم والراعي الأمريكي ؟!!!
فما هي حقيقة اﻻسباب والمتغيرات السياسيه التي اوجبت تحوﻻ استراتيجيا بهذا الحجم ؟؟
لم يعد خافيا أن اداره أوباما أي إدارة السيستم العام لمنظومة المصالح الكبرى ، والتي سبق وان خسرت معركتها اﻻنتخابيه امام ترامب ذو النزعه القوميه ، القادم من حواشي المنظومه ، هي من اوعزت بتقديم القرار وتحكمت بالصياغه ، وبالتعارض الصريح مع رغبة ترامب وفريقه ، بالطبع هذا ﻻ ينتقص من صدقية موقف فنزويلا وﻻ حتى من موقف ماليزيا وأقل من ذلك السنغال ولكن اﻻمر ليس نفسه مع ( مستوطنة نيوزيلندا البيضاء ) وكذلك فرنسا وبريطانيا وكلاهما يملكون حق النقض في مجلس اﻻمن والشيء ذاته يقال عن النفوذ اﻻلماني ، وايضا ينطبق ذلك على الدعم الخليجي ، عداك عن فضيحة التابع المصري وتراقصه وحيرته بين موقف إدارة أوباما وموقف الثنائي ترامب نتنياهو .
هذه المعطيات تكشف بلا لبس من هي القوى التي رعت القرار ، وسعت ﻻصداره ، ولكن ماذا بشأن دوافع هذا التحول المفاجئ واسبابه .
من الواضح والجلي ان القضية تتعدى نكتة اداره راحله ، أو ترهات تسديد حسابات عالقه بين أوباما ونتنياهو ، فالقرار من حيث اﻻجماع والحماس يعكس توافق عام بين أطراف اﻻطلسي ومحاور سيستم العولمه .
وفي المضمون العميق ، أريد منه اشهار بطاقه حمراء في مواجهة مشروع اولوية البعد اليهودي للكيان معبرا عنه بمشروع ( الضم والتهويد واﻻستيطان ) الذي ينفذه التحالف الحاكم بقيادة نتنياهو مسنودا من امتداداته في الكونغرس والمؤسسة اﻻمريكيه ، وايضا بدعم معلن من إدارة ترامب ذات النزعه القوميه والميول المتعارضه مع أولويات نظام العولمه .
وهو يهدف الى احتواء وتقييد الكيان كما ترامب بقيود الشرعيه واﻻجماع الغربي والدولي ، لارغامهما على الخضوع ﻻولويات منظومة العولمه ، ومنع الكيان من أستثمار أزمة المركز وتوظيف التعارضات الناجمه عن صعود ترامب لﻻفﻻت من حدود دوره الخدمي ، اﻻمر الذي من شأنه لو حدث أن يضع الكيان في مسار مناقض لبنية علاقته بالمراكز ويضع العلاقه بين الطرفين في مسار أزمي يعرض مستقبله كما مصالحها في المنطقه إلى خطر شديد .
أما بشأن اﻻسباب المباشره والمتغيرات الموجبه فمن البديهي ان القرار لم ينطلق من موقع العداله واﻻنحياز لحقوق الشعب الفلسطيني ، وقطعا فإن هذا التحول لم يمليه تبدل ميداني وسياسي فلسطيني وانما نجم بفعل تحول نوعي في المبدان السوري حصرا وبعد معركة تحرير حلب بصوره مباشره ، كما اعترف بذلك أوباما نفسه بصوره صريحه عندما أقر بخسارته وفشله في سوريه .
وهي خساره تعاظمت وﻻ شك أبعادها ونتائجها بفعل خسارة اكبر سبق وان اطاحت بكلينتون ممثلة قوى العولمه ، وافضت بالتالي إلى تعميق أزمة مجمل نظام الهيمنه العولمي والى تطور ازمته من ازمة انكفاء عالمي إلى مﻻمح ومقدمات أزمة حكم على مستوى مركز الهيمنه وقلعته اﻻهم ، وفي عقر دار الحامل اﻻقتصادي والسياسي العسكري الرئيس لهذا النظام .
وﻻ شك ان هذا القرار سوف يضع مسار وبرنامج حكومة نتنياهو في تناقض مع الشرعيه الدوليه وينذر بتعريضها لعزله كبيره وخطيره . وهو اذ يرفع البطاقه الحمراء في وجه استرتيجية نتنياهو القائمه على فرض مشروع الشطب والالحاق والضم والتهويد للضفة والجوﻻن ومزارع شبعا .
يريد أن يقول للكيان كما ﻻدارة ترامب أنه لم يعد ممكنا اﻻستمرار في مشروع الدوله اليهوديه الجاري تنفيذه ، ﻻننا لم ننجح في تفكيك البعد السوري كضروره شرطيه ﻻ غنى عنها لتوفير البيئه اﻻستراتيجيه الملائمه لمشروع الدوله اليهوديه ، ولا مندوحه من إعادة التموضع بعد معركة حلب وتخفيض سقف اﻻهداف والتوقعات ، بالتوازي مع مسار التفاوض بالنار مع روسيا ومحور المقاومه لتحسين شروط التفاوض ، وحاجتنا لإدارة الصراع على مساحه ومصالح أوسع وأكثر تعقيدا واهميه من جشع نتنياهو واولوياته اليهوديه.
وانه يتوجب العوده من جديد لانعاش مسار حل الدولتين ، ولعبة اﻻرض مقابل السلام ، وتمليك التوابع العربيه عوامل تساعدها على اﻻحتفاظ بالبعد الفلسطيني والحيلوله دون تمكين محور المقاومه من اﻻمساك بالحلقة المركزيه للصراع العربي الصهيوني
وايضا تلزيم ادارة ترامب بروسيس تسووي يساعد في تكييفها مع المصالح العليا لقوى الهيمنه الغربيه وامتصاصه وادارته في شبكة صراع اﻻقليم ، والزام الكيان ومستوطنيه بوجوب التكيف مع أولويات ومصالح القوى المؤسسه والراعيه .
ان الحقيقه اﻻساسيه القابعه خلف هذا التحول المعبر عنه بهذا القرار نابعه ومرتبطه جوهريا بتطور أزمة منظومة العولمه والهيمنة اﻻمبرياليه ، المتراجعه على أكثر من مكان وصعيد ، وبتفاقم أزمة أدواتها وتوابعها في المنطقه ، وهي تؤشر بوضوح على تعمق أزمة الكيان الصهيوني فالى جانب ازمته البنيويه وتراجع قدرته على العدوان هاهي ازمة علاقته تتصاعد مع المراكز الراعيه له ،ويجد نفسه أمام شبح عزله خطيره ، ويواجه استحقاق اﻻجابه على اسئله مصيريه ، تحشره بين تقديم أولوياته اليهوديه في الضم والتهويد وبين تعريض علاقته بالمراكز لخطر التناقض والتنافر بدل التكامل والتناغم بما يمس أحد أهم ركائز أمنه اﻻستراتيجيه اﻻعلى ، وأما أن يتخلى عن اولويته اليهوديه ويتنكر لدعواه التوراتيه ويفكك عناصر تماسكه ووحدته الداخليه .
والحقيقه انه وبمعزل عن مستقبل أزمة العلاقه الناشبه بين الكيان ومراكز الهيمنه ، وايا كانت المساعي التي ستبذل ﻻحتوائها ، يبقى البعد المؤسس لهذه اﻻزمه وتطورها يتغذى من واقع عجز كليهما عن حل اﻻزمه على حساب البعد العربي ، فلا حل ﻻزمة الكيان اﻻ بتصديرها وحلها على حساب المحيط ، وحيث فشلوا في تفكيك سوريه واخضاعها كما لبنان بات لزاما عليهم اﻻنكفاء وادارة ازماتهم الداخليه والبينيه المتفاقمة.
ويبقى تساؤل اخير ترى هل كان ممكنا لهذه التحوﻻت ان تحدث لو انتصر حلف اﻻرهاب اﻻمريكي في سوريه ؟
وماذا سيكون الحال لو ان حلف العدوان نجح بإسقاط حلب ، وفرض مشروع التقسيم وشروط اللبننه ؟؟ .
شكرا سوريه …

· الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة “كنعان” الإلكترونية أو محرريها ولا موقع “كنعان” أو محرريه.