المثقف واحد، وإذا تعدد…خان (2)

ليكن عامنا: بعد الانتصار…ما العمل؟

عادل سمارة

استعيد هنا عبارة قلتها في تكريم اتحاد الكتاب في الأرض المحتلة لعدد من المثقفين وكنت أحدهم : “يتمترس المثقف وراء وعيه كما يتمترس المقاتل وراء سلاحه”. لذا، ليكن شعارنا اليوم: “بعد الانتصار…ما  العمل؟”

ولكن، لماذا يكمن هذا خلف وعيه وذاك خلف سلاحه؟ أليس مقاومة لقمع السياسي؟

لذا، كان يجب على  قناة الميادين ان تطرح للتشريح الخاصرتين الضعيفتين في وطننا العربي: السياسي والثقافي، تحالف الطابور السادس الثقافي مع السياسي ومن يقفوا ضدهما. اقتصر النقاش على نقد المثقفين، لا بأس، لكن اللغم، وفي تلك القناة ألغام عديدة لما يُقارب تحولها إلى حقل ألغام، كان المديح لمثقفين مارسوا الردة والخيانة للأمة! دون إية إشارة لخيانتهم؟ ترى، هل جاء ذلك صدفة! وهل تجنب نقد الأنظمة السياسية بالأسماء صدفة؟

بداية، لست بصدد الحديث عن الميادين، فكما يبدو أضحت أوضح كثيرا، وهذا في صالح الطبقات الشعبية التي عليناحتى قبل الانتصار في سوريا أن نستعيدها. لذا، سأتحث عن المثقف والوطن في حالتين ملتهبتين سوريا وفلسطين عبر  مناقشة سوري وفلسطيني.

الحديث عن المثقف ممكن وبلا حدود، وحق لكل الناس. ولكن الحديث عن ما كُتب عن المثقف يشترط احتراما  لما كتبه هذا أو ذاك من باب احترام القارىء/المستمع واحترام حق الكاتب نفسه، سواء كنت معه أو ضده.

هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فالحديث دون امثلة يبقى كضرب السيوف في الهواء تلمع وتقطع في الهواء. أي هناك أمثلة لا بد أن تُذكر، وأما ما ذُكر فكان يجب ذكره بامانة.

هنا نتحدث عن نمطين من الديكتاتورية الصغيرة في نقدها للديكتاتورية الكبرى اي السلطة/الحكم/ النظام…الخ

إذا كان للمثقف من قيمة، فهي بقدر إحاطته بالمرحلة وتحديد موقف منها. وهنا ، ولكي أكون واضحا، أقصد كافة انواع المثقفين، كافة انتمائاتهم، تبعيتهم أو انتمائهم الطبقي وبالطبع الفكري.

فكل مثقف هو مثقف عضوي لطبقته. مثقف السلطة هو مثقف عضوي للطبقة الحاكمة والمستغٍلة، هو يضيىء لها طريق الاستغلال والقمع وصولا إلى الخيانة كما هو حال طبقة الكمبرادور في وطننا العربي وضمنها طبقة الريع وتمفصلاته الإرهابية.

والمثقف الثوري النقدي المشتبك هو ايضا ابن أمته وطبقته ونبراس تنويرها.

في حلقة الميادين عن المثقفين، ورد ذكر الراحل  صادق جلال العظم ولكن بشكل مجزوء. والاجتزاء مجانبة للحقيقة ويفتك بوعي الطبقات الشعبية خاصة.

 كان العظم نقديا وكان فيلسوفا وكان في فترة ناشطا. ولكنه للأسف لم يتخلى عن جذر  أو عرق من التبعية لمثقفي وبالتالي أنظمة الغرب. فقد عجز أن يقول لمثقفين ألمان ومراكز ابحاث أنه في النهاية عربي وأن موقفه من وطنه غير موقفهم، وبأن المسألة القومية في الوطن  العربي حالة نضالية لأنه وطن تحت عديد الاحتلالات والاستعمار بما فيه احتلال حكام الريع النفطي.

بدأ العظم تواطئه الفكري منذ أكثر من عشرين سنة، حينما كتب يبرر العولمة بلسان ملتو، وكتبت نقدا له حينها (كتابي بالإنجليزية  وباء العولمة Epidemic of Globalization ، وقد صدر مؤخرا بالفرنسية.  وقبل اكثر من عشر سنوات حينما ظهر اسمه مع فريق من المثقفين  اسموا انفسهم “العقلانيون العرب”. إسم ينم عن فوقية نخبوية غريبة لأنه يحتكر العقلانية فيهم  وحدهم.

 كنت ألاحظ تغيراته وأشعر أن المثقف حين يتغير يفقد نفسه، ودائما أتسائل: هل هناك غير عدم تمثل الوعي وراء هذا التواطؤ؟

وهكذا كان، حيث انتهى الرجل إلى ان يكون فيلسوف طائفي للطائفيين السنَّة. كان بوسعنا فهم أنه ضد السلطة في سوريا ولكن أن ينتهي إلى طائفي!

وقبل ست عشرة سنة، التقيت الطيب تيزيني في محاضرة مشتركة في جمعية مناهضة الصهيونية والعنصرية في عمان، وفوجئت بطروحاته اللبرالية باسم التنوير. طبعا، كان من قبيل الأدب أن لا أرد عليه. وما أن بدأت الحرب على سوريا حتى تضاءل وصار من تلاميذ والمستمعين لعزمي بشارة في الدوحة وانتهى طبعاً مرتدا على ما كتب وعلى سوريا، وفي لحظة إحراج بكى على الشاشه.

كما ورد اسم الراحل إدوارد سعيد في الحلقة المذكورة على الميادين وبدرجة كبيرة من التبجيل ولكن دون نقد قط!

طبعا يذكر كثير من الناس أن إدوارد سعيد بدأ يمينيا وانتهى يمينيا، ومثقف عضوي لراس المال. وفي هذا هو متسق مع نفسه. وبدأ ضد الكفاح المسلح وحمل رسالة من سايروس فانس إلى عرفات لأجل التفاوض.  وانتهى مع التفاوض مع الصهاينة حتى رحل. وحينما رشح عزمي بشارة نفسه لعضوية الكنيست ورئاسة وزارة الكيان جاء إدوارد سعيد إلى الأرض المحتلة ليبث دعاية لبشارة في مدينة الناصرة.

الطريف أن صادق جلال العظم، كان من أفضل من نقد ما ورد في كتاب سعيد “الاستشراق” بمقالته المعروفة “الاستشراق معكوسا” حيث نقد قول سعيد: “أنا لا انتحب على تبعية العرب للغرب، ولكن على طريقة معاملة امريكا للعرب”.

ولكن للأسف، فإن سعيداً رحل قبل ان يشهد تبعية صادق العظم لآل سعود وآل ثاني وبقية الطائفيين السنة! لربما كان قد نام قرير العين أكثر.

لفت نظري ما ورد في الحلقة الميدانية قول أحدهم، بأن المثقف يقوم بتدوير الزوايا!  أليس هذا افتئات وعدوان على كل المثقفين الثوريين المشتبكبن؟ هل كان هكذا فرانز فانون؟

عجيب، كيف يمكن التوفر على كل هذه “الجرأة” بل التطاول  على إهانة كل المثقفين الشرفاء واصحاب المواقف! كان بوسعه القول بأنه هو مع مقولة “المثقف الدبلوماسي”؟ أو الانتهازي! هل حفزته الشاشة فانتفخ طاووسياً؟

لكنني أعتقد أنه كان تحت وحي الراحل إدوارد سعيد، الذي قال بوضوح بأنه مثقف انتقائي، ومثقف إنساني ومثقف غرامشي ومثقف  متاثر بادورنو. نعم قال سعيد انه كل هذه. ولكنني أعتقد أنه لم يكن سوى مثقف انتهازي. فغرامشي مثقف عضوي مشتبك وثوري إلى درجة الموت في السجن. بينما ميخائيل أدورنو مثقف خائن علانية، حين استدعى الشرطة لطلبته في ثورة 1968،  طبعا ادورنو لدى أكاديميين في جامعة بير زيت هو “قديس” كما مدرسة فرانكفورت الثقافوية. وطبعا ايضا معظم هؤلاء الأكاديميين اليوم في كنف عزمي بشارة في قطر ومن بينهم مثقف وصفني ب “المثقف الانتحاري”. بل هناك مئات المثقفين والأكاديميين الذين كما يبدو كان بشارة قد اشتراهم او غرر بهم قبل أن يخون سوريا، ولذا، لم يجرؤوا على قول كلمة ضده. هناك قاعدة دقيقة :”من لا ينقد المكشوف، يدفعك للبحث من اين حصل على ما في جيبه”؟ ومن اللافت ،وآمل أن أكون دقيقا، أن الميادين وجريدة الأخبار لا تقولا كلمة نقد لبشارة رغم أنه فايروس التخريب الثقافي والسياسي في الوطن العربي! فهل نقد الأخبار لمراسل الميادين هو مناكفة مع الأخبار. بينما جريدة البناء ساهمت طوعا في تعريف الناس بهذا الرجل الخطير.

أحد المتحدثين ذكر الدوحة، فأدرك أنه تورط فلم يستمر!! بل أدرك وجوب تدوير الزوايا!

من اطرف تناقضات سعيد قوله: ” انني قلق أيضا على المثقفين الفلسطينيين والعرب  الذين تعقد لهم لقاءات من طراز لقاء غرناطة في أوائل كانون ثان 1993 من قبل اليونسكو، الذي حضره لوقت قصير شمعون بيرس وياسر عرفات”. طبعا ذلك اللقاء كان تطبيعيا. ولكن سعيداً كعادته، يرمي جملاً مخلَّعة . فما مصدر قلقه على هؤلاء المثقفين، وهو منذ عام 1969 يدعو ويمارس اللقاءات مع المثقفين اليهود؟

أذكر أنني سالت عزمي بشارة قبل أن ينكشف: لماذا حضرت هذا اللقاء التطبيعي؟ فقال: كي اسمع وأعرف ما يقولوا!!! ومن الطريف ان سعيداً اكتسب شهرة في نقده لعرفات، بينما ذهب هو في التطبيع إلى أسوأ مدى!أليست مؤسسة الإعلام الغربية هي التي ابرزت سعيدا وكأنه ضد أوسلو؟

 وسعيد هو الذي كتب: “أنا آخر المثقفين اليهود…انا يهودي- فلسطيني” في محاولة للتفريق بين اليهودية والصهيونية، وهو تفريق مشوه تماما كالجمع بين اليهودية والفلسطينية.

وكتب عن رؤيته لحق العودة : “انها إذن قضية  محددة جدا، إذا سألتني بشكل مجرد، إود القول أنا لي حق في العودة تماماً كما هو لزميلي اليهودي بموجب قانون العودة الإسرائيلي”.

هذا يذكرني بفريق صرخة التعايش مع المستوطنين التي أُحاكم اليوم لرفضي لها.

ويصل سعيد لما هو أخطر فيقول:

” …لقد أيقنت أن العالم الذي نشأت فيه، عالم والداي، في القاهرة وبيروت، والطالبية قبل 1948،  هو عالم ملفق…..لم يكن عالما حقيقيا …لقد فهمت أن دوري هو أن أسرد وأعيد سرد  قصة الفقدان. أن مفهوم إعادة التوطين، العودة إلى البيت، هي في أساسها  مستحيلة”.

“وهذا يفتح على انبهاره بالمفكر اليهودي الثقافوي ميخائيل أدورنو حيق يقول سعيد: ” رأى ادورنو أن فكرة (المنزل-الوطن) قد تلاشت في القرن العشرين”. ولذا كتبت ان سعيدا حول الوطن إلى مكان. فالمكان يمكن التخلي عنه، بيعه، تقاسمه مع العدو…الخ.

ينتهي سعيد بما أعجبه في مثقف أدورنو حيث يقول أدورنو: “…المثف، يراوغ القديم والجديد ببراعة  يحول بوعي دون أن يُفهم  بسهولة ومباشرة”. وهذا بالضبط ما تفذلك به أحد المتحدثين بأن المثقف يقوم ب تدوير الزوايا! حبذا لو ينزوي أفضل للناس.

لذا حصر سعيد المثقف في الثقافة وابعده عن السياسة. لكنه هو نفسه أخضع السياسة للثقافة رغم ان التاريخ عكس هذا.

أختم بما قاله أحدهم في الحلقة الميدانية من إفتاء وتخريج . “…لم ينجح القطاع العام في اي بلد” .

عجيب هذا!هو لم يقرأ ما كتبه كثيرون كيف باع مبارك قسراً شركات القطاع العام الناجحة في مشروع نظامه للخصخصة وتبني اللبرالية الجديدة. هذا ناهيك عن تصفية القطاع العام في الاتحاد السوفييتي عبر سياسات  “العلاج بالصدمة Shock Thereby . لا بد أن هذا المثقف يدافع عن الثورة المضادة. أما المضحك فحديثه عن قطاع عام في الأردن!!! ول ول يا رجل، ربما لا يوجد في الأردن قطاع خاص. قل على الأقل قطاع حكومي.

هذا إضافة إلى زعمه بأن المثقف قلما او لا يمكنه ان يستقل دون الاعتماد على مصدر ما!!! وهذا في الحقيقة يفتح على مثقفي الأنجزة. NGOs، الذين دمروا اليسار ويتعيشون على الارتباط العلني بالأجنبي أو النفطي. انظر عن هؤلاء كتابي: ( مثقفون في خدمة الآخر، منشورات مركز المشرق/العامل للدراسات الثقافية والتنموية-رام الله 2003.(بالعربية)

ليس هذا هو المثقف الذي نريده للوطن العربي. والمهم من كل هذا، إذا كان الإعلام سيحل محل الكتاب، فليقدم للناس حقائق الأمور، لا نصفها وخاصة نصفها السيىء والباعث على الإحباط واستدخال الهزيمة. هذا ما يجب ان تفهمه قناة “ميادين الهزيمة”

ملاحظة1:ما ورد عن إدوارد سعيد هو في مقالتي: إدوارد سعيد، بين ديالكتيك النص والطبقة، يغطيه النقد  وتحرجه السياسة ويحاصره الاقتصاد السياسي. في مجلة كنعان العدد 149 كانون الثاني 2010، ص ص  84-129. كما قدمتها للمشاركةفي ندوة للجمعية الفلسفية الأردنية.

ملاحظة 2: لم أذكر العديد من المثقفين/ات المشتبكين، وهم بين صامد وشهيد وأسير ومضطر للصمت ومُغطىً عليه. لكن اكتفي بذكر حياة حويِّك عطية والشاعر القطري السجين 14 عاما بسبب قصيدة!

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة “كنعان” الإلكترونية أو محرريها ولا موقع “كنعان” أو محرريه.