“السفير”…لمشروع عظيم بحوامل من قش!

عادل سمارة

 قضت السفير كمداً…فبلا سفير يكون المشروع بلا وجود  وقد يكون هناك وجودا ولكن بلا حضور، وهذه معارضة لأطروحة ديكارت :”أنا افكر إذن أنا موجودا” فالوجود قد يكون صامتا كتيما ميتا، إن لم يتفعل إلى حضورلأن في الحضور فعلا بالضرورة. وهذا كالفارق بين المثقف النقدي والمثقف النقدي المشتبك.

 هذا اول ما خطر لي وأنا أرى الأستاذ طلال سلمان يطفىء أضواء المكان ويحمل معطفه ويغادر مكتبه وبه من الحزن ما ينوء به أُناس دهر.

 إذا كانت السفير جريدة العروبة، أو سفيرها، فانطفاء شمعتها يعكس بوضوح مأزق المشروع العروبي وتهالك القوى التي زعمت أنها عروبية. إذا كانت جميع القوى العروبية قومية ويسارية عاجزة عن حماية قلعة كالسفير وفي لحظة الصدام الهائل، فهذا يعني ان هذه القوى لا تزال من العجز بمكان.

 استمعت لحديث الإعلامية ضياء شمس مع صحفي لبناني رصين. لام الرجل الدولة في لبنان على عدم احتضان السفير وغيرها. ولكن ايها السيد، الدولة/السلطة لها مشروعها وارتباطها وأولوياتها. وليست العروبة من أولويات دويلة قُطرية وطائفية ونصف رعاياها يعشقون الكيان الصهيوني عشق بوح لا عشقاً مكتوماً. الواجب هو على شارع العروبة، وهو كبير ولكنه أقرب إلى الموات. فمن قال إن فلسا واحدا من كل واحد منا لا يمكنه إنقاذ والإبقاء على جريدة عروبية؟ بل أكثر.  لماذا يُخلى الميدان لصحف الثورة المضادة؟ لسموم الريع النفطي والإمبريالية والصهيونية طبعا.

ولكن، من يُنقذ السفير اليوم؟ هل هم الماركسيين والقوميين والناصريين والبعثيين الذين انتقلوا تماما للصف الآخر؟ فصارت الرياض عاصمة القومية العربية! أم هم ال”العروبيين” الذين يتنقلون من مؤتمر إلى آخر ومن فندق إلى آخر يأكلون ويشربون ويثرثرون عن المقاومة، والمقاومة تدفع!!! أليست السفير أحق بهذا؟ أم لأنها فطور الفقراء؟

في زيارة إلى المناضل الحقيقي الراحل بهجت ابو غربية أثناء احتلال العراق 2003، كانت بالصدفة مجموعة من الأصدقاء اذكر منهم عبد الله حمودة، والمحامي عبد العظيم المغربي. حينها وصل الحديث إلى طبيعة المؤتمرات الشكلانية كالمؤتمر القومي العربي.  فقال احد الأصدقاء مازحاً: ” كنا نُدعى إلى ليبيا بموعد محدد للقاء العقيد مثلا في طرابلس، وحين نصل يقولوا في سرت، نلحقه إلى سرت فيقولوا في بنغازي…”. ضحكنا حينها لأن الراحل القذافي كان يعلم أن هذه المؤتمرات لا تُثمر. ذكرت لهم حينها ما قاله لي الراحل صالح برانسي حينما حضر المؤتمر القومي العربي في المغرب، فإذا بين الحضور مدراء مخابرات ووزراء ورؤساء وزارات عربية سابقين. برانسي نقدهم بوضوح ولم يعد يشارك.

ليس جديداً موت السفير كمدا. أستذكر الرفيق الراحل صالح برانسي الذي اسس مجلة كنعان التي كانت تصدر هنا في الأرض المحتلة. كان يمول صدورها من قوميين عرباً. وتمويلها كان مجرد “قروش” كنا نعمل بها شبه متطوعين. اذكر حين تسلمت رئاسة تحريرها سألني الصحفي بسام كعبي حيث دعوته للعمل . سأل كم راتبي؟ قلت له 400 دولار؟ قال وراتبك قلت 500. ضحك وقال طالما هذا راتبك لا حول ولا، والله لو بلاش احسن، وتسلم العمل.

كان ذلك حينما عُقدت اتفاقات أوسلو حيث دار حديث بين الشعبية والدمقراطية وفتح الانتفاضة وصالح برانسي لإصدار جريدة معارضة، لكن لقلة السيولة المالية إقترح برانسي تحويل كنعان إلى جريدة أسبوعية، وعملت رئيس تحريرها. كان اول رئيس تحرير الرفيق الشاعر أحمد حسين ثم الراحل نواف عبد حسن. وحينما شح التمويل أعدناها مجلة دورية.

 خرج برانسي إلى الوطن الكبير ليطلب استمرار دفع كلفها. فقال له أحد القوميين: “لا نستطيع الدعم لأنها ضد التيار السائد”!. أي تغير البعض “العروبي” لصالح اوسلو. وهم عرب وليسوا من فريق أوسلو الفلسطيني. حينها عمل المتبقي منا مجاناً بدءا من نيسان 1998، وتبرع اصدقاء بكلفة الطباعة والتوزيع وبقي مكتبي الخاص للمجلة مجانا كذلك.  وبقينا متطوعين إلى ان اغتالتنا الصحافة الإلكترونية. لم يصمد الورق أمام الهواء. توقفت كنعان مع العدد 157 في نهاية 2011، وصدرت ثلاثة مرات إلكترونيا، إلى ان قررنا وقفها لصالح كنعان الإلكترونية. على كل حال، ليست السفير وحدها ولا آخر سفير يرحل كمداً. …للأسف؟

بالمناسبة، في لقاء  عام 1996 لبرانسي مع د. خير الدين حسيب من مركز دراسات الوحدة العربية الذي يصدر مجلة المستقبل العربي-بيروت، قال حسيب: لا لزوم لكنعان لأن المستقبل تسد الحاجة. مؤخرا أرسل لي الرفيق عبد الله حمودة  من عمان مقالة في نفس تلك المستقبل للسيد حسيب تطبيعية تماما؟؟؟ (العرب إلى أين؟ نحو خريطة طريق للخروج من المازق العربي الراهن .المستقبل العربي، العدد 443، كانون ثاني يناير 2016 ص ص 108-127). وللتذكير، فإن نفس مركز دراسات الوحدة العربية قد نشر فيما نشر كتابا ضد الوحدة العربية تأليف د. محمد جابر الأنصاري مديحاً للدولة القطرية بأنها مقدمات للوحدة العربية. والرجل من الإمارات التي  كما قطر  تدمر سوريا واليمن كما دمرت ليبيا، وتستقبل هذه الأيام  صهاينة ساسة وحاخامات. وهي نفسها، أي قطر،قامت قبل عام بتكريم شاعر فلسطيني تورط في التطبيع مع الكيان ووقف ضد سوريا!!! (انظر الصور) ورغم ذلك يواصل التغني بفلسطين!! في هكذا حفلات تُنفق ثروة العرب، فأي أدب تُكرِّمه مستعمرة للإمبريالية والصهيونية؟

 رددت على كتاب الأنصاري  بكتابي: دفاعا عن دولة الوحدة، نشرته دار الكنوز الأدبية في بيروت  2003 والتي اسسها الرفيق الراحل عبد الرحمن النعيمي -سعيد سيف_).

ملاحظة: للمفارقة ، في التحقيق معي حول نقدي لصرخة التعايش مع المستوطنين بقيادة د. يحي غدار، أصر المحقق انني رئيس تحرير كنعان الإلكترونية. فهمت أنه لا يعرف الفارق بين الورقية والإلكترونية التي تصدر في كاليفورنيا!!. قلت في داخلي لن أخبره لكي يعرف يوم الدفاع في 18 كانون ثاني الجاري، وسيعرف هو وغيره الكثير ومنه كيف يمكن لأكاديمي كبير عروبي ويساري…الخ أن يسرق بضعة فلوس من تمويل المنتدى الثقافي العربي. إن قوميين ويساريين من هذا الطراز لن ينقذوا السفير.

لا عجب يا سفير، ولكن لا بد من النهوض.

 

حفل توزيع جوائز كتارا لل … ربية الدورة الثانية 2016

https://www.youtube.com/watch?v=d-kIAIkRoi0

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة “كنعان” الإلكترونية أو محرريها ولا موقع “كنعان” أو محرريه.