بين حلب والكرك

جورج حدادين*

كانت ستالين غراد، في الحرب العالمية الثانية، بوابة الانتصار على النازية والفاشية، فلما لا تكون حلب بوابة الانتصار على مشروع الشرق الأوسط الجديد/ الكبير.

وكما ولدّت ستالين غراد العزم والتصميم والإرادة لدى القيادة السياسية والعسكرية السوفيتية، لحسم المعركة لصالح الإنسانية جمعاء، فلما لا تولّد حلب العزم ذاته والتصميم ذاته والإرادة ذاتها لدى القيادة العسكرية والسياسية السورية، لحسم المعركة نهائياً لصالح شعوب المنطقة والعالم جمعاء.

الحرب العالمية الثانية كانت بالنسبة للسوفيت تعبيراً واضحاً عن صراع الرأسماليات القومية فيما بينها حول السوق، ولكنها في الوقت ذاته كانت – القيادة السوفيتية – متأكدة بأنها ستتحول لتأخذ طابع التناقض التناحري بين المنظومة الرأسمالية والمنظومة الاشتراكية، حالما تحط الحرب أوزارها، وهو ما حصل بالفعل، حيث انفجرت مباشرة الحرب الباردة بين المنظومتين ، الاشتراكية والرأسمالية، كذلك هي حال الحرب في وعلى سوريا ، هي في المحصلة حرب التناقض التناحري بين حركة التحرر الوطني العربي والمركز الرأسمالي العالمي وأتباعه المحليين والإقليميين.

انتصار حلب العظيم، انتصار الجيش العربي السوري والمقاومة اللبنانية وكافة الحلفاء على الأرض، والطيران الروسي في الجو، و المساهمة الشعبية الوطنية من خلال صمودها الرائع وعلى كافة المستويات، هو انتصار على مشروع المركز الرأسمالي العالمي – الشرق الأوسط الجديد / الكبير- وعلى كافة قوى التبعية الإرهابية واللبرالية، لذا يجب أن يشكل هذا الانتصار بوابة الانتصار النهائي على كافة المشاريع المعدة لهذه المنطقة المعلن منها والمخفي.

هل مسموح طرح سؤال قد يبدو في غير محله؟

هل كان يمكن لهذا الانتصار التحقق قبل عشرة أشهر؟ شهر شباط / فبراير الماضي، عندما حقق التحالف انتصاراً كبيراً على قوى التبعية الإرهابية واللبرالية، وحيث أصابها انهيار متدحرج، كان يمكن استثماره لتحقيق النصر آنذاك، فلماذا لم يحدث؟

ألم يكن السبب هو وهم الحل السياسي، ألم تستغل قوى الإرهاب هذا الوهم لكي تعيد بناء جهوزيتها وتحقق الهجوم المعاكس، ما الذي يمنع تكرار الحدث.

هل هي صدفةً أن تأتي أحداث الكرك بعد انتصار حلب؟

دخلت قوى التبعية الإرهابية واللبرالية، بعد انتصار حلب مرحلة جديدة، مرحلة الانهيار، ويبدو أنها بصدد إعادة صياغة إستراتيجيتها بعدما تبين لها مدى برجماتية الدول الداعمة لها واستعدادها للتخلي عنها، لا بل محاربتها كما هو الحال في العراق وشمال سوريا.

لقد تم استغلال قوى التبعية الإرهابية واللبرالية، من قبل المركز ودول التبعية في المنطقة وعلى رأسها تركيا، أداة في مشروع مرحلة انقضت، وباتت التضحية بهذه القوى أو احتواؤها تحصيل حاصل.

اعتقدت قوى الإرهاب تحديداً أنها شبت عن الطوق، وتستطيع التصرف خارج الدائرة المسموح بها من قبل الداعمين لها، فجاءت معركة حلب صفعة قاسية على وجهها، وبناء عليه قررت القيام بهجوم معاكس وفي كافة الاتجاهات: حيث غزوة تدمر ، وفتح معركة مدينة الباب شمال سوريا ، مع الحليف والداعم تركيا، كما ويبدو أن كافة الأطراف بصدد إعادة النظر بخططها.

في هذا السياق تأتي عملية الكرك.

لماذا يستهدف الإرهاب الأردن في هذا الوقت بالذات؟

هناك جملة من العوامل التي تغذي تفشي هذه الظاهرة، وهناك شواهد على التحضير عبر تكديس الإرهاب السلاح، كما دلت على ذلك عمليات الكرك:

· السماح وفسح المجال الرسمي لثقافة داعش التوغل في أوساط المجتمع وفي داخل المؤسسات الرسمية، لتظهر أحداث الكرك وما سبقها من عمليات أن بعض المجتمعات المحلية ، تشكل حاضنة غير معلنة للإرهاب.

· نهج قيادة سياسية، تضع مصالح المركز الرأسمالي العالمي، فوق المصالح الوطنية، حيث انغمست في تسعير العداء المذهبي، فقط وفقط من أجل تسهيل تمرير مشروع تمزيق هذه الأمة، لإنفاذ مشروع الشرق الأوسط الجديد/ الكبير، فارتد هذا السعار على الأردن وسيتعمق هذا الارتداد مع الوقت.

· الخضوع لإملااءات الصندوق والبنك الدوليين، التي تمثلت في سياسات الخصخصة، ألتي أدت إلى إفقار شرائح واسعة من المجتمع الأردني، وخاصة الشرائح الوطنية الكادحة والمنتجة، بحجة إطفاء المديونية والتي تضاعفت عدة مرات بعد مرحلة الانتداب الثانية من قبل هاتين المؤسستين على البلد.

· تعميم ثقافة الاستهلاك على حساب ثقافة الإنتاج، واتباع سياسة ” تحفيز المستهلكين ومعاقبة المنتجين” التي أدت إلى إغراق المجتمع بالديون الفردية والجمعية.

· تحميل الشرائح الكادحة والمنتجة، وزر أزمة لم تشارك في خلقها، بل هي نتاج سياسات قوى التبعية في الحكم وفي السوق وفي صفوف النخب، التي تم إعفاؤها من كافة تبعات الأزمة، لا بل تم دعمها وخاصة المؤسسات المالية وعلى رأسها البنوك التي باتت تتحكم في لقمة عيش المواطن.

يبدو أن الصراع في المنطقة قد انتقل إلى الخطة ب : إنفاذ “كونفدرالية الأراضي المقدسة” و “تكتل البحر المتوسط – بحر العرب” من خلال ممارسة ضغوط أمريكية على الحلفاء في المنطقة بعد فشل مشروع إسقاط سوريا، وأن الظروف باتت مواتية، كما يعتقد المركز الرأسمالي العالمي، لإنفاذ مشروع كونفدرالية الأراضي المقدسة: الأردن والسلطة الفلسطينية والكيان الصهيوني، مقدمة لتكتل البحر الأبيض – بحر العرب، أي ضم مجلس التعاون الخليجي إلى الكونفدرالية، تكتل الطاقة: النفط الغاز والصخر الزيتي.

وأن خنق المجتمعين الأردني والفلسطيني ودفعهما لحافة الهاوية، يأتي في سياق إرغامهما على تبنى هذا المشروع، وفي الوقت ذاته البدء بممارسة الضغوط على حكومة الكيان الصهيوني، كما تجلى في قرار مجلس الأمن الأخير حول المستوطنات، لناحية تبنى طرحه من قبل دول مثل: نيوزلندا والسنغال وماليزيا، بالطبع موقف فنزويلا موقف مبدأي، بعدما سحبته مصر، وإقراره في مجلس الأمن بدون فيتو أمريكي.

تسعير العداء المذهبي في المنطقة الذي لا يخدم إلاّ تبرير التحالف بين دول الخليج والكيان الصهيوني مقدمة لبناء التكتل : مجلس التعاون مع كونفدرالية الأراضي المقدسة: تكتل البحر المتوسط – بحر العرب، والضغوط السياسية والإعلامية والنفسية والمالية ضد السعودية، وإقرار قانون محاسبتها عن أحداث 11 من أيلول عام 2001 تأتي في السياق ذاته.

*كاتب وباحث أردني

:::::

موقع “ميسلون”

 

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة “كنعان” الإلكترونية أو محرريها ولا موقع “كنعان” أو محرريه.