قناة الميادين… و حارس المؤسسة اليساري تشومسكي

حياة ربيع

هناك مفهوم في المؤسسة الاعلامية بما معناه ان المرحلة التي تلي الذروة الإعلامية  مباشرة تكون هي الاكثر حساسية وهشاشة لدى المتلقي لقبول ما تمليه عليه وسائل الاعلام، وكل طبعا بحسب وسيلته الاعلامية المفضلة.

 اما الذروة الاعلامية فهي تغطية لحدث ما مثلا كتغطية اعلامية لحرب او لعدوان او لاحداث هامة تستقطب الجمهور حولها، كما حدث مؤخرا في تغطية مرحلة معارك حلب وتحريرها على قناة المياديين، او كما كان يحدث على قناة الجزيرة، حين كانت تغطي احداث الانتفاضات الفلسطينية او العدوان على غزة او العدوان الصهيوني في تموز 2006 على لبنان.

ولكن،  ودون ان ينتبه المتلقي،  تتوقف تغطية الحدث وتنساب البرمجة العادية الى روتينها السابق. تستغل الفضائيات سيكولوجياً هذه النقطة التي منها تعود الى نمطها الاعلامي الروتيني حيث يتم خلالها التوجيه والتعبئة اللاشعوري عند المتلقي- كان يتم دس السم في العسل. اي ان مرحلة تغطية الحدث بكثافة هي مرحلة العسل التي بها ومن خلالها تكتسب الفضائية المرئية المصداقية لدى جمهورها ليصبح بعدها كل ما يصدرعن هذه القناة مقدسا ومقبولا بدون تمحيص لدى السواد الاعظم من جمهورها.

 من المفترض ان وقت “هواء” قناة المياديين هو اثمن بكثير من ان يسمح باعادة بث وثائقي سطحي عن الاكاديمي الامريكي ناحوم تشومسكي لم تمض بضعة اشهر على بثه الاول والذي لم يكن موفقا فيها، ويبدو ان اعادة البث هذه ليست  ناتجة عن سوء برمجة عند القناة بل اجلالاً مقصودا ليسارية تشومسكي المزعومة. هذا إن صح تصنيفه كيساري، علماُ بأنه يتأرجح بين النارخية واللبرالية لا سيما أنه لم يزعم ان في معتقده الفكري البحت  مكوناً اشتراكيا بالمعنى العلمي.

ان عرض وثائقي تشومسكي على المياديين ثم اعادته في خلال بضعة اشهر يفتح الباب على نقاط كثيرة بحاجة لتسليط الضوء عليها. فمفردة “وثائقي” بحد ذاتها مضللة حيث تعطي انطباعا بانه عميق يستحق الأرشفة و “غير منحاز” وهذا غير ممكن بل ان هذه الوثائقيات هي في غاية الانحياز، والمتلقي من ثقافة اخرى لا يستطيع ان يسبر غور هذه البرامج لافتقاده لكثير من المعطيات الضرورية لفهم هذه الوثائقيات فاي وثائقي هومجرد تعبيرعن وجهة نظر مموله في المقام الاول ولذلك يختار من المادة وينتقي ما يخدم وجهة النظر التي يدعمها ويسوق لها. وهذا ينطبق على كل الوثائقيات التي مع او ضد اي أمر او موضوع وكذلك  وثائقي الميادين عن تشومسكي، الذي بالمناسبة لم يتم انتاجة خصيصا لجمهور الميادين ولا لجمهور الوطن العربي. وإذا صح زعمنا هذا، يكون السؤال :إذن ما الذي وراء إنتاجه وإعادته سريعا هكذا؟

النقطة الثانية هي التبعية الفكرية والثقافية والانبهار الاعمى دون احاطة بالمعطيات وضحالة معلومات غالبية والاكاديميين والمثقفين  العرب (الانتلجنسيا) ذوي النوايا الحسنة  المنطبعين بالغرب الأورو/مركزاني ، بل الذي ينتهي متغربنا ومتخارجا معاً. والإشكالية الناتجة عن ذلك أنه، أي حين، ينتقل الى وسائل الاعلام العربية وهنا اخص وسائل المقاومة والممانعة حيث يتلقاه المستمع بلا حذر أو تدقيق.

 هناك كثير من القضايا العالمية التي يبدو المثقف العربي ناهيك عن المواطن العادي في غيبوبة أو منوَّم مغناطيسياً تجاهها حيث لا يدري منشأها ولا الهدف منها ولا له تأثير عليها، لذلك هو/هي غير قادرين على تقييمها او توجيه نقد بناء لمن يمثلها او يخوض فيها.

يُصوَّر ناحوم تشامسكي لمريديه وتحديدا في الوطن العربي على انه الاكاديمي اليساري الراديكالي الناطق بالحق في وجه نظام الهيمنة الامريكية. والسؤال الأول الذي يتبادر لذهن الباحث في تشومسكي هو كيف استطاع ان يجمع بين كونه صوت أكاديمي منشق ومغرد خارج السرب وان يحافظ على منصبه المرموق جداً في اكاديمية المؤسسة تحديداً في صرح من اهم مواقع صناعة القرار الامريكي الا وهو إم آي تي (معهد ماسيتشيوستس للتكنولوجيا)؟! فالاكاديميا لا تسمح بانتقادات جذرية تهز أسس المؤسسة. وهناك من الاكاديميين الامثلة الكثير مثل نورم فينكلستاين وورد تشرتشل وديفيد إف نوبل الذين عوقبوا بالطرد وتشويه السمعة وبالاغتيال لانتقاداتهم الجريئة وارائهم المستقلة.

في الظاهر, يعتبر ناحوم تشاومسكي من المحور اليساري وتقدميته, الا انه بما ان اليسار اطياف فمن الانسب، ان جاز، وضعه في يسار اليمين فهو في جملة مواقفة تجاه النظام العالمي الجديد يعتبر من اهم حماته والمدافعين عنه. فمواقف تشومسكي من قضايا عالمية كبيرة تميط اللثام عن حقيقة دوره كحارس (قطروز) لمؤسسة النظام العالمي الجديد في مجمل مواقفه. ولا باس من استعراض بعض مواقفة تجاه اهم القضايا الوطنية والعالمية.

 في الشأن الفلسطيني… تشومسكي يتفاخر بصهيونيته وليس فقط بيهوديته ويتباهى بحرصه الشديد على الكيان الذي ينتمي اليه قلباً وقالباً وعاش فيه وفي كيبوتصاته على الاراضي الفلسطينية السليبة ويتباهى انه لو لم يكن يعيش في الولايات المتحدة لاختار العيش في الكيان الغاصب.

ومن اهم المآخذ على تشومسكي ان انتقاداته للمؤسسة الامريكية هي مجرد سطحية وتعتمد على التضليل لاخفاء حقيقة جرائم النظام العالمي الجديد ومن يقف خلفه من المتنفذين مما اعطاه اسم حارس البوابة اليسارية. من داخل الولايات المتحدة الامريكية تتجلى مواقفة داعمة للمؤسسة الرسمية وان كانت مغطاة  بغشاء يساري رقيق.  اما اسهاب تشومسكي في انتقاد الامبريالية الامريكية والفقر ليس الا لكي يطرح الحل البديل في نظره وهو مؤسسة الحكومة العالمية المتمثلة في هيئة الامم المتحدة حيث يرى ان الحل هو حكومة عالمية واحدة، جيش واحد، محكمة واحدة، بنك واحد وكذلك دين واحد! وهذه الاهداف هي في صلب النظام العالمي الجديد.

بخصوص احداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، فان تشومسكي يرفض الخوض في الادلة الدامغة على تواطوء الحكومة الامريكية وعلى معرفتها المسبقة لحدوث التفجيرات ويصرعلى فرضية التسعة عشر مهاجم الذين جاؤوا من الخارج وهي الرواية الرسمية للأحداث اي ان الهجوم كان خارجي وليس مدبر من الداخل كما اظهرواثبت المتخصصون الباحثون والناشطون في احداث التفجيرات من كافة المجالات والتخصصات. وقد سبق لتشومسكي واتفق مع الرواية الرسمية لاغتيال الرئيس جون كينيدي ورفض ما دونها.

هو يرى  كذلك ان لجنة العلاقات الخارجية الامريكية كما اللجنة الثلاثية اضافة الى مجموعة بيلديربيرغ هي “منظمات لا شيء” وانها مجرد مجموعات اجتماعية لا تاثير سياسي لها!  اما الاكثر غرابة في مواقف تشومسكي فهو رؤيته ببراءة وكالة الاستخبارات الامريكية (السي آي إيه) وانها ليست اكثر من مطية للبيت الابيض ولتنفيذ اوامره لكن الوكالة بحد ذاتها ففي نظره لا حول ولا قوة لها! اضافة الى كل هذا، ينكر تشومسكي وجود “مشروع القرن الامريكي الجديد” – المنادي بحروب عالمية- مع وجود وثيقة الفها بهذا الاسم  لفيف من المحافظين الجدد على رأسهم ديك تشيني وبول وولفويتس. كما ان تشومسكي المتباكى على الفقر وفقراء العالم الثالث يعزف عن الخوض في بنك الاحتياط الفيدرالي الامريكي والذي هو مؤسسة نقدية خاصة متحكمة بالولايات المتحدة الامريكية لحساب الافراد المالكين.

ومن جملة اهداف النظام العالمي الجديد التي يدعمها تشومسكي تقليص عدد سكان العالم. وبالتالي هو يتفق مع المنظرين كيسينجر وبريجينسكي المطالبين بتقليص سكان العالم سواء كان بالحروب او بالتطعيم او باي وسائل الابادة كالاسلحة البيولوجية. كما انه يدعم انهاء القوميات لحساب حكومة هيئة الامم العالمية. كما ينادي تشومسكي بالغاء القوميات الوطنية ويتفق مع الغاء الحدود بين دول امريكا الشمالية وضمها للولايات المتحدة لتصبح كيان واحد. كما ينادي بالغاء ملكية الارض الخاصة. وبالغاء حرية اقتناء السلاح للدفاع على النفس (البند الثاني من الدستور الامريكي) وبالتالي سحب كل سلاح ما دون سلاح الدولة التي ستؤول الى حكومة عالمية واحدة بجيش واحد وهو النيتو.

هذه  الأراء والشعبية لتشومسكي تأتي مدعومة بجملة من المطبعوات الرسمية اليسارية التي تمولها مؤسسات المعولمين كروكفلير وفورد وكارنيغي ومكآرثر والتي تعتمد على مجموعة من الفاعلين المتمظهرين بالراديكالية والذين يحرسون المؤسسة بانتقادات سطحية دون ان تمس الجوهر بينما تشتت الفكر اليساري وتدخله في متاهات.

خطورة تشومسكي تكمن في اسلوبه التضليلي والتشويشي على اصل الموضوع، حيث يحاول ان يُشكِل لكي يقدم الحل المنشود المتمشي مع اهداف المؤسسة وبالتالي مع ما يخدم النظام العالمي الجديد. فبينما هو ينتقد النتائج يغطي على الاسباب. واما الحلول التي يعرضها فليست الا مجرد انسياقات لاهداف صفوة المتنفذين واصحاب قوى العولمة. لهذا فان اعطاء تشومسكي هذا الحيز بعد ذروة اعلامية كمعركة تحرير حلب لا ينسجم مع وسيلة اعلام محسوبة على محور المقاومة والممانعة.

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.