دستور روسي ووطن سوري

ثريا عاصي

لا أعتقد أن جغرافية الأوطان الطبيعية والسكانية ودساتيرها ونظمها وأعلامها الوطنية، هي أمور تمنح كمثل «الهبات»، أو تفرض كمثل «قانون السكان الأصليين» الذي كان يـُطبّق في المستعمرات.
من المحتمل أن تكون عدوى حروب الطوائف والمذاهب في لبنان في سنوات 1970 قد انتقلت إلى سورية. الجميع يعرفون أن الغاية الرئيسية من وراء هذه الحروب كانت إغراق حركة التحرير الوطني الفلسطيني في الوحل حتى يسهل القضاء عليها أو إبعادها ونفيها. حيث تصدرت حركة الأخوان المسلمين، توازياً مع ما يجري في لبنان، مواجهة «غير سلمية» ضد نظام الحكم في سورية تأسيساً، بحسب مفهوم هذه الحركة، على توكيد حق «السنة الثابت في إدارة شؤون البلاد (سورية) مدعّما بشرعية تاريخية مستمرة منذ 14 قرناً من الزمن». كانت إجابة الدولة السورية على خطاب الأخوان المسلمين (على لسان الرئيس حافظ الأسد 1976 )، نحن لسنا معتادين على هذه اللغة». تحسن الملاحظة هنا إلى أن الحرب بدأت في سورية منذ ذلك الحين وأنه تخللها على الدوام وقائع في غاية العنف، لا تقل بشاعة عن الأعمال التي يصورها ويعرضها إعلام «الإرهاب الإسلامي» في السنوات الست الأخيرة.
ما أود قوله في هذا السياق هو انه يوجد من وجهة نظري اختلاف بين استخدام الدين في التصدي لمقاومة الغزو الإستعماري من جهة وبين استخدامه في السياسة الداخلية من جهة ثانية، استناداً على ان الدفاع عن البلاد يتطلب اتحاد مكونات المجتمع والمساوة فيما بينها دون استثناء، بالضد من الإنغماس في الصراع الداخلي وتوسل مفهومية دينية انطلاقاً من مصادرة الديانة، والدعوة إلى الفرز والتمييز بين الناس في الحقوق السياسية والمدنية!
أضع هذه التوطئة كمدخل إلى مقاربة مسألة «مسودة الدستور» التي سمعنا أن الروس وضعوها على طاولة المؤتمر الذي انعقد مؤخراً في أستانا حول سورية، تحت رعاية ثلاثية، روسية ـ إيرانية وتركية. وتوخياً للدقة يتوجب القول أن ما وصلنا في الحقيقة ليس مسودة الدستور وإنما تسريبات تناولت بعض فقراتها . هذا يبرر السؤال حول إختيار هذه الفقرات بالذات وإبقاء النص الكامل طي الكتمان . ولكن هذا موضوع ذو شجون!
بكلام آخر، لست في هذه المقالة بصدد البحث في مسألة الدستور الذي يقترحه الروس، فأنا لا أدعي الإختصاص في العلم الدستوري هذا من جهة، ومن جهة ثانية، لا نعرف عن الدستور المقترح إلا نتفاً فلا ندري شيئاً عن «الناتف» ومقاصده.
كأنه أراد أن نقتنع بأن المجتمع السوري بلغ درجة متقدمة من النضج في الممارسة السياسية بحيث صار نظام الدولة الرئاسي غير ملائم وبالتالي يلزم استبداله بنظام برلماني يمنح السلطة التنفيذية للحكومة تحت إشراف البرلمان الذي يتولى عملياً السلطات الرئيسية في الدولة.
الرأي عندي ان الإشكال الرئيسي في هذه الفقرات «الدستورية» يكمن في هذا البرلمان الذي يسمى «جمعية الشعب» بناء على اعتبار السوريين جميعاً منتمين إلى «جمعيات» عرقية أو دينية، طائفية ومذهبية «ولكل جمعية منها منطقة وجمعية منطقة». ويخيل إلي في إطار « هذه العربدة القانونية « إذا جاز التعبير وعلى ذمة الذين وضعوا بين أيدينا هذه الفقرات من «مسودة الدستورالروسي»، أن جمعية الشعب تضم كافة «جمعيات المناطق»!
بصرف النظر عن الغوص في روحية هذا الدستور الذي يجعل سورية نوعاً من موزاييك دويلات ذات حكم ذاتي، وعن إفساح المجال أمام احتمالية تعديل حدود البلاد هذا يعني بحسب فهمي الشخصي، التخلي عن جزء منها، شرط الموافقة على ذلك عن طريق الإستفتاء العام! بصرف النظر عن هذا كله، أو بالأحرى رغم هذا كله، تنص المسودة المذكورة على أن «الجمهورية السورية دولة مستقلة ذات سيادة وديمقراطية تعتمد على أولوية القانون ومساواة الجميع أمام القانون والتضامن الاجتماعي واحترام الحقوق والحريات ومساواة الحقوق والحريات لكافة المواطنين دون أي فرق وامتياز» هذا لا يعدو كونه خداع كلام.
يتضح ذلك بالمقارنة مع اقتباس آخر من نفس المسودة يتناول مسألة التمسك بالتمثيل النسبي لجميع الطوائف والأديان والمكونات لسكان سورية، مع ضرورة حجز بعض المناصب للأقليات القومية والطائفية. أعتقد أن الخداع ليس بحاجة إلى برهان . فالدستور المقترح يحتوي على متناقضات كبيرة في موضوع المساواة في الحقوق وعدم التمييز بين المواطنيين على وجه الخصوص . كأن الذين قاتلوا واستشهد الكثيرون منهم من أجل سورية وبقائها وعزتها واستمرارها  في أداء دورها في اطار العروبة ليسوا سوريين.
إذا كانت هوية سورية العربية تزعج البعض، فإن هذه الهوية ما كانت يوماً إجبارية أو وراثية، ولكن ما لا يقبله السوريون والعروبيون هو أن تسمى دولتهم استناداً إلى هذه المسودة «جمهورية الديانات والطوائف والإثنيات السورية» فهذا لا يشرف أحداً. أيها المتآمرون والمتعاونون مع الأعداء إرفعوا أيديكم عن سورية!

:::::

“الديار”

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.