الحكيم الإنسان والثائر والذكرى

عادل سمارة

نص حديثي يوم 2 شباط 2017 في قاعة غرفة تجارة رام الله في الذكرى التاسعة لرحيل الحكيم  أنا و د. أحمد قطامش.

 بداية، موجها حديثي للشاب الطيب الذي قدمني: اسمح لي مسح (د) من تقديمك لي. وذلك لسببين:

الأول ان الرجل الذي نتحدث عنه شطب (د) من اسمه فأسموه الحكيم. كم مرة رأيت (د) في إسم جيفارا؟ هل كان كونفوشيوس (د)؟

والثاني: استخدام (د) يكون لتقديم طلب شغل لمن يرغب و/أو  يحتاج بان يعمل كعامل مأجور، ادعوني رفيق، ابو سمر، ابو يزن، ماشي.

لن اتطرق كثيرا لمواقف الحكيم وأطروحاته، فهي موجودة في الفصل السابع من كتابي (ثورة مضادة، إرهاصات أم ثورة، إصدار دار فضاءات-عمان 2012 وبيسان رام الله 2013).

سأحاول الحديث عن الهدف، مواصلة النضال، المآل والآتي. وليس هذا الحديث محاضرة منهجية.

وليس الهدف إحياء الذكرى لأن الذكرى حية بذاتها ومحتواها. فقراءة التراث ليست للتغني به او التباكي كما ليس تقديم ما يطلبه المستمعون.

الهدف كما أحب أن يكون هو:

الشغل في ما لم يُنجز من أجل إنجازه وليس التغني بما تم إنجازه

وهنا أتوجه إليكم/ن بأن المطلوب منكم أن تعلموا بانكم ستكونوا افضل منا لأنكم تضمون تجربتنا إلى طاقاتكم الشابة، اي انكم أمام مشروع كبير ولديكم اسلحة.

هذا يذكرني بقول الراحل  د. ملحم قربان في الجامعة اللبنانية 1963 حيث قال لنا كطلبة سنة أولى: “إسمعوا، سأعاملكم على أن كل واحد منكم فرخ علامة”. كل واحدة/د منكم مشروع مناضل مفكر . هذا ما يمكن البدء باخذه من تجربة الحكيم.

بداية أهمية الحكيم أنه بدأ وطنياً، اي قبل اعتناق أية إيديولوجيا، وهذا هو أساس التحصين الدائم. تتغير العقائد ولا يتغير الوطن. يمكنك اعتناق نظرية ما وبصمودك ترتقي لنظرية ارقى، وبانهيارك ترتد لنظرية أصولية وهابية مثلا. وهذا مفصلا هاما. وإذا تمكنت من البقاء وطنيا، ومتماسك نظريا، لا يقلقك انحراف التنظيم، فإما أن يُهدم الانحراف أو تغادره وتبقى.

لم يكن الكفاح المسلح للجبهة الشعبية هو البداية في النضال الوطني للحركة وللحكيم. فالجبهة نابتة عن حركة القوميين العرب التي كان الحكيم أبرز مؤسسيها بهدف تحرير فلسطين. فقد أنشأت منظمة ابطال العودة ومنظمة شباب الثأر. ولا مجال هنا سوى لذكر الشهيد خالد 1965 فلسطيني من لبنان، وكذلك مجموعة عملية مستوطنة يفتاح قرب عكا 19 حزيران 1966 “الشهداء محمد رفيق عساف وسعيد العبد سعيد ومحمد اليماني والجريح الأسير سكران محمد سكران ” . وبعد هزيمة 1967 تحولنا جميعا للجبهة الشعبية.

بعد، وارتكازا على الوطنية، هناك الرؤية الواضحة باكرا لدى الرجل. هي الوطن وتحريره من البداية حتى النهاية. وهذا يعني الغضب كشعور والرفض كقرار ، وهو ما قاد إلى الثبات على الموقف حتى النهاية. وهذا امر ليس من السهولة بمكان ابداً.

ليس سهلا في وطن تنيخ على ارضه أو تحت جلد الكثيرين فيه الثورة المضادة كي  تنقض على اي نهوض عروبي. فالنهوض العروبي ليس متعة او سياحة، بل هو ااشتباك مُرّْ وقاس. وقد بدأ ولا يزال ولكن مع اغتصاب فلسطين أخذ محتوى اقسى ولكن أوضح. ولذا، فإن صمود الفلسطيني او تساقطه هو حاسم في مركزية هذا الصراع، ومن هنا كانت حياة الحكيم لتثبيت الموقف كصراع الشيخ والبحر (اسم كتاب لإرنست همنجواي) . وكما تلاحظون، فإن اغتصاب الحراك العربي “الربيع العربي” أشد إثبات على قوة الثورة المضادة.

مواجهة الثورة المضادة لا تتساوق مع تقاعد الثوري ولا مثلا مع:

·      أنا اعطي المقاومة والتحرير20 سنة

·      وأعطي 20 سنة أخرى لدولة ديمقراطية مع الصهاينة في فلسطين

·      وأعطي رغباتي الاقتصادية 20 سنة وقد أعطي قسما منها لأكون تابعا أو متانجزاً مثلا لأني “زهقت الفقر”.

تجربة الحكيم، واضحة، نسق وموقف واحد للنهاية. ذلك لأن الثوري واحد في موقفه ومن ثم فكره، وإن تعدد…خان.

بصدد استمرار موقف الحكيم، وعدم تغيير الموقف الوطني من التحرير قبل العود والدولة إلى دولة او دولتين…الخ، أود هنا الإشارة إلى مسالة خلافية في تقييم تجليات النضال. جميعنا نُعلي من قيمة الشهيد كتضحية، ولكن معظمنا لا ينتبه لمسألة اشد قساوة وهي القدرة على مواصلة النضال دون مساومة وفي ظروف مجافية وتحت تهديد متواصل بالقمع أو حصول القمع واحتمال الاغتيال واستمرار هذا لعقود. هذا يتطلب أعصابا قوية لا يحميها سوى عمق فكري نظري…الخ. ولا ينتبه معظمنا كذلك إلى الفارق بين العملية الاستشهادية التي لا يحصل فيها اشتباكاً بل تتم في لحظات من جانب الاستشهادي، وبين الفدائي الذي يدخل اشتباكا ممتدا في معركة ما حيث يتطلب ذلك أعصاب صمود ممتد.

ليس هدفي التقليل من قيمة الشهيد، ولكن الانتباه إلى أهمية استمرار الانتماء للمقاومة بانواعها مما يحتاج لأعصاب شديدة التحمل لحياة كاملة في مناخ التهديد. هذه كانت حياة الحكيم.

أذكر في هذا الصدد، أنني كنت 1963-1967 حين لا أكون سجينا، وكنت ادرس في الجامعة اللبنانية بالانتساب، انقل الرسائل بين قيادة حركة القوميين العرب في الأردن إلى المركز في لبنان. كانت اللقاءات دائما في بيت سري يسكنه الشهيد وديع حداد (بيروت، طلعة حاج نيقولا، عمارة سنجر الطابق العلوي الثاني أو الثالث). طبعا كان يربي صيصان لاحم على ظهر البيت. كان وديع خاصة مهددا بأن تختطفه المخابرات الأردنية ، وكان لا يعرف بيته سوى ثلاثة اشخاص كنت احدهم. منذ وجودهم في الأردن ولبنان وحتى استشهاد وديع ورحيل الحكيم كانوا تحت التهديد الدائم. منذ تلك الفترة وحتى رحيله كان الحكيم قيد التهديد ولم يتحول.

ولأجل المقارنة فقط، فإن محسن ابراهيم كان من نفس الجيل، وقد لفت نظري انه كما اذكر عام 1966 اصر على الحصول على الثانوية العامة  (البكالوريا) مع انه كان قيادي ومن هيئة تحرير مجلة الحرية وله مؤلفات. طبعا حينها قلنا طموح علمي.  بينما كان الشهيد وديع يقول لنا، الوطن قبل الشهادات الجامعية. محسن ابراهيم شارك في تأسيس منظمة العمل الشيوعي وانتقل إلى تيار ابو عمار والآن مستشاراً  للحريري!

من يضع نصب عينيه، أن لا دولة بلا تحرير، لا يمكنه التراجع. هو كما كتبت في تكريم اتحاد الكتاب لي (حرب غُوار الثقافة) :” يتخفى المقاتل خلف سلاحه والثوري خلف قناعاته، او يتمترس”. القناعات تُحرج صاحبها إن حاول التراجع.

ألم يُقتل المتنبي لأجل بيت شعر واحد له؟ حينما حاول التراجع وهو شيخ امام مجموعة من بني ضبة كمنت لتقتله لأنه هجاهم:

“ما أنصف القوم ضبة…وأمهم طرطبة”

حينها قال له خادمه: ألست القائل:

الخيل والليل والبيداء تعرفني…والسيف والرمح والقرطاس والقلمُ”

فقال قتلتني يا عبد السوء وقاتلهم حتى قُتل.

لا تنسوا أن الحكيم رحل بشكل متواضع بينما كثير ممن ساوموا حظيوا بألعلاج في أفخم مستشفيات الإمبريالية على حساب المقاومة. بالمناسبة ربما كانوا سيقتلونه، كما حصل إثر علاجه في فرنسا. هناك اقوال بأن المفكر الغواري فرانز فانون قُتل أثناء علاجه في الولايات المتحدة!

قد نسنتنج من هذه الوقائع امرين: أن الثروة والرفاهية لم توهنا عزيمة هذا الرجل، وبأن من يقاوم يظل مشدودا وشديدا نحو لحظة الانتصار، حتى لو كان وصولها بعد عمره. لأن المقاومة قوة نفسية ومتعة.

مشروع الحكيم عموما جزئين, وهما متداخلين من حيث جوهرهما الخلاصي ومن حيث ادواتهما

1-المرحلي:

وهو البداية، أي النضال الوطني لتحرير فلسطين، ومركزه “لا دولة قبل التحرير”.

وهذا أمر يستوجب النقاش في هذه الفترة ليس فقط للرد على المكوِّعين، بل خاصة على الذين يرفضون الاعتزال ومن ثم يلوون أعناق الحقائق والمواقف كي تتطابق مع شبقهم للظهور والاستمرار على ظهور المخلصين.

يزعم البعض أن الحكيم قال ذات وقت بأنه مع “الدولة”.

ولكن، لو كان الحكيم مع اي شكل من اشكال الدولة لكان عاد إلى الأرض المحتلة عبر بوابة اوسلو. هذا هو المعيار الفعلي والذي لا نقاش فيه. فقد كان فريق أوسلو والكيان وأمريكا على عطش كي يأتي.

ما اقصده أن ما يحسم هو الموقف. لم أكن في الجبهة كي أعرف طبيعة النقاش الذي دار حول العودة عبر التطبيع أم لا.

قبيل عدوان 1967 كانت تربطني بالحكيم علاقة حميمة، بل كنت من ثلاثة شباب متهمون بأننا “أولاد المركز” أي لنا حظوة، وطبعا في العمل الثوري ليست حظوة بل علاقة قائمة على  إخلاص وكفاءة.

طلب وليد سالم حينما كان في الجبهة لقاء بيني وبين الراحل د. مصطفى غضية  الآتي من الخارج حيث قال ضمن الحديث، أن الحكيم حين قال له: “إذا اردت معرفة الاقتصاد، ها انت ذاهب، تعرف على عادل سمارة” ، سالته ما موقف ابو علي مصطفى من العودة؟ قال ابو علي مع العودة بالتسلل عبر الحدود.

وارتكازا على عدم مجيء الحكيم من جهة ، وعلى القبول بقرار الأكثرية من جهة ثانية، كان حديثه عن الدولة وعودة بعض الرفاق بمن فيهم الشهيد ابو علي مصطفى.

أسوق هذه المسالة المفصلية لأن جدالا ممتدا في أوساط الفلسطينيين والعرب حول المشروع الوطني الفلسطيني لا سيما في مرحلة العواصف الجارية.

فهناك فريق الدولتين والذي يستميت لاجتذاب اي موقف داعم باي ثمن. وهو يعتمد المفاوضات بشكل اساسي. وهناك دُعاة:

·      دولة ديمقراطية

·      دولة ثنائية القومية

·      دولة علمانية،

·      دولة لكل مواطنيها

·      المبادرات من روجرز وحتى  أخيرا وليس آخرا المبادرة العربية.

وآخر الطبعات وأخطرها هي “نداء وصرخة من الأعماق ” للتعايش مع المستوطنين في دولة واحدة في فلسطين التاريخية. لم أتوقع حين اعترضت على هذه الصرخة أن ورائها جمهرة كبيرة من مدعي الماركسية ورافضي الاعتزال، ومن يقولون بالجملة الثورية الشيوعية وفي الوقت نفسه يتذيلون للكمبرادور من تحت الطاولة وللكيان من فوق ظهر الشعب. لذا لا غرابة أن كل هؤلاء لم يرفضوا الصرخة ورفضوا موقفي. لكن ما لافتاً أنهم لم “ينهضوا” للدفاع عن الصرخة ابداً!!!

خطورة هذه الصيغ كامنة في التالي:

·      يتظاهر الكيان بأنه يستمع  لكافة هذه الأطروحات الورقية، ويقرأها ويزعم أنه سوف يتفاوض عليها وعمليا يتفاوض عليها فينشغل هؤلاء بالأمر ويعتقدون بانهم على حافة كسب شيء ما حتى ولو جزء (ب) من تقسيمات أوسلو لتصبح أوسلو ستان مكونة من (أ .و. ب) بينما (ج) وهي ستون بالمئة من الضفة المحتلة يبتلعها الكيان وإن لقمة بعد أخرى. ومع ذلك لن يتوقف العدو عن سحق الحيِّز الفلسطيني بمعنى أنه حتى  أوسلو-ستان لن تصبح دولة. فقد اثبتت الفترة منذ 1993 وحتى اليوم أن اتفاق أوسلو بنظر الكيان هو اغتصاب بقية فلسطين تدريجيا وأن “السلام” طبعة أخرى من الحرب لأنه على الأقل سلام رأس المال.

·      أي يواصل العدو مشروعه العملي  في قضم الأرض.

نعم،ستكون النهاية دولة واحدة. لكن طرح شعار في غير موعده ودون العدة اللازمة له ليس سوى إعلان استسلام بوعي. فالدولة الواحدة حتى اليوم، وإلى وقت طويل قادم، يجب ان لا تكون سوى رؤية لا مقترحات ومشاريع…الخ. لأن هذه المقترحات هي استرخاء وتأكيد للعدو أننا استسلمنا. والدولة الواحدة لن تكون فلسطينية بل جزء من الدولة العربية الواحدة او الموحدة. ولن تكون إلا اشتراكية. طبعا هذا تصوري ولكنني أعتقد أن رفض الحكيم العودة بناء على مشروعه المرحلي ومشروعه التاريخي هو متطابق مع هذا الطرح.

ينتهي المرء إلى القول قولا واحدا، بإمكان منا من لا يستطيع حمل شكل من النضال أن يفتح الطريق لغيره ويختار شكلا طبقا لقدراته ولكن ليس الاعتراف والترويج لحلول مهينة وتعمق استدخال الهزيمة. وبإمكان البعض  ان يعتزل . إن الخطر هو من لا يعتزل بعد أن لم يعد بوسعه حمل دور ما، أو بعد انتهت صلاحيته.

2-العروبي الاشتراكي

·      لن آتي بجديد إن قلت لكم كان الحكيم وطنيا وقوميا واشتراكيا.

لكن استمعوا: (قال الحكيم: “أنا لا أستطيع القول إنّ القومية أبدية. لكن أستطيع القول إنَّ هناك في هذه الفترة التاريخية الطويلة، ثوابت –ومنها القومية- وبالتالي لا أعتقد أنَّ العولمة ستكون قادرة على محوه” (سويد، ص 90).

ولأن عليكم أن تقرؤوا كثيرا، فلا يشغلنكم/ن عن القراءة المعمقة شيئا، لا الدراسة ولا العمل ولا الفيس بوك. يذكرني الفيس بوك بما كنا نتهكم به في السجن على خفيفي القراءة “مثقفي العناوين”. ثقافة العناوين لا تنفع بل تخون. كان ماو تسي تونغ وتشي جيفارا يحملان الكتب دائما في حقائبهم في الجبال.

ما أقصد قرائته في هذا المعرض هو الماركسية والمسألة القومية. لم يكن ماركس ضد القومية بل كان ضد طبعتها البرجوازية الأوروبية وفي حينه تحديداً. لو قرأتم مقدمة البيان الشيوعي تجدونه يؤكد ان الوصول الطبيعي إلى الاشتراكية هو عبر نضال البروليتاريا لبناء الدولة القومية القوية. لا معنى لمحاسبته على عدم الكتابة عن القومية في المحيط، فليس عرَّافاً. نحن الذين يجب ان نصوغ هذا الجانب النظري انطلاقا من حقيقة أن القومية في الوطن العربي هي رافعة كفاحية بشرط أن لاتقود النضال طبقة برجوازية وخاصة الكمبرادور وهي على اية حال لن تقود نضالاً. بل هي “تُقوِّد لتقوِّض”. ليست القومية شوفينية بالضرورة، وخاصة في حقبة التحرر الوطني. انتبهوا لمزايدات التروتسكيين ضد القومية لخدمة هدفهم الخبيث وهو حماية الكيان الصهيوني في التحليل الأخير.

من الغرابة بمكان اعتراف الاتحاد السوفييتي بالكيان الاستيطاني الذي كان يتكون حينها !!! بينما وصف ستالين الأمة العربية بأنها “أمة في طور التكوين” وهذا موقف يتقاطع مع الاستهداف الذي يتعرض له الوطن العربي منذ حقبة الراسمالية التجارية Mercantilism وحتى اليوم.

من اللافت الإجماع العالي على الاعتراف بالكيان الصهيوني ودعمه عام 1948 واستمرار معظم داعميه حتى اليوم: الإمبريالية ، وتيار الاشتراكية الدولية، وأنظمة وقوى الدين السياسي والبرجوازية العربية، والكتلة الاشتراكية.

هذا الاستهداف ومن ثم التجزئة أوقعت في ذهنية الحكيم أن المشروع القومي العروبي لا بد منه من جهة، وبأن هذا المشروع لا بد أن يكون اشتراكيا من جهة ثانية، وهو الأمر الذي تبنته الجبهة الشعبية مابعد 1969  كما أعلم حيث كنت حينها في السجن.

الماساة:

       عاش الحكيم في حقبة متغيرة وملتبسة عربيا. فكانت حركة القوميين العرب محاولة نضالية لتحرير فلسطين ضمن مشروع عروبي. لكن تجربة الحركة القومية العربية عامة بعد النصف الثاني من القرن العشرين اثبتت أن القوى القومية العربية، وإن كانت أطهر كثيرا من أنظمة التبعية والدين السياسي، هي وطنية وقومية التوجه  ولكن قُطرية الممارسة سواء البعث أو النظام الناصري. وكانت الحركة الشيوعية وطنية محلية، وكوزموبوليتية قافزة عن العمق او البعد القومي بل معادية له.

بدورها، فإن حركة القوميين العرب قررت حل نفسها إثر هزيمة حزيران 1967. وهو قرار لم أجد بعد دراسة تفسر لماذا؟ لكنه يؤكد أنها كانت مضروبة بالقطرية ايضاً. وأذكر أنني سألت الرفيق الراحل هاني الهندي عن ذلك في عمان في بيت الرفيق عبد الله حمودة وحضور الراحل أنيس صايغ ، فقال لا يزال الأمر بحاجة لتفسير مقبول. تشكل الجبهة الشعبية إثر حل حركة القوميين العرب،  ولكنها وقعت في محظور مشابه. فإثر تبنيها للماركسية بعد 1970 غيَّبت البعد القومي تحت طائلة تاثير الإيديولوجيا السوفييتية وأعتقد أن كثيرين في الجبهة لم يتخلصوا من هذا الخلل حتى اليوم، بل يفخرون به ونقلوه كضياع إلى بعض ابناء البلد في المحتل 1948 حيث يرتعبون من مجرد النقاش في البعد القومي في محاولات غير ناضجة لإثبات ماركسيتهم!

 هذارغم أن الحكيم أعاد الاهتمام بالبعد القومي في كثير من مواقفه وتصريحاته، ولكن اعتقد أنه لم يؤثر كثيرا  بعد أن تضائل تاثيره واستاثرت بالقيادة مجموعة من المضيَّعين فكريا. لذا، نجد منهم من هو اليوم مع سلطة أوسلو أو يسابق السفيين والوهابيين إلى المساجد ، أو لبرالي أعرج أو ماركسي يعتقد بالتنمية تحت الاستعمار الاستيطاني الصهيوني وبدولة ديمقراطية واحدة وحتى احتضان سري “لصرخة التعايش مع المستوطنين”…الخ.  وهذه مخاليطا عجيبة.

هذا التغييب للبعد القومي أفقد الجبهة الشعبية فرصة تاريخية لتكون القوة الحاملة لبناء حزب شيوعي عروبي، وهو ما عبر لي عنه ، باسف، مناضلين من عدة اقطار عربية.

وفيما يخص تبني الجبهة الشعبية للماركسية، وتحديدا تأخرها عن تبني الجبهة الديمقراطية للماركسية، أستذكر عام 1965 حينما دعاني الحكيم ووديع حداد لبيت وديع ليعرضوا علي الذهاب إلى الصين الشعبية في دورة قياديي حرب غُوار لستة اشهر. لكن الفرصة أُلغيت، والمهم ضمن الحديث قالا لي: إياك أن ترجع لنا شيوعي”. بقيت هذه العبارة في ذهني وحين حصل الانشقاق وكنت في السجن، اخترت مع بعض الرفاق الانضمام الذاتي للجبهة الديمقراطية كي نتمكن من القراءة والتثقيف بالماركسية على أن نني هذه العلاقة مع خروجنا من السجن. وحين خروجنا نختار بين الشعبية والديمقراطية والحزب الشيوعي. وحين خرجت في منتصف 1972، وجدت باب الشعبية مغلقا بالمطلق، وبالطبع فوجئت لأني كنت أعلم بأن الحكيم كان ممن يثقون بي جدا!!! وهو ما تأكد عام 1996 وملابسات مركز الغد. (لهذا حديث مطول لكنني هنا اتوجه بالشكر ل ماهر اليماني في شهادته في الذكرى التاسعة لرحيل الحكيم لأنها أضاءت كثيرا على هذه المسألة وطبعا الشكر ل سماح إدريس على العدد المميز لمجلة الآداب، وكان أحد الرفاق من اليمن الجنوبي قد اضاء على الأمر في شيكاغو في بيت الرفيق نايف الغصين ، لم أعد أتذكر السنة، حيث طلب اللقاء معي على غير معرفة مسبقة) .

لقد تأكدت لاحقا، أن كثيرا من الأمور لم يكن الحكيم راض عنها، ولكن البنية الحزبية تمكنت من تمريرها! وهذا ما حاول البعض استثماره لتمرير توجهات معينة له.

أذكر هذا الأمر لأني اعتقد أن المثقف والمفكر والقيادي الثوري النقدي المشتبك هو واحد. وإن تعدد خان، والحكيم بقي واحدا. لم يكن رومانسيا، لكن كان لا بد من الحلم. ولا شك أنه تالَّم من معايشة  بعض الكوادر الذين خدعوه بمثقفين ليسوا سوى ألغاما (كما اكدت شهادة الرفيق ماهر اليماني).

بدأ يحلم بالنصر، وبدأنا نحلم بالنصر، لكننا وبالتجربة نرى النصر في العمر الممتد والجماعي، إنه في انتقال الفرد إلى الذات ومنها إلى الذات الجماعية…لذا لن نحزن.

ولكي أوضح أكثر الجانب المأساوي في مسيرة الرجل، فلنتذكر أن المقاومة الفلسطينية بطورها ما بعد 1967 وُلدت بينما أمها ” القوى القومية العربية” حينها كانت تحتضر.

وتبنى الحكيم الماركسية  في فترة بدأ بيت الماركسية في التآكل تحريفيا.

ومع ذلك، لم يكن الحلم فقط شحنة قوة الرجل الداخلية بل الروح العملية. وإلا، كيف تمكن مع رفاقه من إقامة حركة عربية الصعيد، وهو ما قام به البعث كذلك رغم بساطةوسائل الاتصال؟ وقد يكون مهما أن نقول هنا، بأن الحدود والمخابرات لم تكن قوية ودقيقة حينها. وكذلك، فإن تواصلات ال فيس بوك لا تبني شيئا بل تقدم تقارير عن الشخص بيده للمخابرات بأواعها كمعولمة!

أنتهي كما بدأت، وبما بدأت بان العبرة في قراءة تجربة الحكيم هي في البحث عن ما لم يتم إنجازه كي يتم إنجازه أو على الأقل المساهمة في إنجازه. إنه باختصار:

لا دولة قبل التحرير، ولا دولة إلا عروبية، ولا دولة إلا إشتراكية. وهذا المشروع الضخم يعني أولا وأخيرا، وجود شحنة داخلية جماعها الأمل والثقة والوعي والاشتباك.

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.