صواريخ اليمنيين : لتشرب مصر

ثريا عاصي

أعتقد أن مداورة المسألة اليمنية في الذهن تفرض علينا أن نأخذ في الحسبان ثلاثة عوامل رئيسية: العامل الأول يتمثل بالموقع الجغرافي، العامل الثاني المخزون النفطي الذي يتوقع الخبراء أنه موجود في بعض المناطق اليمنية، في منطقة حضرموت، أما العامل الثالث فهو من وجهة نظري الكثافة السكانية اليمنية، القريبة من آبار النفط سواء في السعودية وفي اليمن. ابعاد الناس عن آبار النفط.
1ـ في ما يخص الموقع الجغرافي فإن اليمن يطل على باب المندب أي على بوابة البحر الأحمر. من البديهي أن هذا الموقع هو حيوي بخصوص الملاحة البحرية بين البحر المتوسط من جهة وبحر العرب من جهة ثانية بالإضافة إلى المحيط الهندي. فستكون القوى التي تسيطر على البحر الأحمر وبحر العرب والخليج الفارسي، قادرة على حصار شبه جزيرة العرب (هنا تظهر أهمية مسألة الجزيرتين المصريتين تيران وصنافير في هذا الوقت بالذات)
هذا عن باب المندب، ولكن توجد في مقابله مناطق حيوية أخرى هي: أ ـ جيبوتي المزروعة بالقواعد العسكرية الأميركية والفرنسية والإسرائيلية كما أظن، علماً أن جيبوتي كمثل دول النفط عضو في جامعة الدول العربية ولها صوت يساوي صوت الجزائر وسوريا والعراق ومصر. الأخوة العربية لا تفرق المقاوم ضد الاستعمار عن المتعاون مع هذه الأخير. أهمية جيبوتي هي طبعاً عسكرية، كمثل أريتريا.
ب ـ الصومال: أقتضب هنا فاقول أن الفوضى الخلاقة أنجزت في الصومال حيث مثلت الحرب الصومالية ـ الأثيوبية المعروفة باسم حرب أوغادين 1977 ـ 1978 ضربة قاصمة لكيان الدولة أو شبه الدولة الصومالية، قبل أن تطلق عليها الولايات المتحدة الأميركية في سنة 1992 رصاصة الرحمة من خلال عملية غزو إمبريالية أطلق عليها اسم «إعادة الأمل». ما أود قوله هنا ان جميع القوى التي تحارب منذ سنتين في اليمن، أي القوى التي تعهدت تنفيذ الثورات العربية المزورة، جعلت من الصومال «أفغانستان» فأسلمت هذه البلاد في إطار «الإرهاب الإسلامي» إلى جماعات لا تختلف عن طالبان أفغانستان!
ج ـ  لا مفر في سياق مقاربة موضوع يتعلق بالقرن الأفريقي من معرفة أو من البحث عن الدور أو عن التحضيرات التي تجري في أثيوبيا، فالدولة الأثيوبية تضطلع عادة وأكاد أن أقول تاريخياً، إذا عدنا إلى أبرهة وأصحاب الفيل والى الصراع بين الروم من جهة والفرس من جهة ثانية على جزيرة العرب، تضطلع السلطة في أثيوبيا بدور مركزي في منطقة البحر الأحمر.
فما تناهى إلى العلم، في السنوات الأخيرة هو أن السلطة الاثيوبية تقوم بدور الحراسة حول الغابة الصومالية بالتنسيق مع الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها الأوروبيين. تحسن الملاحظة هنا أن أثيوبيا تعرضت بين 1974 و1991 لحروب متواصلة انتهت بإسقاط نظام الحكم التقدمي واستبداله بالضد مما جرى في الصومال بسلطة متعاونة مع الولايات المتحدة الأميركية.
من المحتمل أن يكون مرد ذلك إلى حاجة الولايات المتحدة الأميركية لخدمات السلطة الأثيوبية في الصومال. إذ ان العلاقات التاريخية المتوترة بين الصومال وأثيوبيا توفر مبررات كثيرة  لإشعال حرب بينهما غب الطلب الأميركي. أعتقد أن هذا ينطبق أيضاً على العلاقة بين أثيوبيا وبين أريتريا.
ولكن يجب أن نذكر أيضاً في موضوع أثيوبيا منابع النيل، والعمل على إنشاء سد مائي ضخم قد يؤثر في معدل تدفق المياه في مجرى النيل في السودان وفي مصر. تجدر الإشارة هنا إلى معلومات تفيد بأن الدول الخليجية تساهم مالياً في بناء السد المائي في أثيوبيا، رغم أن المصريين يعربون في ظاهر الأمر عن امتعاض من هذا المشروع.
2ـ أكتفي بهذا الاستطراد لأنتقل الآن إلى موضوع النفط الذي يتوقع الخبراء أن أرض اليمن تذخر بكميات كبيرة منه. من البديهي أني أتناول هذه المسألة بناء على ما تتناقله وسائل الإعلام، وعلى التصاريح التي يدلي بها أصحاب السلطان وأصحاب الخبرة. استناداً إليه أظن أنه ليس مستبعداً أن خطة الولايات المتحدة الأميركية في اليمن تقضي كما أوضح ذلك الرئيس الأميركي الجديد، فقد قال بصراحة ووقاحة أن العراق ليس دولة وأنه لا يعترف بسيادته، رغم أن للولايات المتحدة الأميركية في العراق سفارة كبيرة، تحت حماية آلاف العسكريين الأميركييين، وادعى هذا الرئيس، ان من حق الولايات المتحدة الأميركية أن تستولي على النفط العراقي (أن تأمركه)، تقضي هذع الخطة الأميركية في اليمن ما اقتضته في ليبيا على سبيل المثال. في هذه البلاد الأخيرة يتحارب الليبيبون ويدمرون ما بنته السلطات اللبيبة أثناء حكم الرئيس الليبي معمر القذافي. ولكن الاقتتال والهدم لا يمنعان كما يبدو شركات النفط الأميركية والفرنسية والبريطانية والإيطالية من مواصلة استخراج النفط في ليبيا ينبني عليه منطقياً، أن هذه الدول الغربية الاستعمارية تمتلك في ليبيا قوات عسكرية من أجل حماية شركاتها. هل توجد في ليبيا حكومة، ما هي حصتها من عائدات النفط ؟؟
3ـ  المسألة السكانية: في سوريا أيضاً، نسمع عن تموضع قوات أميركية في شمال شرق البلاد حيث يعتقد الخبراء أن في هذه المنطقة مخزوناً كبيراً من النفط ! يا للصدفة، تجمع في شمال ـ شرق سورية الديموقراطية السورية والكرد السوريين والأتراك والنفط وأميركا وفرنسا وبريطانيا!!
ليقتتل الناس في سورية طوال الوقت اللازم لإنشاء قواعد عسكرية أميركية من أجل حماية ورش التنقيب عن النفط ! ليس مستبعداً أن يكون المطلوب في اليمن استخراج النفط دون تمكين اليمنيين من الاستفادة من عائدات النفط في إطار مشروع دولة ووطن ومدارس وجامعات ومستشفيات ونهضة اقتصادية وعمرانية ! من البديهي أن في ذلك يكمن خطر على مملكة آل سعود وكأن هذه المملكة محصنة لا يستطيع الأميركيون خلق الاضطرابات فيها، والاستيلاء على النفط بالكامل، وإقصاء  أهلها.
مجمل القول ان هذه هي نظرتي في الواقع إلى المسألة اليمنية فهي عملية تندرج في سيرورة تكبيل مصر تمهيداً للسيطرة على سيناء وعلى قناة السويس وعلى مياه النيل. أما المقاومة الشجاعة في اليمن فإن استمرارها منذ سنتين إنما يدل على إباء اليمنيين وعلى أن الأميركيين وحلفاءهم الأوروبيين والرجعية العربية، على أن هؤلاء جميعاً لم يتمكنوا بعد سنتين من قصف الأسواق الشعبية، والأحياء السكنية، والمدارس والمستشفيات، لم يتمكنوا من إخضاع اليمنيين الذين يقاتلون بسلاح بدائي وبأقدام حافية أعداءً أميركيين وأوروبيين متوحشين مفترسين.
إن الصاروخ اليمني الذي يغرق بارجة أميركية (سعودية) في عرض بحر العرب  أو في البحر الأحمر، إنما يمنع حصار مصر. العروبة تحتاج الى مصر. إن الصاروخ الذي يسقط على عاصمة ملك آل سعود الرياض، إنما هو إنذار للذين يعاونون المستعمرين الأميركين والأوروبيين على قتل جيرانهم وتشريدهم، بالعواقب الوخيمة التي من المحتمل أن يجنوها على أنفسهم. المقاومة التي  فشلوا في إخمادها بعد سنتين، لن تتوقف!

:::::

“الديار”

 

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.