قراءة في كتاب: العملية الديمقراطية تواجه خطراً كبيراً في العالم

قراءة في كتاب:

 

العملية الديمقراطية تواجه خطراً كبيراً في العالم

«الرأسمالية» في غرفة الإنعاش

 

تأليف: فولفغانغ ستريك

عرض وترجمة: نضال إبراهيم

بعد سنوات من اعتلال صحة الرأسمالية، تعيش الآن في حالة حرجة جداً، وتسبب إشكاليات كبرى في النظام السياسي العالمي، الذي لا يمكن أن يكون منفصلاً عن أي أزمات اقتصادية حاصلة، وحروب تخاص باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان. هذا النظام الرأسمالي خلق الحروب، والمجاعات، وفرض حالة كبيرة من عدم المساواة، وعدم الاستقرار الاجتماعي، لخدمة مصالح فئة قليلة متحكمة. الشعوب لم تعد تثق بهذا النظام، لكن متى سينتهي؟ وما هو البديل له؟
يحاول المحلل الألماني البارز فولفغانغ ستريك في عمله الجديد «كيف ستنتهي الرأسمالية؟ مقالات حول نظام فاشل» (صادر أواخر 2016 عن دار «فيرسو» البريطانية في 259 صفحة من القطع المتوسط)، أن يوضح أن العالم على وشك أن يتغير. فالزواج بين الديمقراطية والرأسمالية يقترب من نهايته، بسبب دفعه إلى لم شمل شركاء غير ملائمين معاً في ظل الحرب العالمية الثانية. فالمؤسسات التنظيمية التي قيدت ذات مرة تجاوزات القطاع المالي قد انهارت، وبعد الانتصار النهائي للرأسمالية في نهاية الحرب الباردة، ليس هناك من قوة سياسية قادرة على دحر تحرير الأسواق.
ويشير إلى أن عالمنا أصبح عالماً يعيش تحت رحمة انخفاض النمو، وحكم القلة، وتقلص القطاع العام، والفساد المؤسسي، والفوضى الدولية، وليس من علاج شافٍ في متناول اليد لهذه الأمراض الخطيرة التي تخلف الحروب بين الشعوب والدول، وتترك كوارث بيئية وسياسية واقتصادية واجتماعية في كافة الأرجاء.

وقد أوضح هذا في العام 2014، عند نشره لمقال مهم في عام 2014 في مجلة «نيو ليفت»، حيث أوضح فيه كيف أن الرأسمالية وصلت إلى نهايتها، وذلك من خلال مناقشة العديد من العوامل التي دفعت إلى ذلك. وذكر فيه أن الرأسمالية المعاصرة وصلت لهذه النقطة بسبب خمسة عوامل هي: انخفاض النمو، حكم الأوليغارشية، وتجويع الجمهور العام، والفساد السياسي، والفوضى الدولية. وأكد في مقاله، أنه في الوقت الحاضر لا توجد قوة سياسة فعلية لمواجهتها، وسوف تستمر في التراجع والضمور حتى تصل إلى نقطة الانتهاء. ووسع أفكاره حول هذا الموضوع في هذا العمل الذي بين يدينا.
يأتي العمل في 11 فصلاً بعد المقدمة هي بالترتيب: كيف ستنتهي الرأسمالية؟، أزمات الرأسمالية الديمقراطية، المواطنون كعملاء: آراء حول السياسة الجديدة للاستهلاك، صعود حالة التماسك الأوروبية، الأسواق والناس: الرأسمالية الديمقراطية والتلاحم الأوروبي، هيلر وشميت واليورو، لماذا يقسم اليورو أوروبا؟ تعليقات على البروفسور وولفغانغ ميركل: هل الرأسمالية متوافقة مع الديمقراطية؟، كيف تدرس الرأسمالية المعاصرة؟، عن البروفسور الأمريكي فريد بلوك: مجموعة منوعة من ماذا؟ هل ينبغي علينا اللجوء إلى استخدام مبدأ الرسمالية؟، والفصل الحادي عشر: مهمة علم الاجتماع العامة.

صراعات وتناقضات

سبق للكاتب أن نشر بعض فصول العمل، خمسة منها في مجلة «نيوليفت» بين 2011 و2015، وكتب فصلين أساساً باللغة الألمانية، والباقي باللغة الإنجليزية. وعمله هذا يدخل في التحليل السياسي الاقتصادي، الذي يجدهما مترابطين في تناول مسألة كبيرة مثل الرأسمالية، خاصة عند تناول عواقب الأزمة المالية في 2008 على العلوم الاجتماعية والنظرية السوسيولوجية، والسوسيولوجيا السياسية وعلاقتها مع الاقتصاد السياسي. ويعلق الكاتب في تمهيده على ما بذله من جهد: «هدف الكتاب هو إثارة المزيد من التفكير حول كيف سيصل النظام الرأسمالي إلى نهايته في المستقبل، حتى وإن لم يكن له من دون بديل في الأفق».
يبدأ الكاتب مقدمته بالقول إن الرأسمالية كانت على الدوام تكويناً اجتماعياً غير محتمل، فهي مليئة بالتناقضات والصراعات، بالتالي فهي بشكل دائم غير مستقرة، وفي حالة تغير مستمر، وتقوم بالدعم على أسس مشروطة وغير ثابتة، بالإضافة إلى فرضها تقييدات على المؤسسات والأنشطة.
ويشير إلى أن الرأسمالية تقدم وعوداً بنمو غير محدود للثروة المادية السلعية في عالم محدود، وذلك من خلال ضم نفسها إلى عالم التكنولوجيا والعلوم الحديثة، لتجعل من المجتمع الرأسمالي المجتمع الصناعي الأول، ومن خلال التوسع اللانهائي للأسواق الحرة الخطرة.
ويتطرق إلى التوترات والتناقضات ضمن الترتيب الاقتصادي السياسي الرأسمالي، والتي تؤدي منذ الآن إلى احتمالية الانهيار الهيكلي والأزمة الاجتماعية. ويقول: «إن الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي تحت الرأسمالية الحديثة يجب أن يكون مؤمناً على خلفية قلق منتظم تنتجه التنافسية والتوسع، وهو سلوك توازني صعب مع نتيجة غير مؤكدة على الدوام».

الافتقاد إلى المركز

يشير الكاتب إلى أن الرأسمالية العالمية تحتاج إلى مركز لتأمين المنطقة المحيطة بها وتزويدها بنظام نقدي موثوق. فحتى سنوات 1920، كانت بريطانيا تقوم بهذا الدور، ومنذ العام 1945 وحتى 1970 تكفلت به الولايات المتحدة؛ وشهدت السنوات بين هذين الانتقالين، التي كان فيها المركز في عداد المفقودين، وكانت قوى مختلفة تتطلع لتضطلع بهذا الدور، فترة من الفوضى السياسية والاقتصادية على المستوى العالمي. ويؤكد أن العلاقات المستقرة بين عملات الدول المشاركة في الاقتصاد الرأسمالي العالمي ضرورية لتدفقات التجارة ورأس المال عبر الحدود الوطنية، والتي هي بدورها أساسية لتراكم رأس المال؛ وهي تحتاج إلى ضامن مصرفي على المستوى العالمي يعتبر ملاذاً أخيراً. كما أن مركزاً فعالاً أيضاً مطلوب لدعم الأنظمة في المحيط الراغبة في التغاضي عن استخراج المواد الخام بكلفة منخفضة. وعلاوة على ذلك، هناك حاجة إلى التعاون المحلي لكبح جماح المعارضة التقليدية للاستعمار الرأسمالي خارج العالم المتقدم.

فوضى عالمية

ويذكر الكاتب أن الرأسمالية المعاصرة تعاني على نحو متزايد الفوضى العالمية، حيث إن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على القيام بدورها الذي أدته بعد الحرب العالمية الثانية، وليس هناك من نظام عالمي متعدد الأقطاب يلوح في الأفق. ورغم أنه لم تقع اشتباكات بين القوى العظمى، ولكن يتم التنازع على وظيفة الدولار كعملة احتياط دولية، ولا يمكن أن يكون غير ذلك، نظراً لتدهور أداء الاقتصاد الأمريكي، وارتفاع مستويات الدين العام والخاص، والتجربة الأخيرة للعديد من الأزمات المالية المدمرة للغاية.
أما مسألة البحث عن بديل دولي، وربما في شكل سلة عملات، أمر صعب لأن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تثقل كاهلها بالديون عبر عملتها. وعلاوة على ذلك، قامت منظمات دولية باتخاذ تدابير لتحقيق الاستقرار بناء على طلب واشنطن على نحو متزايد، لكنها خلفت آثاراً زعزعت استقرار الدول التي على هامش النظام، كما هو الحال بالنسبة للفقاعات التضخمية في دول مثل البرازيل وتركيا.
عسكرياً، الولايات المتحدة خاضت حتى الآن ثلاث حروب برية واسعة إما هزمت فيها أو وصلت إلى طريق مسدود منذ 1970، وربما تكون في المستقبل أكثر تردداً في التدخل في الصراعات المحلية مع «قوات على الأرض»، إذ يتوقع الكاتب أن تقدم على نشر وسائل متطورة جديدة من العنف لطمأنة الحكومات المتعاونة معها، وخلق حالة من إرساء الثقة في الولايات المتحدة باعتبارها التي تفرض القوانين العالمية المتعلقة بحقوق ملكية القلة، وكملاذ آمن للعائلات الأوليغارشية وثرواتهم.

ويقول الكاتب أيضاً: «ربما تلجأ من ضمن ما تلجأ إليه الولايات المتحدة إلى استخدام «القوات الخاصة» السرية للغاية للبحث عن أعداء محتملين. واستخدام طائرات من دون طيار أكثر تطوراً قادرة على قتل أي شخص في أي مكان تقريباً في العالم. والقيام بحبس وتعذيب عدد غير معروف من الناس في جميع أنحاء العالم عبر نظام معسكرات اعتقال سرية. وتقوم بمراقبة شاملة لأية معارضة محتملة في كل مكان بمساعدة تكنولوجيا «البيانات الكبيرة». وإذا كان هذا كافياً لاستعادة النظام العالمي، خاصة في ظل صعود الصين باعتبارها قوة اقتصادية مؤثرة، وإلى حد أقل، منافساً عسكرياً للولايات المتحدة، لكن مع ذلك، ينطوي الأمر على شك.

مشكلة مع الديمقراطية

يشير الكاتب إلى أنه عند مناقشة الأزمة ومستقبل الرأسمالية الحديثة، يجب أن نتحول إلى تناول السياسة الديمقراطية. إذ كانت الرأسمالية والديمقراطية على خصومة لفترة طويلة، حتى بدا أن تسوية ما بعد الحرب قد قامت بالمصالحة بينهما. في القرن العشرين، كان أصحاب رؤوس الأموال مذعورين من أن تلغي القوانين الديمقراطية الملكية الخاصة، في حين توقع العمال ومنظماتهم من الرأسماليين أن يمولوا العودة إلى الحكم الاستبدادي للدفاع عن امتيازاتهم.
ويذكر أنه فقط في فترة ما بعد الحرب الباردة أصبحت الرأسمالية والديمقراطية متماشيين مع بعضهما بعضا، والتقدم الاقتصادي جعل أغلبية الطبقة العاملة تقبل بالسوق الحرة، ونظام الملكية الخاصة، وهذا بدوره جعل هذه الحرية الديمقراطية تبدو وكأنها جزء لا يتجزأ من حرية الأسواق والربح، وتعتمد في الواقع عليها. لكنه يؤكد أنه «اليوم، مع ذلك، فقد عادت الشكوك بقوة حول مدى التوافق بين الاقتصاد الرأسمالي مع نظام الحكم الديمقراطي. إذ إن هناك شعورا سائدا بين الناس العاديين، بأن السياسة لم تعد قادرة على أن تحدث فرقاً يذكر في حياتهم، خاصة أمام حالة الجمود وعدم الكفاءة والفساد المتزايد بين الطبقة السياسية التي تقوم بخدمة مصالحها، وتتحد في ادعائها بأنه «ليس هناك بديل» لها ولسياساتها. وإحدى النتائج التي نراها هي انخفاض الإقبال الانتخابي إلى جانب تقلب الناخبين العالي، وإنتاج أكبر قدر من التجزئة الانتخابية، وذلك بسبب صعود الأحزاب «الشعبوية»، وعدم استقرار الحكومات السائدة».
ويقول الكاتب أن شرعية الديمقراطية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية كانت على أساس فرضية أن الدول لديها القدرة على التدخل في الأسواق وتصحيح نتائجها في مصلحة المواطنين, لكن عقودا من تزايد عدم المساواة ألقى ظلالاً من الشك على هذا، وكذلك عجز الحكومات قبل وأثناء وبعد أزمة عام 2008.
ويعلق: «الموضوع الرئيسي من الخطاب المعادي للديمقراطية الحالي هو الأزمة المالية للدولة المعاصرة، كما يتجلى في الزيادة المذهلة في الدين العام منذ سنوات السبعينات من القرن الماضي»، ويضيف: «يتم زيادة المديونية العامة بهدف الوصول إلى الأغلبية الانتخابية، ونجد السياسيين الانتهازيين يشترون تأييد الناخبين قصيري النظر بالأموال التي لم تكن لهم يوماً من الأيام».
يجد الكاتب في خاتمة عمله أن العملية الديمقراطية تواجه خطرا كبيرا في العالم، بسبب الفوضى السياسية التي ترتبط ارتباط وثيقاً بالأزمات الاقتصادية التي تخلفها الرأسمالية على حساب الفقراء والبسطاء في العالم، ومما يقوله: «عند هذه النقطة، يبدو واضحاً أن الإدارة السياسية للرأسمالية الديمقراطية قد تراجعت بشكل حاد في السنوات الأخيرة، وفي بعض البلدان أكثر من غيرها، ولكن بشكل عام أيضاً، في النظام السياسي والاقتصادي العالمي الناشئ. ونتيجة لذلك يبدو أن المخاطر في تزايد مستمر، سواء على صعيد الديمقراطية أو الاقتصاد».

نبذة عن المؤلف

فولفغانغ ستريك أستاذ جامعي ومحلل سياسي واقتصادي ألماني من مواليد 1946. مدير معهد «ماكس بلانك للبحوث الاجتماعية في كولونيا، وأستاذ علم الاجتماع» في جامعة كولونيا. وهو عضو فخري في جمعية تقدم الاقتصادات الاجتماعية، وعضو في أكاديمية برلين براندنبورغ للعلوم، فضلاً عن أكاديمية يوروبايا. تركز أبحاثه على تحليل الاقتصاد السياسي للرأسمالية. وقد كتب على نطاق واسع في الاقتصاد السياسي الألماني، ومؤخراً كتب عن سياسة التقشف وتأثيرها في سياسات الاتحاد الأوروبي، وصعود ما أسماه بدولة الديون نتيجة الثورة الليبرالية الجديدة من سنوات الثمانينات، ومستقبل الاتحاد الأوروبي الذي يشهد تخبطاً في سياساته، وله العديد من المؤلفات منها: «شراء الوقت: تأخر أزمة الرأسمالية الديمقراطية».

– See more at: http://www.alkhaleej.ae/alkhaleej/page/b65d59e5-a466-4bc8-b225-c99629a999fa#sthash.gWRbxH6v.dpuf

 

 

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.