مصرع الدولتين واحتفال النقيضين!

عادل سمارة

استطاب  كثيرون التضحية الأمريكية بحل الدولتين، وهو الحل الذي ولدته أمريكا  وقبل به الكيان الصهيوني على مضض. وها هو “الرب أعطى والرب أخذْ” هما اباه وأمه ولسنا نحن بغض النظر عن اي فلسطيني يتبناه. ذلك لأن الحل الفلسطيني الأصيل هو تحرير الوطن .”فلا بد من صنعا وإن طال السفر”. تم تفتيت غسان كنفاني، واغتيال ناجي العلي ووديع حداد رافضين لغير التحرير وقالها الحكيم ومضى، ولن يطفئها من يقومون بعلكها في فكيهم لتخرج استسلاماً.

 ولم يكن القرار الأمريكي مجرد نزوة بل بعد دراسة داخلية منذ زمن ومع الكيان ومع عملائها العرب قادة وطابور سادس ثقافي. وطبعا بعد نظرة على الحريق الذي احدثه “الربيع العربي” ولم يتوقف بعد.

كما لم يكذب نتنياهو حين قال سنقفز عن الحل مع الفلسطينيين للحل مع دول عربية وتحديدا اتفاق مع طائفيين. (هنا يجب التفريق بين ان تكون من طائفة موضوعيا وأن تتحول إلى طائفي تخلُّفا ودموية وتبعية ). وهذا يعيد في ما يعيد إلى الذهن لفيفا من مستدخلي الهزيمة الذين استعذبوا شعار: “الصراع الفلسطيني –الإسرائيلي” لإبعاد العرب عن صراع مع عدو يضرب ليييا ليصل القدس وسوريا ليصل القدس وصنعاء ليصل القدس. وفي النهاية، ها هو هذا العدو يقول لهم: قررت التضحية بمشروعكم!

 بداية، فإن معسكر المقاومة وخاصة بقايا الرفض الفلسطيني لا يعتبر الدولتين حلا أبداً. فالرفض هو مشروع وطني فلسطيني عمقه المباشر عروبي اي قومي، ونهايته اشتراكي أو ماركسي باللغة الواضحة.

هذا المعسكر الذي هو جزء من المقاومة، يبتهج اليوم لنحر الدولتين. فعلى الأقل كانت قرائته صحيحة، ولا باس أن “لا يُطاع لقصير أمر”. ولا بأس لو وُصف وقد وُصف تفكيره بأنه خشبياً. أليس الخشب أجمل من صفيح المعدن البارد أو السيولة الفكرية والوطنية؟

ولم يتفرد هذا المعسكر بأنه وحده الذكي، لكن وحده الذي لم يكذب ولم يرتشي ولم يفسد ولم يساوم وكل هذه جرأة على النصر، ولو بعد حين لأنها مقاومة.

اما الطرف المحتفل الآخر بقتل الدولتين بحجر واحد، أو بحجرين من حجارة داوود ضد جالوت إن صحت هذه الأسطورة الكاذبة، فهو في الأساس طرف انفسخ من رحم مختلف القوى الفلسطينية. هو طرف الدولة الواحدة بنسخها المتعددة:

·    دولة ديمقراطية

·    دولة علمانية

·    دولة ثنائية القومية

·    دولة ابرثايد  (هم القمة ونحن القاع)

·    المبادرة العربية

·    دولة لكل مستوطنيها

·    وآخرها دولة مع المستوطنين (فريق نداء وصرخة من الأعماق)

هذه الأطروحات الهشة والمجانية، والوليدة كإجهاضات ضخمة وُلدت ميتة. ألم يقل ماركس عن جدل هيجل “إجهاض ضخم”. فما قيمة ضخامته وهو إجهاض؟

مختلف هذه الأوراق ليست سوى كورق اللعب بايدي  الأعداء، هي للتسلية ولتقطيع اللحظة وتقطيع اليوم وتقطيع التاريخ كتغطيات على المشروع الفعلي للصهيونية وهو قضم الأرض نهائيا.

لذا، لم يكن تفسيرنا لاتفاق أوسلو خبط عشواء، فهو اتفاق تقرر فيه من “الحكومة الصهيونية المركزية في تل ابيب وبأمر امريكي أن تسمح لحزب سياسي هو م.ت.ف بالعمل تحت إشرافها في مقاطعة من ما تسمى “أرض إسرائيل” هي الضفة الغربية وغزة. واستغل الكيان هذا الترخيص لقرابة ربع قرن حيث أغرق الضفة الغربية بكتل استيطانية تحول اساساً دون تشكيل دولة حيث امتلأت الضفة بمستعمرات داخلية  Internal Colonies   ففي البداية تم بناء مدنا على شريط حدود 1967 لمسحه مثل “أريئيل، وجيلو، ومعاليه أدوميم وجيلو” ناهيك عن الاستيطان في القدس بربع مليون مستوطن ثم مئات المستوطنات الصغيرة. والتخطيط مع البنك الدولي لإقامة مدن صناعية على الحدود أيضا لاستغلال قوة العمل الفلسطينية بأقل الأجور وبأسوأ الظروف.

لقد أشرنا إلى هذا منذ عام 1982 في مجلة العهد التي كانت تصدرها الجبهة الشعبية في القدس، ثم أُغلقت، وركزنا على أن هذه المستوطنات المستعمرات تنتج منتجات عالية الجودة وغزيرة ومتقدمة وبالتالي هي ستغرق ، بل تغرق السوق المحلي وتطرد الصناعات المشابهة من السوق، كما أن الصناعات المتقدمة فيها (هاي-تك) تصدر للخارج. ولذا يجب مقاطعة العمل فيها ومقاطعة منتجاتها بداية وليس فقط منتجات بقية جسم الكيان.لكن هذا لم يحصل بشكل منهجي وبقرار وطني وسياسي.

وهكذا، طالما “أنجز” اليوم  للأعداء كل هذا فقد نضجت ساعة قتل حل الدولتين.

ولأن اللحظة مناسبة لخنق الدولتين، فقد حصل.

لا شك أن  هؤلاء ، هذه الفرق الضالة تحتفل الآن بان حل الدولتين أُزيح من طريق اندلاق عشقها الرخيص على الكيان. ولكن الكيان لا يمارس العشق بل الزنى! لا يبحث عن الحرائر بل يحولهن إلى جواري. والجواري للمتعة المؤقتة لا لتأصيل أسر.

كثيرون من هذه الفرق هم من اللبراليين، والمابعد حداثيين، ومن تلامذة الجزء المتهافت لتنظير ما بعد الاستعمار، ومدرسة فرانكفورت…الخ، المنبهرين بالكيان. ولأن ذكر الإسماء يقودنا إلى محاكم التطبيع، فنكتفي بالقول، إن هؤلاء يكرهون النضال الوطني ويكرهون البعد القومي. إحداهن قالت لجريدة عبرية عام 1991: “حين اسمع اسم صدام حسين أو حافظ الأسد أو القذافي اشعر بالغثيان”! لم تقل هذا  مثلا عن حكام الخليج الذين حتى يفتقرون للوسامة البيولوجية.

كثير منهم من المرتدين قوميا وماركسيا. والأخطر منهم من لا يزال يتغنى بالماركسية ويستخدمها كحصان طروادة للاعتراف بالكيان والتعايش معه في دولة واحدة بينما يقول كل الكيان، بأنه لا يريد سوى دولة يهودية لكل مستوطنيها ويريد الجولان ايضا.

لعله من شديد المفارقة، أن مطالبة نتنياهو إلى ت/رامبو ضم الجولان للكيان، هي التي اثارت شبق حاكم إيطاليا للمطالبة بضم ليبيا لإيطاليا. هذه نعمة قوى الدين السياسي الوهابية الإرهابية! ذلك بعد ان قام الشهيد القذافي بإرغام إيطليا على الاعتذار والتعويض عن جرائمها ضد ليبيا في فترة الاستعمار.

لا يوجد في النظرية الماركسية  أو في اية نظرية شيوعية من شيوعية الماديين اليونان إلى النزعات المادية في الفلسفة العربية والإسلامية  ولا ما بعد ماركس أي قبول للاستعمار  وخاصة الاستيطاني الاقتلاعي، فكيف يمكن لهؤلاء اللهاث والترويج لدولة مشتركة معه، وهو مجرد مغتصِبْ.

هذه الأطروحات، ليست سوى بثور مرض على جسد المقاومة، ولعل أحدثها وليس آخرها  ما يسمى “التجمع العربي والإسلامي لدعم خيار المقاومة” بينما يتبنى ورقة تطالب بالتعايش مع المستوطنين. كيف بربكم وبرب من يغدق عليكم نفقات المؤتمرات!

وعليه، بل على ضوء مقتل الدولتين، لا شك أن هذه الفرق سوف تنتعش وتنظم القصائد للتعايش.

وإذا كان لا بد من توسيع الفرجار، فإن معسكر المقاومة باتساعه سعيد الآن بمقتل الدولتين، وليس فقط فريق الرفض ذي الحال غير القوي.

وبالمقابل، فإن الثورة المضادة سعيدة ايضا بمقتل حل الدولتين، ولكن ليس من باب أي شكل من الدولة الواحدة بل من باب تصفية الوجود الفلسطيني حتى جسديا ما أمكن. ولا يخفى أن بدايات هذا ليست فقط قول نتنياهو بأن عربا هم حلفاء للكيان، بل ما تقوم به السعودية من إرسال مبعوثين علانية إلى الكيان، وكذلك قطر ولا شك أن الإمارات مثلهما.

أختم بملاحظة، عام 1995 جرى نقاش في مركز لشخص كان رفضا وصار طليعي في التطبيع، حينها نافشني الراحلان صليبا خميس من راكاح وإبراهيم الدقاق من الحزب الشيوعي هنا، بالقول: “لا نفهم حماستك هذه، فها هي التسوية تمر من أمام عيونكم جميعا”؟ قلت صحيح لكن قولا لي: ماذا أخذتم؟ وها هو ما اخذاه وغيرهما يُنزع منهم. فهل من بكاء!

 

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.