الحرب المتنقلة: اللغة ضد طهران والنار على دمشق

عادل سمارة

صحيح أن صورة العالم ملبدة اقتصاديا وسياسيا وإعلاميا ونفسيا هذه الفترة القصيرة التي تشهد تفككا سريعا لحقبة العولمة ومن ثم تراخي قبضة الإمبراطورية من جهة وشدة توحشها من جهة ثانية. ولكن وراء هذا التلبد فكرة مسرح شكسبير بأن الجوهر لم يتغير،  فما أن ينقشع الضباب حتى يبين أن كل شيء على حاله وفي مساره. والجوهر أن الراسمالية الغربية بقيادة واشنطن التي اقتحمت كل شبر في الكرة الأرضية لن تتغير، فراس المال إما أن يربح او يموت. وحين نقول هذا يكون الكيان الصهيوني صاحب عش صغير ومضمون في هذه البنية الدموية.

لا بل إن العولمة الراسمالية اللبرالية الغربية تخلق أدوات جديدة للأذى والموت. فإدارة ت/رامبو ترث جيش أوباما/امريكا الثالث، لا تلغيه، وترث إرهاب انظمة وقوى الدين السياسي، وهي ليست داعش والنصرة ومئات غيرها بل ايضا على سبيل المثال قطر والإمارات الكيانين الصغيرين والذين يتصرفان بما يخرق ويغير الجيو-بوليتيك المألوف حيث تتمددان ماليا وعدوانيا بشكل معولم! ألم تضربا في ليبيا، ناهيك عن اليمن! هذه النماذج الصهيونية جوهريا وإن بكوفيات، هي الأخطر لأنها مارقة بحماية العدو الأمريكي، فلا رقابة عليها كما كانت زائير سابقا والكيان الصهيوني حالياً. أنظمة سوداء بأذرع معولمة.

بكلمة، في ظل القطبين أُعيقت الحرب العالمية الثالثة لوجود الاتحاد السوفييتي، وما أن تفكك حتى تحولت الحرب الباردة إلى ساخنة (هذا ما كتبته في مجلة كنعان  1991 حينما تم العدوان على العراق بعد تحريره الكويت) وبتراخي الإمبراطورية اليوم، يعيش العالم حربا عالمية ثالثة متنقلة.  فالحرب العالمية تحصل مع تعدد القوى الكبرى وإعادة تقاسمها للعالم بينها أو بالإنابة عنها. وهذا ينقض أطروحة كارل كاوتسكي عن تصالح الإمبرياليات (في ثلاثينيات القرن الماضي، وينقض أطروحة هاردت ونيجري بأن الإمبراطورية تتوجت على العالم ناهيك عن أطروحة فوكوياما عن نهاية التاريخ والإنسان الأخير مبديا سعادته بأن الباب أغلق ابدا امام الإنسان الحقيقي القادم “الإنسان الاشتراكي”.

 

وطننا ومنطقتنا:

في الوطن العربي وهو قيد الاستهداف منذ بزوغ الراسمالية التجارية،فما من حرب إلا وله فيها نصيباً، عليه نصيباً، هدف ونهب.

واليوم، على أبواب تغير رئاسة العدو الأمريكي يحار كثيرون، ساسة ومثقفين /ات أين يصنفوا الراس الجديد لهذا العدو.

لكن المقاومة لا تحارُ. بل في لحظة اختلاط الرؤى، والإعداد للآتي تدرك المقاومة من السيد نصر الله وصولا إلى شبل يحمل كلاتشينكوف أن عليه الهجوم. هذا ما يمكن فهمه بوضوح من خطاب السيد الأخير. هجوم نفسي بمعدات الحرب. صحيح انه لا يزال في مرحلة “وإن عدتم عدنا” ولكنها مرحلة عالية التقدم مقارنة بمراحل “استسلمنا”!.

إنها حالة/لحظة تقول: واجهوا فلتان  وحش الثورة المضادة بانعتاق المقاومة وبوضوح، استهداف مقابل استهدافا. واصطفاف مقابل اصطفافا. لعل هذا هو الرد الحقيقي على لقاء نتنياهو ت/رامبو.

لقد تفائل البعض بما قاله ت/رامبو عن سوريا قبل تنصيبه. وقد يكون قد اعتقد ذلك. ولكن مختلف ذوي العقول الرزينةأكدوا من حينها، أن أمريكا دولة المؤسسات الوحشية وليست دولة الرئيس المتوحش وحده. وتوحش المؤسسات أخطر من توحش الفرد.

لم يلتقط البعض مسألة هامة في ت/رامبو هي ذلك التقاطع الحميم مع المستوى او النخبة الممولنة في الولايات المتحدة التي تعتبر العالم موقع مضاربات وتحصيل ربح بل ريع Rentصاف حتى لو دون إنتاج طالما لم تعد ماكينة الإنتاج داخل امريكا نفسها قادرة على حسم السوق العالمية لوحدها ولم يعد جيش امريكا قادر على غزو كل دولة منتجة تنافسها في  بيع السلع. بل حتى صارت بعد  هزيمتها في العراق غير قادرة على غزو دول صغيرة ومتوسطة.

من هنا كان الانتقال إلى:

·      الحرب المتنقلة  بطائرات بلا طيار الدرونز

·      أو بقوى الدين السياسي  نقل 360 الف إرهابي إلى سوريا وحدها.

هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإن سيطرة النخبة الممولنة في الولايات المتحدة خاصة، قد ضبطت تهورات ت/رامبو بأن الأفضل لأمريكا ليس تقليص دور الناتو وليس رفع الغطاء عن الطائفيين السنة في الخليج، وبأن دعم الكيان الصهيوني (الذي هو عميل من رئيس الوزراء حتى إثيوبي ممنوع دفنه في مقابر الإشكناز)  وحده لا يكفي لخدمة مصالح امريكا.

وهنا كان تزاوج الموقفين: ضغط على حلفاء امريكا واستحلابهم وليس الانسحاب من بينهم.

لكن أخطر تجليات هذا التزاوج هو في الوطن العربي حيث الحروب المتنقلة تغطي مساحة الوطن وإن بدرجات.

أما التركيز فعلى سوريا. صحصح ان الغرب وخاصة أمريكا نقيضة لإيران، ةعدوة لإيران، ولكن التهديد بضرب إيران مضى عليه منذ انتصار الثورة هناك. هل السبب العجز عن العدوان؟ لا أعتقد ذلك. فما يعني الثورة المضادة اساسا أو أولا هو تدمير الوطن العربي وخاصة الدول الجمهورية المحيطة بفلسطين المحتلة.

لذا، فإن ما يحصل عمليا منذ ست سنوات وخلال اليام الخيرة يبين أن الخطاب الساخن ضد غيران والشغل الحربي على سوريا سواء بتشغيل تركيا لتخريب مفاوضات ىستانة أو زعم عدم القدرة على فرز نوعي الإرهاب، أو الحديث عن إقامة مناطق “آمنة” اي عميلة في سوريا وبتمويل المال المنهوب من حكام الخليج.

نحن إذن أمام حرب ضروص لا توقف فيها. لأن سوريا هي البندُقة التي يصرون على كسرها كي تموت فلسطين ويصبح الكيان الصهيوني:

·       القوة العسكريةالوحيدة في وضد الوطن العربي

·      ليسير التطبيع من الأنظمة وأحزب عربية إلى قبل الشعب العربي ، اي خرق القلعة الأخيرة

·      ليكون الكيان مصنع يبيع في كل الوطن العربي

تدمير سوريا وتقسيمها، أكثر أهمية من العدوان على إيران وأكثر إلحاحاً. لذاجب ان لا ننشغل في القلق على غيران ونغفل عن الشغل العدواني ضد سوريا.

قد يرى البعض أن الجبهة واحدة، وهذا صحيح، ولكن ضربة ضد إيران لن تنهيها من جهة وبالتالي تبقى سوريا وحزب الله وهذا ما يقلق العدو.

وهنا ينقشع ضباب الساحة العربية والمنطقة عن معسكرين:

انعتاق  المقاومة

وعناق المساومة.

صحيح ان انعتاق المقاومة الممتد من الضاحية الى غزة الى دمشق الى طهران وحتى إلى نصف موسكو، ولكنه انعتاق يواجه أربع عقبات متواشجة لا مفككة رأسها واشنطن وأذرعها عديدة تصل حواف المقاومة:

الأولى: عقبة موات الشارع العربي في معظمه، ووجود قوى ومنظمات وحتى ثقافة تشكل انسدادا في وجه مشروع المقاومة. وللمقارنة: تخيلوا مثلا لو كان الشارع العربي هو شارع الخمسينات حينما كان خطابا لعبد الناصر  يلهب الوطن من المحيط إلى الخليج. ذلك لأنه كان يمور بوجوب الرد والصد والهجوم. بينما نجد خطاب نصر الله وقد حاصرته الطائفية وإعلام الثورة المضادة.

والثانية: تعدد وقوة الثورة المضادة وانتشارها المعولم وتلاقيها في الوطن العربي. ولا نذكر هذا للتهويل وتثبيط الهمم ولكن لجلاء المشهد. فلم يشهد الوطن العربي تحديات خيانية  قطعا كما اليوم.

لم يكذب نتنياهو حين قال بأن لنا حلفاء عرباً، وهو ما شرحه لا شك ل ت/رامبو الذي بناء عليه قال بأن حلفا ضد إيران يتكون من “إسرائيل” والأردن ومصر والسعودية والإمارت. ولا شك أن تركيا على رأس القائمة. وهل هو فقط ضد إيران؟ أم هو ضد فلسطين عبر كونه ضد سوريا وصولا إلى إيران.

فرع آخر من الحلف الصهيو-عربي ما تفوه به محمد علوش، بالمطالبة بإشراك الأردن والإمارات والسعودية إلى جانب وبقيادة تركيا  في رعاية المفاوضات.

وهو في جانبه الآخر ضد موسكو، فأمريكا تعزز آلة حربها في البحر الأسود وعلى أرض بولندا (العدو التاريخي لروسيا والمهزوم ابدا ولم يتعلم)! وأراضي رومانيا ناهيك عن أوكرانيا. اليست هي حربا متنقلة إذن؟

هذا إلى جانب التخندق الأمريكي ضد الصين وضد الاتحاد الأوروبي واليورو وخاصة ضد ألمانيا  للوصول إلى روسيا. فأمريكا تريد لأوروبا أقل من شريك لأن الشريك الوحيد هو الكيان الصهيوني.

والثالثة: قوى الدين السياسي الإرهابية وهي إفراز الطائفية التي تتسلح بها أنظمة الدين السياسي في الخليج والممالك التي تحكم في وطن العرب. وهي قوى تم إنتاجها بتكريس أهم فائضين في المجتمع العربي لأجل الإرهاب:

·      الفائض الشبابي بحقنه بالطائفية الوهابية وتسليحه ودفعه خارج بلدان الولادة والمنشأ

·      والفائض المالي (الريعي) للإنفاق على حروب هذه القوى.

وهما الفائضان اللذين لا نمو ولا تنمية لأي بلد يفرط فيهما، فكيف حين يسخرهما للموت والإماتة!

بهذه القوى التي جندتها أمريكا منذ 1978 وبلورها أوباما وهيلاري سوف يواصل ت/رامبو حربه علينا عربا وفرسا وحتى روساً.

والرابعة: فرق المابين ذوي الجلود المتعددة، والرأس بوجهين وفم من الأمام وآخر من الخلف.

إنها المجموعات التي دعت وتدعو إلى دولتين أو دولة واحدة أو دولة مع المستوطنين.

خلاصة القول ، فإن آخر التطورات تؤكد أولها، وهو أن هذا الوطن قيد الاستهداف الدائم، وبأن الحرب المتنقلة هي حربا عالمية ضد العروبة. وهذا أمر جلل، لا بد من الارتفاع لمواجهته.

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.