معركة (الإختراق )

أحمد عز الدين

 

قدرُنا أن نشحن بنادقنا، وأن نعاود خوض معركة ( الاختراق) من جديد”

كان هذا هو تعبير صدمتي الأولي عن نفسها ، وهي ترمق بقلب مثقل ، واحداً من أهم رموز (الاختراق ) ، وهو يهبط بالمظلة الواقية ، فوق المنصة الفكرية والثقافية للقوات المسلحة في مسرح الجلاء

وما كان ظهور د. عبد المنعم سعيد، أو حتي مقوده وحليفه الأثير د . سعد الدين ابراهيم ، فوق منصة أخري في مكان آخر ، أو وقت آخر ، ليحرك في النفس ساكناً ، أو يدفع في القلب وجعاً، أو يخنق في الروح أفقاً ، ولكنها المكانة التي يعكسها المكان ، والقداسة الوطنية التي يتنفسها ، بل ونتنتفسها من رئة حاضره وتاريخه المجيد.

والمشكلة في ذلك – أولاً – أن معركة ( الاختراق ) لم تكن معركة فكرية خالصة ، وإنما وطنية من طراز فريد ، دفاعاً عن قيم الوطنية المصرية علي جانب ، ومحاولة مسخها ونسخها علي الجانب الآخر.

والمشكلة في ذلك – ثانياً – أن هذه المعركة في جوهرها قد دارت حول تأكيد وترسيخ المفاهيم الثابتة للأمن القومي علي جانب ، في مواجهة محاولة تجريفها لخدمة استراتيجيات مضادة علي الجانب الآخر.

والمشكلة في ذلك – ثالثاً – أن الزاد الوطني الخالص الذي واجه أسلحة الاختراق الأجنبي ، انغمس في المعركة بطاقته الذاتية المجردة ، بينما كانت روافد التمويل و التموين الأجنبيين ، تجري نبضاً ومادة ومالاً من مؤسسات بعينها ، معروف أنها واجهات مباشرة لأجهزة مخابرات أجنبية معادية.

والمشكلة في ذلك – رابعاً – أن هذه المعركة المفتوحة التي تواصلت لأكثر من عقد من الزمن ، كانت قد حققت نتائجها ، فقد بدا واضحاً أن موجة ( الاختراق) ، قد أصبحت معزولة ، حتي قبل بزوغ ثورة 25 يناير ، أما إفلاسها النهائي ، وإدانتها الدامغة فقد كانت من صنع التحولات والمتغيرات في البيئة الاستراتيجية ذاتها مع ثورة 30 يونيو ، التي برهنت علي أنها أهم أسلحة التبعَية ، وأوضح متون فقهها ، بمستوياته الفكرية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية.

والمشكلة في ذلك – خامساً – أن الدولة المصرية والمراكز الأمامية لحراسة أمنها القومي ، وفي ظل نظام آخر ، لم تكن في موقع المتفرج الصامت ، ولا المتابع المحايد ، وإنما كانت تقف حيث تُحتم عليها عقيدتها الوطنية الراسخة أن تكون.

وبعد .. فليس عندي ما أضيفه ، إلا أن اُعيد إنعاشاً للذاكرة الوطنية ، نشر بعض من مقالات هذه المعركة ، بادئاً بهذا المقال كما نشر في بداية عام 1998

فقة التبعية

1- حالة الدكتور سعيد ..

أرجو ألا يعتب عليّ بعض من يحسنون الظن بي إذا قلت أنني أبدي اهتماما كبيرا بما يكتبه د.عبد النعم سعيد وعذري-الذي أرجو أن يكون مقبولا – في ذلك ما يلي:

أولا:إن كتاباته تمثل في مجملها حالة تشريحية سريريَه لبعض المتون المستحدثة في فقه التبعية،وهي إن كانت تنتمي إلي أقل صياغاتها تماسكا,وأكثرها تهافتا.إلا أنها –للحقيقة –تتميز بكونها أكثر كشفا عن مكنوناتها رغم أبخرة التهويم التي تتزاحم في فضائها.

ثانيا: إن هذه الكتابات تشي بحس عميق عند صاحبها بأنه أجلس نفسه بنفسه، على رأس مدرسة فكرية جديدة, وإذا كان شيوع هذا الحس يفيض عليه سلوى,فقد أصبح في الوقت نفسه مصدر توتر وانشداد حيث بات يتصور أن كل كلمة نقد مكتوبة أو مهموسة لشخص أو جماعة أو ظاهرة إنما تقصده بشخصه وتتعمده بذاته، وهي حالة تجدر متابعة صاحبها لمتابعة مضاعفاتها المحتملة.

ثالثا: إن هذه الكتابات رغم كل الزواق الليبرالي ، الذي يتفصد من مسامها يتخلَلها حس تسلطي واضح,يبدو جزءاً من نزعة تمركز كاملة على الذات ، وهو بعد غالب في متون فقه التبعية جميعها ، ولذلك تشدَ كتاباته فوق مفرداتها قناع الحقيقة المطلقة، بينما تخلع على خصومها أكثر الأوصاف مجافاة لروح البحث العلمي، وإزهاقا للحقيقة الموضوعية.

إن آخر مقالات د.عبد المنعم في جريدة”الأهرام” (بشأن ما جرى في عام 1997) يمكن أن تنطق تلقائيا بصحة هذه الحقائق، ولذلك يجدر التوقف عندها باعتبارها مرآة عاكسة لعقل صاحبها وأسلوبه وأصوله الفكرية.

غير أن المشكلة أنه يصعب فصل الذات عن الموضوع في مثل هذه الكتابات ، فالذات هي الموضوع ذاته،وهي ذات متورمة تتحدث عن نفسها حتى وإن بدا أنها تتحدث عن غيرها ، فهي نواة المركز وغيرها ذرات النجوم،وهي عاصمة الحضر،وسواها بؤس الريف,وهي شروق المستقبل,وغيرها غروب التاريخ،ولذلك لا يدهشك أنها تحل نفسها مكان كل شيء ، من الوطن إلى الحقيقة، ومن الحاضر إلى المستقبل , مع ذلك لنبدأ بتحليل بنية خطابها وصولا إلى استخلاص هذه النتائج من داخله,إن د.عبد المنعم يؤكد في مقالاته المذكورة ما يلي:

1- إن أعداداً من الصحف الحزبية، والأخرى المملوكة لفرد أو أفراد “تشنّ عليه سلسلة من الادّعاءات والافتراءات والأكاذيب غير المسبوقة في الوسط الصحفي”

2- إن هذا الهجوم على”شخصه “هو “بلطجة فكرية”و”بذاءات لغوية” و”مطاوي قرن غزال كلامية”.

3- إن مهاجميه لا يعرفون إلا “التشهير والابتزاز و الاغتيال المعنوي والإرهاب الفكري .إنهم يعانون ارتجاجا نفسيا وعاطفيا وعقليا ,وأن إضافتهم الوحيدة لمستقبل البلاد ,أنواع مبتكرة للبلطجة الصحفية”.

4- إن الصراع الفكري في بلادنا قد تحدد نهائيا ولسنوات قادمة بين مدرستين، مدرسته التي (تنظر إلى المستقبل وتترقبه بالاستعداد والعلم ,وتنتظر إلى المتغيرات الدولية وتؤمن بالتكيف معها ,وتؤمن بقيادة المبادرة الفردية والقطاع الخاص ,وعملية السلام ,وترى في اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية انجازا هائلا، كما أنها تقدس حرية الرأي والتعبير والاختلاف) ومدرسة فكرية أخرى “ذات قدرة فائقة على الولولة ولطم الخدود والبكاء على الأطلال،وبينما تضع مصالح مصر داخل حركة شعوب أخرى عربية وإسلامية تؤمن بالحروب والصراعات والسياسة لديها كلمات لتحقيق النشوة”.

وإذا أوجزنا التعليق فيمكنك أن تلاحظ –أولا-هذا الإسهاب في تصنيف الصحف المهاجمة لشخصه(حزبيه-مملوكة لفرد – مملوكة لأفراد)لإيهام القارئ باتساع دائرة الهجوم على شخصه وشموليتها وأهمية شخصه بالتالي:.

ويمكنك أن تلاحظ-ثانيا-أسلوب توصيفه للهجوم عليه باستخدام ألفاظ مثل(هجمات-تشن-سلسلة- ادعاءات- أكاذيب –افتراءات- غير مسبوق) استكمالا للهدف السابق،ويمكنك أن تلاحظ-ثالثاً-أسلوب توصيفه لأدوات الهجوم الفكري عليه(بلطجة-بذاءات –مطاوي-إرهاب-اغتيال- رجم-طعن-الخ) لإحداث أكبر شحن عاطفي لدى القارئ، ويمكنك أن تلاحظ-رابعا- أسلوب توصيفه لمهاجميه فهم:( مرضى بالارتجاج-مبتكرون للبلطجة- لاهثو الأنفاس –لاطمو الخدود- ندابون وبكاؤون) لإحداث أكبر شحن عاطفي مضاد لدى القارئ، ويمكنك أن تلاحظ- خامسا-استهلاله لمقاله بأن القراء ألحّوا عليه بأن يرد الصاع صاعين،ولكنه اعتذر لهم بعفة الدور،وضيق الوقت وكثرة الأعباء، واضعا رتوشا أخيره على صورته الجديدة كمسؤول كبير وضحية مسكينة ونموذج أخلاقي فريد ، وهو ما يعني مزيداً من الشحن العاطفي بجانبيه، ثم يمكنك أن تلاحظ-سادسا- تلك الثنائية التي تبطن منهج رؤيته ،حيث تقف مصر فكريا,موقفا عاصفا بين مدرستين لا ثالث لهما أولاهما مدرسته بتوصيفه السابق لها، والأخرى تشكل جماع كل الاتجاهات والتيارات الفكرية والاجتماعية الأخرى قومية أو سلفية عقلانية أو متطرفة ،أصوليه أو ماركسية؟،تحارب بالكلمة أو تستخدم المسدس والقنبلة ، وهذه الثنائية المدهشة تضع مدرسته في خندق مغلق، والوطن كله بكافة فصائله وتياراته في الخندق المقابل أو المعادي، وإذا كان تتبّع مصدر هذه الثنائية في خطابه أمراً حيوياً ،فإن الخطاب نفسه يقدم بيده مفاتيح أبوابه، فهو يضيف: إن أفكار هذه المدرسة”قد ترتّبت داخل مصر نتيجة الانقلاب العالمي المعاصر”أي أنها بوضوح صدى لأفكار أكثر شيوعا لدى بعض الباحثين الأمريكيين من”برجر”إلى”فوكوياما” مرورا بـ”هتنجتون” ولا يحتاج الأمر إلى تدقيق أو بعد نظر للإمساك بجذور صلات التوحد العميقة بين أطروحات الكاتب،وبين الزاد الفكري للتيار الجديد للامبريالية الثقافية،علما أن مصطلح “الإمبريالية الثقافية” ينتسب إلى عالم أمريكي هو “كورءوى” أي أن ثنائية الصراع المصري فكريا هي نفسها ثنائية الصراع الدولي الذي يرى هؤلاء الباحثون الأمريكيون أنه يقسم العالم إلى معسكرين متواجهين باسم الصدام الحضاري ،أو الصراع الحضاري، أولهما يمثل،الخط الحضاري الغربي القائم على المركزية الأمريكية البديلة، والعولمة،وبقرة السوق المقدسة، والآخر يتحصّن خلف الخط الحضاري الشرقي أو على “الحدود الدامية” للإسلام والكونفوشيسية،إنها إذن رسالة الغرب الحضاري الجديدة،رسالة الاستحواذ والتبعية، والامبريالية الثقافية ،رسالة تفكيك الذات ونفي الخصوصية الذاتية، ونفي جبرية التاريخ، ووضع جبرية المستقبل في تناقض معها ، رسالة تكثيف”الأنا الصغيرة” على حد تعبير “نيتشه” ، رسالة العقل ذي البعد الواحد,ولذلك فإن تورّم الذات هنا وتضخمها ليس عوراً أخلاقياً، ولكنه تعبير منهجي عن حالة فكرية بالأساس تؤدّى مقابل الانحياز إلى الاستقطاب الدولي ونزعة المركزية الأمريكية ، إلى الاستقطاب الداخلي ونزعة التمركز على الذات على النحو السابق.

-2-

أوضحت أن هذه الحالة لتورّم الذات ليست عوراً أخلاقياً بقدر ما هي تعبير منهجي عن حالة فكرية بالأساس، هي الانحياز المطلق إلى نزعة المركزية الأمريكية الجديدة،وهو ما يعبر عن الكاتب بقولة:أن أفكاره”صدى للانقلاب الدولي المعاصر”وقد يكون من المنطقي تفسير تضخم الفردية بالفردية نفسها، أي بالإيمان بمشروع المبادرة الفردية،وبقرة السوق المقدسة،إلا أن هناك دلالة أخرى في باطن كثير من المواقف الفكرية المماثلة مصريا وعربيا سأسمح لنفسي إ ،توضيحا لها بالتوقف عند فاصل قصير في قصة واقعية شخصية.

لقد حللت-قبل سنوات-سجينا سياسيا في سجن دولة عربية شقيقة، واحتوتني زنزانته الضيقة كراحة اليد، ثم تقاسمها معي بعد أيام سجين من أبناء الدولة نفسها ، وبعد أن مرت أيام ثقيلة من الصمت والتفرّس صارحني بقوله إنه “ليبرالي”ثم حكى طويلا عما يؤمن به،وعن جرائم الشمولية ، وفي لحظة يأس تالية سألته”وماذا ستفعل أيها الليبرالي العربي إذا استوليت على السلطة؟” أجابني وهو يضغط على حروفه” سأجمع كل هؤلاء الشموليين والقوميين جميعا في صحن صحراء واسع،وأستدعي جميع مدفعيات الجيش وأبيدهم عن آخرهم، ثم أواريهم بطن الجبل” ويبدو انه نظر في وجهي فوجدني كمن لدغته أفعى،فاستطرد في استفهام استنكاري:”وهل تتصور أننا يمكن أن نبني الليبرالية في وجود كل هؤلاء الشموليين”؟

المشكلة إذن-ذات بعد آخر ليست في تورّم الذات فقط، أو في نزعة التمركز عليها،ولكن في طبيعة هذا الحس الليبرالي المستحدث،الذي يعبّر عن شكل فريد من الليبرالية الشمولية، وقد تحوّلت من مرحلة إبادة الأفكار إلى محاولة إبادة الأدوار،ولهذا تستخدم حربها الكلامية،كل ما في جعبتها من توصيف للخصوم،بدءاً من “مطاوي قرن الغزال الكلامية”وانتهاء بـ”الارتجاج النفسي والعقلي والعاطفي”باعتبارها أسلحة إبادة للأدوار قبل الأفكار.

أنها “ليبرالية شمولية” مستحدثة لا تبدو امتداداً طبيعياً لتراث عزيز لمدرسة الليبرالية المصرية التي تمحورت حول فكرة المصالحة التاريخية مع الحضارة الغربية، وغمرت بنبضها العقلي الثلاثيات والأربعينات من هذا القرن( الماضي ) حتى بعد أن انتهت إلى نزعة قبولية شبه مطلقه بقيم هذه الحضارة، وانهارت مع هذه النزعة قاعدتها الفكرية سواء بين الأدوار أو الأفكار أو الطبقات.

لقد انطوت فكرة المصالحة مع الغرب نفسها على منطق التفاعل والحوار،لا على فكرة النقل والخوف والإبادة وطرد الخصوم من الساحة، ولم يكن فرسان هذه المدرسة تاريخيا من سعد زغلول سياسيا إلى محمد عبده ثم طه حسين فكريا، وكلاء فكريين للغرب،وإنما كانوا وكلاء سياسيين وفكريين للوطن, في محاولة صياغة هذا التفاعل والحوار الذي يتحمل الغرب وحده مسئولية ما لحق به من انهيار، والأمر على هذا النحو ليس مجرد اختلاف في الدرجة، ولكنه اختلاف بيّن في النوع،حتى أن مثل هذا النشاط الفكري الليبرالي المستحدث ،يبدو مكملا لنشاط بعض الشركات متعددة الجنسيات التي دأبت على محاولة اختراق الأسيجة الأمنية لدفن النفايات النووية للغرب في تربتنا الوطنية،وذلك بمحاولات موازية لدفن النفايات الفكرية لهذه الشركات نفسها في التربة الفكرية والإعلامية للوطن..

لقد قلت أن محاولة هذه الليبرالية الشمولية لحبسنا في وعاء ثنائية جديدة بين انتمائنا بالكامل لصورة الآخر، وتكيّفنا غير المشروط معها، وانتمائنا لخصوصيتنا الوطنية، هي انعكاس مباشر لتلك الثنائية الأمريكية التي تعيد تقسيم العالم استنادا إلى مبدأ الصراع الحضاري ، لكن الغريب أن هذه الثنائية الجديدة التي بشّرتنا بانهيار الأنساق الفكرية المغلقة،وسقوط الحتميات، أخذت تعبّر بنفسها وفي متونها الصافية عن نسق فكري مغلق ، وعن حتمية أخيرة، علما بان الحتمية تزيح التعددية على نحو مبدئي ، لأن الحتمية منهجيا تستبعد غيرها سواء من الحتميات أو الاحتمالات.

لقد مضى القرن العشرون كله وهو يعتمد استنادا إلى منجزات علمية حافلة، خاصة في مجال الفيزياء النووية إلى إسقاط الحتمية الميكانيكية ، بعد أن ساد منهج اليقين، وحتمية الفكر الإنساني لمدة أربعة قرون سابقة متصلة ، بل أن فكرة عدم الحتم و اليقين التي خرجت من البحوث الفيزيائية(خاصة نظرية الكوانتم والنسبية) قد جرى توظيفها فلسفيا لإسقاط جميع النتائج التي ترتبت على قوانين(الحتمية التاريخية) لكن الملاحظ أن هذه الثنائية الفكرية الجديدة تصعد عتبات الدخول إلى القرن الحادي والعشرون وهي تعاود الإمساك بمبدأ الحتمية مرة أخرى ، وإذا كان بعض المفكرين الغربيين قد رؤوا في حتمية القرن العشرين “صورة علمية للاهوت” فإن غيرهم يرى الآن أن حتمية القرن الحادي والعشرين الجديدة هي صورة علمية للاهوت جديد هو النزعة المركزية الأمريكية ، وفي باطن العودة إلى مبدأ اليقين والحتمية الميكانيكية يتبدي مستقبل توجه هذه الليبرالية الشمولية ، فالحتمية كما قلت هي نقيض التعددية السياسية أو الفكرية أو الإنسانية، نقيض القبول بالآخر, كحتمية أو كاحتمال ، ومع هذه “النيوتونيه”الجديدة تتشكل حتمية السوق والمركز والمحيط، والأعلى والأدنى، والأقوى والأضعف، حتمية الانفصال والعدمية،ولكنه انفصال قومي وعدمية وطنية.

ماذا أريد أن استخلص من حالة د.عبد المنعم سعيد، كما يكشف عنها خطابه الواضح بلغته المكشوفة ، أنني أريد أن أتوقف في هذه العجالة عند ما يلي:

أولا: إن تعبير “الحالة”الذي اتخذته عنوانا لهذه المقالات يعمد إلى فتح أفق أوسع ليتبدّى الأمر للقارئ ، لا على انه استجلاء موقف شخص، أو خيار كاتب، وإنما استبطان “حاله”تتوزع أعراضها على أعداد من الكتاب والأشخاص يتصورون أنهم يفتحون طريقا فكريا جديدا،وأن بمقدورهم ترويض قطعان الفكر السياسي المصري الجامحة،ودفعها بالقوة إلى الدخول فيه،وذلك ليس وصفا بلاغيا محضا ، بقدر ما هو جزء من محتوى تلك الحالة بالفعل، ولذلك لم يكن غريبا أن يختار د.سعيد لإحدى مقالاته بـ”الأهرام” عنوان “الرواد”وأن يفيض قلمه غزلا في شخصية “الكاوبوى”الأمريكي بجنوحها الفردي المغامر، وقد عزّ عليه أنها لا تشكل خيطا في نسيج موروثنا الثقافي.

وباختصار فإن حالة د.سعيد هي حالة أكثر عمومية من صاحبها ولكنه يجسدها بشكل يستحق الإعجاب ….

ثانيا: إن هذه “الحالة”كما تعتبر نفسها صدى “للانقلاب الدولي المعاصر” فإن رؤيتها تشكل تعبيرا مباشرا عن ثنائية فكرية جديدة هي نبت مباشر للنزعة المركزية الأمريكية التي تسند دورها وقيادتها إلى مبدأ الصراع الحضاري بين “الغرب والآخرين”حسب تعبير هنتجتون.

ثالثا: كما أن تورّم الذات فوق سطح هذه “الحالة”هو تعبير منهجي عن الانحياز المطلق إلى هذه النزعة المركزية الأمريكية وثنائيتها الفكرية-فإنه- أيضا شكل من أشكال الاستقواء بالآخر، انه تعبير عن الإحساس بحصانة فكرية يمنحها الارتباط بغطرسة “القوة الدولية المنفردة”تماما كما تحصل بعض النموات في رأس المال المحلي لنفسها على حماية ذاتية، باندماجها في دوائر مصالح رأس المال الدولي، علما بأن الجسور بين النموات الفكرية المستجدة والنموات المالية المستجدة فوق مجري إعادة الهيكلة مفتوحة من طرفيها وعلى اتساعها.

رابعا:أن هذه “الحالة” مثلما تنتهي فكريا إلى نوع من العقلانية الشكلية(على حد تعبير ماكس فيبر) فإنها تنتهي سياسيا إلى نوع من الليبرالية الملوثة في حقل التطبيق العملي، أصدق وصف لها أنها (ليبرالية شمولية) وذلك كما أوضحت ليس خطأ في التطبيق أو في التصرف وليس عورا أخلاقيا، وإنما مرده إلى منهجية تلك الحتمية الجديدة التي تتسلح بها وهي تحول الحل الرأسمالي إلى نوع من الحتم التاريخي، وتسبغ على جموح الرأسمالية الدولية كل قوانين الطبيعة الإنسانية، باعتبارها الكلمة الأخيرة في التاريخ ، ولذلك فإن مبدأ التعددية والقبول بالآخر ليس له مكان حقيقي في قلب منظومتها الفلسفية ،رغم كل ما تحشو به حنجرتها من أناشيد الحرية.

خامسا: أن هذه “الليبرالية الشمولية”التي ترتكز علي قواعد خارجية تقف موقفا عدائيا مبدئيا ضد الخصوصية الوطنية، وضد التاريخ الثقافي،والاجتماعي والذاتي،وموروثهما الحضاري ، أنها ليست محايدة على صعيد الانتماء ولكنها تبدي عداء غريزيا تجاه كل ما يمكن أن يعلي من شأن هذه الخصوصية الوطنية ،وأن يدعم صيغ حضورها الإنساني،ولذلك-أيضا- فإنها تعمد إلى تشكيل قطعية معرفية, مع أهم منجزات المركب الحضاري الوطني،أنها أدوات إعادة الهيكلة الفكرية والثقافية لصالح استمرار الآخر في تعميق سطوته واستغلاله ، غير أن أعجب ما في هؤلاء الذين يعلنون كفرهم بهذه الخصوصية الوطنية أنهم لا يتوقفون عن مطالبة الشعب الذي يجسد هذه الخصوصية بعبقريته، على أن يعينهم على كفرهم بها.

سادسا: إنك أينما بحثت ودققت في هذه المتون المستحدثة لفقه التبعية، والتي تشكل قوام خطاب هذه الليبرالية الشمولية، فلن تجد مفردات مثل القومية أو الطبقات ،أو التراث أو العروبة، أو التاريخ أو الحضارة العربية الإسلامية، ولن تجد الماضي سوى منجم حيَ حتى للكراهية والاشمئزاز ، أما الدولة نفسها فإنك ستجدها مكروهة في حد ذاتها.

وأينما بحثت ودققت فلن تجد كلمة الوطنية سوى زخرف خارجي بلا مضمون ولا ملامح، فهو وطن ذابت خصوصيته التاريخية والثقافية وطمست طبقاته الاجتماعية، بحيث غدت كلمة الوطنية أشبه بحيوان من ذوات الخلية الواحدة التي تعيد تشكيل نفسها وألوانها وأطرافها تكَيفا مع طبيعة البيئة الغالبة.

وأينما بحثت ودققت فلن تجد الكلمات سوى مكعبات مرصوصة ، كأنها نبات الفطر الذي تقول بعض الأساطير أنه زرع الشيطان ، أما مفردات اللغة فيقطر منها الجفاف الإنساني وتلمع فيها عتمة روحية ، كأنها انطفاء الموت.

سابعا: لقد كتب الكثير عن مرض فكري شائع، اسمه مرض”الطفولة اليسارية” وأظن أن مجمل الأعراض السابقة تقود إلى تشخيص حالة مرضية جديدة سوف اسمح لنفسي أن أطلق عليها مرض “الشيخوخة اليمينية”وهي ككل شيخوخة تبدأ بتصلب في شرايين العقل ، ومن المؤكد أن هذا المرض الفكري لم ينشأ الآن، ولكنه ظل على الضفة الأخرى من مرض “الطفولة اليسارية”دون أن يأخذ حقه من الانتباه.

لقد كتب مفكر غربي يصف حاله “ماكس فيبر”وهو يدَبج دفوعه المجيدة عن الرأسمالية بأنه”كان يكتب وشبح ماركس ينتصب أمامه “في هذه المرة أو”الحالة “فإن هذه النخبة من ” فقهاء التبعية” المحللين لا يكتبون في حضور شبح واحد ينتصب أمامهم ، فالحضور في مواجهتهم صفوف طويلة من الأشباح الوطنية، ليس أولهم ولا آخرهم رجل اسمه جمال عبد الناصر.

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.