بدايةً … لا شيء قبل تحرُّر م.ت.ف من الأسر الصهيوني

عادل سمارة

مخطىء من يرى ارتباك المشهد الفلسطيني عبر موقف ت/رامبو –نتنياهو لأنه يبني موقفه على أرضية وضعها الأعداء، وعليه لن يُفلح. ومخطىء بوعي من يرى في مواقف الحكام العرب مسرباً لتحصيل اي حق فلسطيني لأن التابع بالكاد يحمي عرشه. بل يستخدم فلسطين لتزكية نفسه عند السيد الإمبريالي . هذا حال معظم الأنظمة العربية ومنها جميع من يعترف بالكيان لأنها دول وكيلة. Clientele States . لذا، ما صدر عن مصر والأردن بعد زنقهما من قبل الكيان عن خطة كيري، أن أمعنا في نفس اتجاه تثبيت الكيان  الصهيوني.

ومخطىء من يعتقد بأن “سلطتي رام الله وغزة” ستحتجان على مصر والأردن ، لأن اي احتجاج يجب ان تسمعه الناس. فلن يقول أحد لمصر والأردن ما قاله امين سر اللجنة التنفيذية السابق للرئيس صدام حسين عام 1991: “لا يجوز لأحد التحدث باسم الفلسطينيين” حين عرض العراق: “الانسحاب من الكويت بشرط أن يخرج العدو من المحتل 1967”.

ومخطىء من يرى أن تقوية الصف الفلسطيني مرهونة براب صدع الانقسام. ليس لأن الصدع كصدع الصخر لا يمكن رتقه، بل لأن لا قرار مستقل لدى الطرفين، ولا قرار لكل مرهون لأطراف عربية دولية عدوة للشعب الفلسطيني والعروبة معا.

ومخطىء من يعتقد أن المقاومة مرهونة برأب الصدع، فما ن مقاومة انطلقت بتصريح، وها هي الانتفاضة الجارية نبتت من شقوق صخرة الانقسام.

ومخطىء من يرى النهوض الفلسطيني من أرض الحليف الإيراني لأن دور الحليف يأتي بعد دورنا كفلسطينيين وعرباً. وإن لم يكن لنا دورا،ـ سيكون الحليف الإيراني محط نقد حتى من بلاده، وسنكون نحن محط عيب طبعا من أهلنا. هذا ناهيك عن أن مؤتمر طهران ضم من يؤمن بالتحرير والعودة، ومن لا يؤمن بالتحرير وبالتالي يستجدي العودة، ومن يؤمن ويدعو لتعايش مع المستوطنين، ومن يمدح الحاكم في مصر ويستجدي سلطة رام الله حل نفسها ثم يهاجمها لأنها لم تحل نفسها في شهرين! على مهلك على مهلك! ومن يشكر إيران اليوم على تسليح المقاومة، ثم يبخل غدا ببضع كلمات شكر لها. وفي تفس السياق يغمد خنجره في ظهر دمشق وهو في حضنها ويهذي بان حزب الله طائفي. ايها السادة: لا يمكنك الواحد منكم القبض على أخمص البندقية وكسر زنادها.

ومخطىء من أتى من الشتات عبر اتفاق أوسلو، وحل في وظائفها وصار وسيطا للتوظيف فيها، ثم يقول: “نحن تنظيم ضد اوسلو” ! لا يا رفاق، للناس عقول وعيون معا على مدار ربع قرن على الأقل. هذا حديث يُفقدك حتى جمهورك.

ومتهالك وخطير من يرى في استانبول مكانا مؤتمنا على فلسطين، سواء إخوان انقرة أو علمانييها، وبالكاد حتى شيوعييها. لأن تركيا عدو للعروبة بالعلن والمطلق، وصديق خادم خدوم للكيان بالعلن والمطلق. البندقية هي الوطن وليس الدين السياسي، ومن هنا نحن إلى طهران اقرب وعنكم ابعد.

ومخطىء من لا يعمل لأجل مركز عربي، يحالف طهران ويعادي انقرة. لأنه عار تاريخي ان تتوزع أمة من 400 مليون إنسان بين هذا القطب او ذاك. وليس الأمر بالعار فقط بل إن بناء مجدك يجب ان يكون  من طين أرضك.

ومخطىء من قال بعد بيان ت/رامبو-نتنياهو وبعد كشف خطة كيري: “بما ان العدو لن يعطي شيئا، وبما ان امريكا شطبت حل الدولتين…الخ، فسنعود إلى “المربع الأول”.

ولكن، لماذا غادرتم، أو غادر كثيرون،  المربع الأول؟ هل أعجبتكم أو بهرتكم الاقتراحات والمبادرات بدءا من “دولة في الضفة والقطاع، أو فدرالية مع الأردن تضم الكيان، أو دولة لكل مواطنيها، أو إقامة م.ت.ف جديدة (تجربة عزمي بشارة ومنير شفيق وبلال الحسن) …الخ وكل هذه في الحقيقة تجمعها عبارة أخطر من الديناميت وهي “…على الفلسطينيين أن يأتوا بتفكير جديد”! وها هي نتائج هذا التفكير الجديد، بل اللُهاث وراء لفتة من الولايات المتحدة اي العدو بالمطلق… زقُّوماً.

ولكي لا يُزايد أحد على أحد، فإن كل من شارك في أوسلو تفكيرا قبل تحضير، وكل من دخل عن الجسور تحت راية العدو ودخل السلطة إلى موقع القرار من اي تنظيم وشارك في الانتخابات السياسية هو حقا غادر المربع الأول وعليه الشغل لكي يعود إلى هناك.

لم يكن العدو ساذجا حين اصر على توقيع اتفاق أوسلو مع م.ت.ف. كي تأتي إلى الأرض المحتلة تحت إبطه. فالعدو هو الذي لغَّم رؤساء البلديات وخصى لجنة التوجيه الوطني كي لا تقودا الأرض المحتلة وكانتا تمثلان المواطنين في حياتهم اليومية، ذلك لأن العدو يريد تحويل م.ت. ف إلى بلدية فيقتل مشروع التحرير والعودة في النفوس وعلى الأرض. وبكلام صريح، كان ولا يزال هذا العدو على إدراك دقيق بأن بقاء م.ت. ف في الخارج يعني بقاء مؤسسة تمثل شرف الشعب والوطن، أما داخل الأرض المحتلة فالأسرى-كل الناس- مهما تعاطوا مع العدو فذلك لا يهدم مشروعية التحرير والعودة.

هذا التقوُّل من جانب رجل عادي وبلا مناصب أو مال سيغيظ كثيرين ويفتح شهية القمع. وقد لا يعجب حتى رفاقا وإخوة/ات، لكنه يعجب فلسطين والعروبة.

لذا، أجتهد بالقول، إن الخطوة الأولى على الطريق الصحيح هي أن تخرج م.ت.ف من الأرض المحتلة ليس فقط لتكون الممثل للشعب الفلسطيني وليس فقط لقطع الطريق على توليد منظمة اخرى من رحم العثماني والوهابي، بل أساسا لسحب اعترافها بالكيان الصهيوني. لذا، كان إصرارنا في البيان الضد—استانبول على خروج م.ت.ف من الأسر الصهيوني.

وأجتهد ثانية بأن كل من يرفض خروج م.ت. ف، هو في الحقيقة جزء من مشروع التسوية مهما طلى نفسه بمساحيق المقاومة.

لقد سقطت تماما مقولات “القرار المستقل، ويا وِحِدْنا، ونقل النضال إلى الداخل بنقل م.ت.ف، وفلسطين وقف إسلامي…الخ”. كما أنه ساقط سلفا القول بأن م.ت.ف لن تجد مكانا مناسبا خارج الأسر الصهيوني. وأهل هذا القول هم الذين يدعون لانتخاب مجلس وطني في الشتات! فمن يسمح بهذا يسمح بذاك والعكس صحيحا.

كما أن وجود م.ت. ف في الخارج لا يعني انها سوف تكون بالضرورة قاعدة عسكرية بل تعبير معنوي وإلزامي عن حق العودة، ودور كهذا هناك دول تحتضنه حتى لو خارج دول الطوق.

ولعل هذا الأمر هو اختبار لمصداقية الشرفاء في مؤتمر طهران الذين قالوا: ليس المطلوب بيانت وخطابات، بل تشكيل جبهة جغرافية دولانية مسلحة للتحرير من سوريا وإيران ونصف لبنان وربما العراق وحينها ندخل الأردن حتى لو رفض.

إن بلورة توجه من هذا القبيل هو اخطر واضخم من مكتب متواضع لفريق منتم لوطن ممثلا في م.ت.ف.

نختصر أهمية خروج م.ت. ف من الأرض المحتلة في نقطتين:

·      إنهاء الاعتراف بالكيان والانضمام إلى أو التاسيس لمشروع التحرير كما قال البعض في طهران،

·       ويسحب كثيرا من فتيل الانقسام حيث نكون تماما كما قرر الأعداء : “مجرد حكم ذاتي” ومن سيفتخر بذلك فله ذلك.

وقد يستقيم تجليس موقف لينين هنا بما معناه: “إن خطوة عملية واحدة افضل من مئات البرامج”..

أعود إلى حديث المربع الأول، وهو المربع الذي تحطم عبر سيرورة هابطة تآكلت تدريجيا منذ عام 1969. وبالطبع كان على القيادات التي ادركت أنها عاجزة عن إنجاز المهمة إما التنازل أو الاعتزال، لكنها لم تفعل، فلجأت إلى تربيع الدوائر وللأسف …نجحت مع كثيرين.

هنا أرجو من القارىء أن يسمح لي بإيراد ثلاثة رؤى في متابعتي لسيرورة الهبوط:

الأولى 1979: في الموقف من جبهة الأعداء”…  تتكون هذه الجبهة من الولايات المتحدة  كاساس والنظام الصهيوني الحاكم  وسلسلة من  الانظمة العربية ، مصر، السعودية، المغرب، الأردن، دويلات الخليج، السودان،  عُمان” (عادل سمارة، أزمة الثورة العربية وانحطاط كامب ديفيد، منشورات دار العامل، 1979 ص 40)

” إن الركض وراء تحصيل الدولة كما حصل ويحصل هو محاولة بائسة لفهم الواقع حيث كان يجب على الذين يركضون  بهذا الاتجاه ان لا ينسوا اهمية التماسك  الطبقي والقومي وخاصة في ظروف تغيب فيها امكانية تحصيل دولة حتى مساومة” (نفس المصدر ص 51-كراس كتبته إثر خروجي من السجن)

والثانية 1991: تكيف م.ت.ف إلى قيادة بديلة:

“… لقد بادرت البرجوازية الفلسطينية وقبل انتهاء العام الأول للانتفاضة إلى إعلان دولة فلسطينية “خارج فلسطين” وأعلنت لها برلمانا من المناطق المحتلة . وأعلنت اعترافها بإسرائيل. فماذا كانت نتيجة هذا؟

كانت لهذا نتائج عديدة  اهمها اثنتان:

الأولى: تواضع مطالب وبرنامج  المقاومة الفلسطينية ليكون اقصاها مؤتمر دولي وادناها انتخابات في المناطق المحتلة. وبهذا فقد  تحولت القيادة البرجوازية  للمنظمة نفسها الى قيادة بديلة لنفسها “السابقة” . فلم تُرد اسرائيل من القيادة البديلة التي تحدثت عنها طوال فترة الاحتلال إلا  الاعتراف ، وقبول الشروط الإسرائيلية في التسوية ، وكل هذا  قبلته  قيادة المقاومة الفلسطينية . ولا يغير في الامر شيئا رفض شامير التحدث مع  هذه القيادة، بل يؤكد جوهر الحركة والإيديولوجيا .

والثانية: تبلور شكل من الحكم الذاتي داخل المناطق المحتلة وهو الشكل الذي “غضَّت اسرائيل عنه الطرف  خلال الاتتفاضة” وقمعت من طريقه اللجان الشعبية. ويتجلى هذا الشكل في تلك المجموعة الكبيرة من مؤيدي  المنظمة الذين يتحركون ويصرخون بشكل علني ويجرون اللقاءات والحوارات مع السلطة الإسرائيلية واليمين الإسرائيلي . انهم يحضرون انفسهم للتفاوض مع اسرائيل وتحضِّرهم اسرائيل  نفسها لذّلك.

وبهذا، فقد “أقامت الجماهير الشعبية على نفسها وأقامت مقام نفسها ” سلطة حكم ذاتي للبرجوازية في الوقت الذي تقدم فيه أغلى التضحيات دون ان تدرك ، وفي هذا حالة رهيبة من الاغتراب.

(عادل سمارة،الرأسمالية الفلسطينية من النشوء التابع إلى مأزق الاستقلال، منشوات مركز الزهراء  للدراسات والأبحاث، 1991،  ص ص 294-95 )

والثالثة 1993: وكنت قد كتبت رسالة إلى الجبهة الشعبية بأن تعمل على عدم مجيىء م.ت.ف إلى الأرض المحتلة لتبقى حاملة شرف نضال الشعب الفلسطيني. وأعتقد انها تعرضت إلى عملية فلترة Filteration  كي لا تصل الحكيم.

ملاحظة: لا مجال هنا للحديث عن حصتي في الفلترة ضدي لإبعادي عن الجبهة الشعبية، وذلك عائد لعام 1969 حينما قررنا الانشقاق عن الجبهة الشعبية في سجن بيت لكي نتمكن من قراءة الماركسية-اللينينية  على أن نقرر حين خروجنا الاختيار بين الشعبية والديمقراطية والحزب الشيوعي. وكنا اربعة مع تبني الماركسية-اللينينسة من قياديي الجبهة الشعبية العشرة حينها،  ،سهيل الشنطي وساجي خليل وأحمد الجمل وأنا نفسي،والستة الآخرين الراحل عدنان جابر، والراحل عمر خليل عمر، وعلي العواودة وعطا الله ابو غطاس، ومحمد رشيد هلال، ويونس الجرو”). تفاصيل هذا ستكون في مذكراتي لكني أورد الأسماء هنا لأن كثيرين منا رحل، ومن يدري؟ ألم يقل الشاعر:

(لعمرك لا أدري وإني لأوجلُ…على أينا تأتي المنية أوَّلُ).

 

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.