في المُلِّح الفلسطيني بعد طي “حل الدولتين”

عبد اللطيف مهنا

قبل ترامب وليس من بعده، انتهى وهم “حل الدولتين”، وقبل انتهاء خدمة هذه الأحبولة المعلن وبعده، انتهى خليفته المتوعَّد به “حل الدولة الواحدة”. الأول اجهز عليه التهويد المتدثرً بعبائة “المسيرة التسووية”، والتي من المحال أن تفضي بأصحابها وبالقضية إلى غير ما افضت إليه. والثاني يتكفل باستحالته أمران: “يهودية الدولة”، التي باتت اللازمة لأي مقاربة صهيونية او غربية لأكذوبة المساعي السلمية، بمعنى النقاء اليهودي للكيان الصهيوني والتمهيد المستقبلي لمخططات “الترانسفير”، والثاني، وهو ألأهم، طبيعة الكيان الغاصب الاستعمارية الإحلالية، الذي وجوده اصلاً  نقيض للآخر نافياً له، بما يعني موضوعيا استحالة مسالمته أو التعايش معه  لكونهً حالة عدوانية نقيضة للمفهومين.
حديث افك الحلول لن يتوقف. ترامب سيكون ماسترو معزوفاتها القادمة. كل ما كان منه حتى الآن هو مجرَّد اشهار دفن “حل الدولتين”، الذي نفق قبله. أما ما سيكون منه لاحقاً فالهبوط بالسقف التصفوي بما يتفق مع المقاسات النتنياهوية المرحلية، بدءاً ب”الحل الإقليمي أولاً”، أو ما فسرته صحيفة “هآرتس” ب”الانطلاق من الخارج للداخل”، والذي يعني طي الصراع مع الحكومات العربية كمقدمة لحله مع الفلسطينيين، بمعنى قبولهن بتصفية القضية يسهِّل من فرض ذلك على الفلسطينيين المستفرد بهم…تسريبات اللقاءات السرية، والهمهمات حول نوايا “الرباعية العربية”، وسواهما من مؤشرات وضعت له صحيفة ” وول استريت جورنال” مفتاحاً واحداً اسمته “ناتو عربي”، بمعنى تحالف عربي صهيوني لمواجهة ايران، أي ما مجرَّد قيامه يعني دفناً لقضية الأمة المركزية…البيئة العربية الرسمية فائقة التلوث في هذه المرحلة الكريهة من تاريخ أمة مغيَّبة ومغلوبة على أمرها تشجِّع على مثل هذا المنحى فاحش الانحدار باتجاه درك هكذا خطيئة تتهدد مصائرها، بل وجودها برمته، وأقله تلحق أفدح الأضرار بمستقبل اجيالها.
العدو من الآن يستعد لمرحلة ما بعد دفن فرية “حل الدولتين”، ويعمل على توكيد استحالة خرافة “حل الدولة الواحدة”. الترامبوية ليست الحد الفاصل بين هاتين المرحلتين، بل الساعية للخطوة اللاحقة لدفن وهم الثانية. وعليه، أعاد ليبرمان فتح اضبارته القديمة ليقرأ علينا من برلين دعوته الترانسفيرية القديمة، تبادل اصحاب الأرض في المحتل عام 1948 بحفنة من المستعمرين في الضفة، وإذ لاحديث في الكيان الصهيوني إلا عن ما بعد طي “حل الدولتين”، فلا من خلاف لديهم على ابقاء محمية “اوسلوستان” مرحلياً، لتأمين احتلال مريح خدماتياً، وأستثمار أمني بحت يضمن أمن المستعمرات، ما خلا ذلك فكل الأمور تجري اتساقاً مع مستجد المرحلة.
بعد قرار”تبييض” المستعمرات تمهيداً لضمها، والإعلانات المتواترة لقرارات التهويد، وقانون منع الآذان، جاء التصعيد القمعي للتضييق على الفلسطينيين. في يوم واحد فحسب، وعلى سبيل المثال، المداهمات والاعتقالات شملت احياءً مقدسية، وسبعة مدن أخرى، هى الخليل ونابلس وجنين وطول كرم ورام اللة والبيرة وقلقيلية، حيث تم اعتقال 28 مواطناً بذريعة الاشتباه بممارستهم “نشاطات عنفية”، أو الإخلال بالنظام العام، بالتوازي مع استشهاد عامل فلسطيني دهساً متعمداً من قبل أحد المستعمرين، وتدمير جرافاتهم انابيب مياه الشرب في الأغوار الشمالية، وتجريف الأراضي الزراعية لقرية رخمة في النقب، واستهداف بوارجهم للصيادين في غزة…يقابله اصدار حكماً مخففاً لا يتجاوز ثمانية عشر شهراً وقيد العفو على الجندي مطلق النار على جريح فلسطيني نازف ملقى على الأرض، هو الشهيد عبد الفتاح الشريف… خلاصته، كل ما يؤشرعلى انتهاج سياسة التصعيد الباطش اتساقاً مع ما تتطلبه مرحلة ما بعد “حل الدولتين” وتهيئةً لما بعده.
إن أخطر ما يتهدد القضية الفلسطينية دائما، وخصوصاً في هذه المرحلة، هى اطروحات الحلول الوهمية والمختلف من المبادرات التصفوية، وتحت أية عناوين ومن أي جهات كانت، لا سيما في ظل راهن حال الأمة وهذا الواقع العربي المزري والظرف الفلسطيني البائس. وهى ليست في حاجة لمؤتمرات صاخبة تحت أية مسميات كانت، وبغض النظر عن النوايا حسنها أو سيئها، كما هى بغنى عن توجه فاشل تاريخياً وعبثي موضوعياً ويتمسك به عادة الانهزاميين الفلسطينيين بتشجيع من عرب نفض اليد من القضية القومية، وهو اللجوء لعدالة ما يدعى “المجتمع الدولي”، أو “الرأي العام الدولي”، الذي هو عملياً الغربي، أو الأمم المتحدة، التي شرعنت اغتصاب فلسطين حين قسَّمتها بين الغزاة المستعمرين وأهلها واعترفت بالكيان الغاصب، وكذا الأمر في انتظار الفرج ويقظة النخوة القومية المفتقدة لدى انهزاميي عر ب التبعية.
القضية، الشعب الفلسطيني، بحاجة ماسة إلى مؤتمر شعبي عام واحد لم يعقد بعد، حقيقي في شموليته التمثيليه لكافة شرائحه وأماكن تواجده، وطناُ وشتاتاً، وليعلن بأسمه مسألتين لاثالث لهما: الأولى، تخوين قاطع لأي جنوح تسووي، لاسيما في هكذا مرحلة مختلة الموازين بالكامل لصالح عدو الصراع معه تناحري، إما نحن أوهو، يفضي بالضرورة لتنازلات تمس حق عادل وغير قابل للتصرف في كامل وطن تاريخي يحتله مستعمر غاز. والثانية، الاجماع على خيار واحد وهو المقاومة بكافة اشكالها الممكنة وعلى رأسها المسلَّحة، ورفد انتفاضة الفدائيين الراهنة بعصيان مدني شامل، والتوجه نحو التوافق على برنامج حد ادنى وطني يستند إلى هاتين الأثنتين ويُشتق منهما.
… أن هذا وحدة كفيل بأن ينذر جبهة أعداء شعبنا وأمتنا بأن أي خطوة تصفوية جديدة من شأنها فحسب إعادة الصراع إلى مربعه الأول.

 

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.