ايران والقضية الفلسطينية في المؤتمر الدولي السادس لدعم الانتفاضة

طهران، 21 ـ 22 شباط 2017

 

نورالدين عواد/كوبا

 

مدخل موجز:

 

كانت القضية الفلسطينية ولا زالت محط نظر وجدل وتفاعل ومواقف وسلوكيات متعددة الاوجه والاطراف، فلسطينيا وعربيا واسلاميا ودوليا، ولكل فاعل فيها منطلقاته الفكرية والسياسية وغاياته التكتيكية والاستراتيجية.

وربما يعود ذلك الى كون القضية يتشابك فيها الديني الروحي والجيوسياسي والجيواقتصادي لمختلف اللاعبين المحليين والاقليميين والدوليين، والى حجم الظلم المعولم الذي حلّ بارض وعرض وأهل فلسطين، ابتداء من الغزو الصهيوني متعدد الاديان والقوميات والاثنيات، منذ اختلاق فكرة اقامة مملكة يهودية فيها، على الاقل في اواسط القرن السابع عشر (انجلترا) مرورا برسالة نابليون بونابرت الصهيونية (1798فرنسا) وعمليات استيطانية بيضاء انغلوساخونية منذ منتصف القرن التاسع عشر (امريكا) وباحتلالها عسكريا بجيش متعدد الجنسيات (39 بلد) وصولا الى استعمارها واستيطانها بجيوش من المرتزقة المعاصرين القادمين مما لا يقل عن 125 بلدا.

وتعرضت فلسطين ولا زالت لهذا النوع العنصري الهمجي من الاستعمار الابادي والاقتلاعي والاجلائي بحق اهلها الاصلانيين، لصالح عملية إحلال بشري استيطاني صهيوني متعدد الاجناس والالوان. وتحت ضغط الحرب النفسية والسياسية والعسكرية والاقتصادية، التي ما انفكت الامبريالية والصهيونية والرجعية واذيالها، من الدين السياسي الفاشي وطوابير المستثقفين يمينا ويسارا، ظهرت في اطار حركة التحرر الوطني الفلسطيني عملية فرز واضحة للعيان:

 شرائح طبقية سياسية في قيادة “الممثل الشرعي والوحيد” ، اي في مركز صنع واتخاذ القرارات، تساقطت وطنيا في حضيض الخيانة وارتمت في احضان العدو التاريخي والمستقبلي لفلسطين والامة العربية باسرها، متمثلة بسلطة اوسلو، التي انتقلت طوعا واسترزاقا الى خندق الصهيونية العالمية، لتوفير الحماية للجيش والمستوطنين، ولاعطاء الشرعية دوليا لعملية الاستيلاء بالقوة على ارض كل فلسطين، ومحاولة ابادة اهلها بشتى الوسائل.

وعلى المقلب الاخر، بقيت غالبية الشرائح الاجتماعية وطبقاتها وتعبيراتها السياسية النضالية في موقع المقاومة وبوتائر ومصداقية متفاوتة وموسمية احيانا، دون التمكن من احتلال موقع الصدارة في الحركة التارخية النضالية للشعب والامة.

ادى هذا المشهد الفلسطيني الى حالة انسداد واستعصاء متواصل، يحول دون استمرارية المقاومة بافق تحرري، مما فسح المجال رحبا امام مخططات وحروب ومشاريع المعسكر المعادي، الرامية الى تصفية القضية الفلسطينية من اصلها والى الابد، بايدي عرب وعجم لا فرق، خاصة في ظل المشروع الامبريالي الصهيوني باقامة شرق اوسط جديد و/او موسع، القائم حاليأ من خلال فضيحة “الربيع العربي” وباستعمال مباشر لجيوش مرتزقة الدين الوهابي والتكفيري والطوراني، بدء من افغانستان وصولا الى مخيم عين الحلوة في لبنان.

بالتزامن مع ذلك، تخوض الامبريالية الصهيونية العالمية فصولا اخرى من حربها العالمية الثالثة على مستويين: المستوى العالمي لكي تكرس نفسها قوة عظمى وحيدة، تحول دون ظهور عالم متعدد الاقطاب ينازعها الهيمنة والسيادة (ضد الصين وروسيا)، والمستوى الاقليمي لكي تجهض صعود دول معينة الى موقع قوى اقليمية (ايران بالتحديد)، تنازع الكيان الصهيوني هيمنته وسيادته على “الشرق الاوسط”، بعد تفكيك دوله  وتذريرها وتحويلها الى دويلات او كيانات قبلية او طائفية او دينية مذهبية، عاجزة عن ضمان ادنى مقومات وجودها، وتكون في دور التابع الخاضع اطلاقا للكيان الصهيوني.

وعند هذه النقطة وصلنا الى حالة فرز موضوعي محقق لقوى الصراع:الامبريالية الصهيونية والرجعية وتوابعها في موقع الغزو والحرب والاحتلال، وقوى المقاومة والصمود والتصدي لهذه الحرب الكونية، املا في البقاء والانتصار، وازالة الظلم والاضطهاد التاريخيين اللذين تتعرض لهما شعوب وامم المنطقة باسرها.

في هذا السياق لا بد من انتشال القضية الفلسطينية من مازقها القاتل، بصفتها الحلقة المركزية في السلسلة، نظرا لما تتمتع به من قدرة على مواجهة الصهيونية تاريخيا، وفضح زيف ادعاءاتها الاسطورية بحق الهي غيبي في ارض فلسطين، وقدرتها على اعطاء الشرعية للقوى والانظمة العربية والاسلامية، كونها قضية مركزية للامة العربية، وان تنكرت دول عربية او اعرابية لذلك، وكونها وقف اسلامي تاريخي، يوجب على الدول الاسلامية،  بدرجات متفاوتة تقديم الدعم والاسناد وحتى المشاركة في تحريرها، على الاقل نظريا.

ناهيك عن وجود دول وقوى تحررية عالمية لا عربية ولا اسلامية ولا دينية،وانطلاقا من فلسفتها السياسية ومبادئها الاممية، ترى من واجبها وتعلن عن استعدادها لمؤازرة شعب فلسطين العربي  في نضاله التحرري.

جمهورية ايران الاسلامية، تعبير دولاتي عن خط الدين السياسي العقلاني العالماني في تعاطيها مع العلاقات الدولية والشعبية، ومنذ انتصار ثورتها الاسلامية فبراير شباط 1979، طردت السفارة الصهيونية من طهران، وأحلّت فيها سفارة فلسطين، وحملت لواء قضيتها. وبالصدفة السعيدة وفي ابريل نيسان 1979، قامت الثورة الاشتراكية الكوبية (وهي ليست عربية ولا اسلامية ولا دينية بل اممية) بتوحيد جاليات البلدان العربية واقامة الاتحاد العربي في كوبا، اكراما للقضية العربية الفلسطينية، وجعلت له مقرا كان سابقا للصهيونية!! فالثورة على الظلم والطغيان، قانون يحكم الانسان في كل زمان ومكان، ولا ينحصر في الاديان ولا الشيوخ ولا الرهبان.

لقد التقطت ايران اللحظة السياسية التاريخية، وانطلقت نحو التوشح بالقضية الفلسطينية، في محاولة لانتشالها من الضياع، عن ايمان بواجبها الديني البحت اولا، وفضح انظمة الاعراب الاسلاموية التي خانت الدين والدنيا، وباعت فلسطين واهلها منذ ما يزيد على قرن من الزمان ثانيا، وتعرية الوهابية والداعشية بانواعها التي لم تقدم شيئا لفلسطين واهلها والمدافعين عنها، بل تتصرف دمويا في خدمة الصهيونية والامبريالية ثالثا. وتعبئة وتجييش الراي العام الداخلي المشبع بالمفاهيم الدينية، لا سيما ازاء فلسطين، في الالتفاف على الدولة الايرانية، والدفاع عنها امام اي عدوان محتمل عليها رابعا؛ وتحشيد قوى المقاومة والصمود في الاقليم  كخط دفاع امامي عن الجمهورية الاسلامية خامسا، استنادا الى التعاضد المادي النضالي بين الطرفين على ارض المعارك العسكرية في سوريا ولبنان وفلسطين والعراق.

وفي نهاية المطاف ترى الجمهورية الاسلامية وفق منظورها الفقهي وسلوكها الثوري بديلا مقنعا للاقطاب الاسلاموية السائدة حاليا، وتعتقد بانها مؤهلة لقيادة العالم الاسلامي للحقبة التاريخية الجارية، بعدما اخذت الأمَّتان العربية و التركية دورهما في تلك القيادة. واعتقد انه من حقها المشروع ان تفعل، وتصبو الى هذه الغاية، طالما التزمت بالمقاومة ومعاداة الصهيونية والامبريالية والرجعية.

يقول بعض المتفذلكين ان ايران في تعاملها مع القضبة الفلسطينية، تنطلق من مصالحها القومية! صحّ النوم! طبعا وبالمطلق ولا ضير في ذلك، فكافة الدول تنطلق من مصالحها القومية لا سيما مصلحتها في البقاء والحفاظ على الذات، والا انتفى سبب وجودها كدولة. المطلوب ان لا تكون هذه المصالح على حساب المصالح القومية الاخرى كالامة العربية بالتحديد. وبهذا الصدد العروبيون هم المعنيون بتحديد مصالحهم القومية والدفاع عنها، وليس الايرانيون.

المصيبة ان النظام الوهابي عدو لدود نقيض للامة العربية، وباع فلسطين ويتامر عليها، ويقول انه “عربي” حريص على وحدة صف ، وينحر اليمن! ربما بعلاقاته السرية والعلنية مع الكيان الصهيوني وهو الخطر الاكبر المحدق بالمصالح القومية العربية. فاين ستكون ايران بالنسبة اليه؟ اكيد في خانة العدو الحقيقي بدلا من الكيان الصهيوني “الاسرائيلي“.

على الجانب الاخر، الدولة السورية ،حكومة وجيشا وشعبا، عربية وقومية حتى النخاع، تتصدى لمغول وتتر القرن الحادي والعشرين، دفاعا عن الدولة القطرية والامة وقوميتها ووو…الخ. أالا يصب الموقف الايراني من وفي سوريا وحزب الله والمقاومة الفلسطينية واليمنية والعراقية ووو…الخ في جعبة المصالح القومية للامة العربية، حتّى وان لم يكن ذلك هو قصد ايران؟؟ وينسحب هذا الكلام على الموقف الروسي والصيني ايضا.  فقط الاغبياء والخونة هم الذين لا يرون هذه الحقائق. العلاقات الدولية علم وفن وذكاء ودهاء ولا مجال فيه للارتجال والسذاجة، ومن لم يتعظ يدفع غالي الاثمان.

38 عاما مرت على انتصار الثورة الاسلامية الايرانية، وها هي تصمد ويشتد ساعدها العسكري والعلمي والتكنولوجي، وباعتراف الشرق والغرب من خلال توقيع الاتفاق النووي. وبموازاة ذلك نلاحظ تطور وحنكة وحكمة في التعاطي مع العلاقات الدولية، وفي ادارة الصراع مع الامبريالية الصهيونية والرجعية. ففي الموقف السياسي الفقهي الذي عبر عنه مرشد الثورة الاسلامية سماحة الامام علي خامنئي، امام مؤتمر طهران، حصل تطور نوعي ايجابي بخصوص الموقف من قوى المقاومة: سابقا كان شرط تقديم الدعم المادي ماليا وعسكريا ونضاليا ان يكون الحزب المقاوم اسلاميا، اما الان فقد انتفى هذا الشرط واكثر: الشرط هو ممارسة المقاومة وان كا ن الحزب اسلاميا وانحرف عن المقاومة فانه لن يتلق اي دعم من الثورة الاسلامية!!واللبيب بالاشارة يفهم.

كما تم التاكيد ايرانيا على معاداة الصهيونية والاصرار على تحرير كامل فلسطين من النهر الى البحر، باية وسيلة كانت وازالة “دولة اسرائيل” من الوجود، واعادة الحقوق كاملة الى اصحابها. والتمسك بحق عودة كافة الفلسطينيين الى ارضهم وممتلكاتهم، وحقهم في اقامة دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس. وهذا في رايي موقف عقلاني وعادل، نقيض مطلق لكافة المشاريع والخطط التسووية،  والمساومات على الحقوق الوطنية والقومية والتاريخية، وخاصة كامب ديفيد، وادي عربة، اوسلو، وما خفي من مؤامرات خيانية وتفريطية بالحقوق العربية.

وفي سياق متصل رات ايران والمؤتمرون ان الوحدة الفلسطينية المنشودة يجب ان تتمحور حول المقاومة والانتفاضة بصفتها رمزا لتحقيق الانتصار. كما تم التشديد على مقاومة التطبيع ومناشدة البلدان قاطبة لقطع علاقاتها مع الكيان الصهيوني. وتقديم الدعم للمقاومة اللبنانية كي تتمكن من تحرير كافة الاراضي العربية التي لا زال يحتلها الكيان الصهيوني بما فيها الاراضي اللبنانية والسورية .

انطباعات اخيرة:

شاهدنا اهتمام كبير وعلى اعلى مستويات الثورة الاسلامية والدولة والبرلمان بالمؤتمر والمؤتمرين. تلمسنا تعبئة موجهة شعبيا بخصوص فلسطين وتحريرها من الكيان الصهيوني.

ايران تعرف ماذا تريد، وكيف تحقق ما تريد، ومستعدة لتحويل طاقتها الكامنة الى طاقة متحركة في سبيل ما تريد. فهل سترتفع القوى الوطنية والقومية العروبية والثورية اجمالا الى هذا المستوى؟ وللممارسة القول الفصل في اثبات الحقيقة.

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.