من تدمر إلى جنيف … حقائق سورية تفرض وأحجام تحدد؟

 العميد د. أمين محمد حطيط 

وقتت تركيا مسرحية استلام مدينة الباب من داعش التي ترعاها، مع بدء اجتماعات جنيف 4 قاصدة في ذلك القول بانها تملك ورقة ميدانية أساسية تتيح لها لعب دور مركزي في العملية السياسية خاصة وأنها أوحت بانها تتحضر لتوسيع مناطق احتلالها باتجاه الرقة ومنبج من اجل إقامة المنطقة الأمنة التي حلمت بها كمنطقة سيطرة ونفوذ في سورية.

أما أميركا فقد أمتنعت في جنيف 4 عن لعب الدور الذي اعتادته في جنيف 1 إلى جنيف 3 و هو علانية الرعاية للأطراف المناهضة للحكومة الشرعية السورية ، دور كانت تظهر أميركا فيه بانها الممسك الرئيسي بمجريات الاجتماعات  فتحدد وجهة الاجتماعات و طبيعة الموضوع المبحوث و النتائج المسموح الوصول اليها  ، أما في جنيف 4 فرغم وجودها في أروقة المباحثات فقد تعمدت الظهور بمظهر المستنكف عن لعب الدور ذاك و تركت لروسيا تحمل مسؤولية الرعاية و  الإدارة لهذه المباحثات بالعمل مع ممثل الأمم المتحدة ، فعلت أميركا ما فعلت لأنها كانت تثق بان دي مستورا لن يخرج قيد أنملة عن توجيهاتها  و بالتالي سيكون هو من يعمل مع روسيا دون ان تتحمل مسؤولية النتائج .

أما سورية وخلفها حلفاؤها فقد كانت ولا زالت على يقين بان جنيف قد تكون مكان حصاد ما يزرع في الميدان السوري، لان الذين خرجوا عن الشرعية وتوسلوا الإرهاب لتحقيق مصالحهم لا يملكون أصلا أي حق في مواجهة إرادة الشعب السوري الذي له ان يختار حكامه ونظامه وموقعه في هذا العالم. ولهذا كانت سورية ولازالت تعرف ان المعتدي الأساسي والأدوات التنفيذية التي يديرها لن يصغوا إلى منطق وحق بل سيتمسكوا بما اغتصبوه بالإرهاب ليفرضوا مصالحهم المتعارضة مع حقوق ومصالح الشعب السوري. وبالتالي ولأنها تعرف ذلك كان على سورية ان تتقن إدارة اللعبة مع هؤلاء حتى تكشف الحقيقة وتظهر خواء أهدافهم وحقيقة أحجامهم.

لقد كانت مهمة سورية في جنيف 4 دقيقة وهي بعد ان تمكنت من إرساء مفاهيم وتصويب مسار العملية السياسية وإيجاد إطار وآلية لوقف العمليات القتالية في استنه 1 و2، كان عليها ان تدفع إلى تحديد الأطراف الذين تباحثهم وتحديد جدول أعال المباحثات وإلزام الجميع بالتصرف وفقا للقواعد التي تحفظ حقوق الشعب السوري. أي باختصار التأكيد على تصويب مفاهيم العملية السياسية التي كان الانحراف فيها فظيعا في بيان جنيف 2012، وقائما في بعض قرارات مجلس الأمن التي أرسى على هذا البيان.

ولان السياسة لا تعطي عادة ألا من يمتلك القوة في الميدان فقد كان على سورية ان تتابع مسار إنجازاتها الميدانية التي كانت جوهرتها الاستراتيجية حلب التي طهرت وأسقطت خطة تقسيم سورية، ولهذا قام معسكر الدفاع عن سورية بعمل عسكري متعدد الأهداف والجبهات تتقاطع كلها عند هدف واحد هو مزيد من الإنجازات لأفشال العدوان. ولهذا قامت هذه القوات بالعمليات الهامة التي كان لكل منها صدى ونتيجة كالتالي.

1)  في محيط مدينة الباب ، قام الجيش العربي السوري بعملية التفاف واسعة جنوبي المدينة و شرقها و تمكن من تطهير 50 بلدة و قرية في المنطقة و أقام طوقا محكما يمنع أي تفكير تركي بالتمدد جنوبا  نحو الرقة ، كما يمنع تركيا المعتدية من توسع عدوانها نحو منبج ، و بهذا نستطيع القول ان الجيش العربي السوري في مناورته الرشيقة و الذكية ، اجهض المكاسب الاستراتيجية التي عولت عليها تركيا من احتلال الباب ، و بدل ان تصبح المدينة  قاعدة انطلاق تركية لتحقيق إنجازات أخرى باتت مطوقة من الغرب و الجنوب و الشرق و أفقدت بذلك قيمتها العسكرية و الاستراتيجية معا . وسقط الحلم التركي بالتمدد إلى الرقة.

2)  في تدمر، كانت مهمة الجيش العربي السورية هناك على قدر كبير من الأهمية والتعقيد العملاني والاستراتيجي ـ فالمدينة جاثمة في عمق الصحراء وتمثل راس المثلث الداعشي المتشكل منها ومن الرقة ودير الزور والموقع المتقدم لسيطرة التنظيم الإرهابي شرقا. وكان على سورية ان تحقق الإنجاز العسكري ليكون سريع الاستثمار في مهلة لا تتعدى ال 10 أيام هي المدة المفترضة لاجتماعات جنيف 4. وقد قبل الجيش العربي السوري التحدي وفتح معركة تطهير تدمر، فكان له ما أرادوا وفي زمن قياسي لا يتجاوز ثلث المهلة المحددة أصلا كان انهيار دراماتيكي مزدوج في الميدان لداعش وفي الغرف السوداء صدمة كبير رهيبة لقيادة العدوان. وهكذا وفي أيام لا تتعدى أصابع اليد الواحدة تحولت مراكز داعش الإرهابية في الشرق من منطقة متماسكة إلى خط واهن من دير الزور إلى الرقة خط فيه من الإعوار ما يعقد الدفاع عنه ويمنع الأسناد المتبادل. وقدمت القوى للوفد السوري ورقة ثمنيه في توقيت رائع.

3)  إلى هذين الإنجازين الاستراتيجيين الكبيرين، تابع معسكر الدفاع عن سورية أعمال التعهد الأمني والتوسع التطهيري في ريف حمص وريف دمشق وأثبت الاقتدار الميداني التراكمي الذي يحول دون منح فرصة لقوى العدوان لتحقيق أي إنجاز مستقر قابل للاستثمار، وهنا يشار إلى العمليات والمناورات التي قام بها الجيش العربي السوري في الجنوب والتي وجهت رسالة قاطعة لمن يعنيه الأمر بان إقامة المنطقة الأمنية الإسرائيلية في الجنوب امر لن يمر.

تجمعت هذه الأوراق كلها بيد وفد الجمهورية العربية السورية في جنيف، فاستعملها بأعلى درجات الحرفية والمهارة التي أثبتها في كل محفل دولي دخل فيه، وبدا هذا الوفد برئاسة السفير بشار الجعفري كالجبل الراسخ الثابت على مبادئه والمتمسك بحقوق شعبه، في مقابل حصى وأوراق متناثرة مشتتة مثلتها وفود ما يسمى معارضات سورية عجوت عن التوحد في وفد وعن الاتفاق على هدف وهنا كان النجاح في جنيف (رغم انه لم يخرج بشيء كبيركم كنا نتوقع أصلا) حيث نسجل لجنيف 4:

أ‌.   أكدت اجتماعات جنيف التفاوت الفاضح بين ما تتمسك به سورية وما يطرحه من يقول انه معارضة وكشفت هزال الأخيرة وسطحيتها خاصة بالنسبة لما يسمى منصة الرياض وظهرت بمظهر الجاهل التافه الذي لا عهد له ولا شان في السياسة الأمر الذي أحرج مشغليهم أكثر من مرة ولكن هذه المرة لم يستطيعوا تكرار تجربة جنيف 3 ويوقفوا المباحثات وكان عليه الرضوخ للأخبار السيئة لهم الأتية من تدمر ومشارف منبج. فرضخوا لما يطلبه الوفد السوري خاصة في إدانة الإرهاب ومحاربته.

ب‌.   فرض وفد الجمهورية العربية رؤيته على مسار العملية السياسية في انطلاقتها الأولى وجعلها تقوم على أربع سلأت متزامنة شكلت مكافحة الإرهاب أحداها. وفي هذا النقطة ينبغي التوقف عند الأهمية الكبرى لقبول معسكر العدوان بهذا الأمر خاصة إذا تذكرنا بان الإرهاب هو أداة العدوان الأساسية ومصدر قوته في الضغط على سورية فاذا تجرد منها فأي حال سيكون عليه مع ضمور فاضح في القاعدون الشعبية السورية له؟

ت‌.  أما الأخطر مما تقدم فانه يتصل بما اسمي بورقة دي مستورا ذات البنود ال 12، ومن غير خوض الأن في مضمونها تفصيلا وملاحظاتنا عليها، فان اهم ما في هذا الوثيقة التي يطرحها دي مستورا كأساس للنقاش وطبعا بعلم وموافقة أميركا، اهم ما فيها أنها تخرج عن خشبية وعدوانية بيان جنيف 2012 وتراعي الواقع المتشكل في الميدان وتشكل وان بشكل خجول أول إقرار من طرف لا ينتمي إلى معسكر الدفاع عن سورية، بان العدوان فشل في تحقيق أهدافه وانه دخل في مرحلة البحث عن جوائز ترضية والعمل بسياسة تحديد الخسائر.

وهكذا نرى وكما كنا نتوقع أصلا، ان جنيف 4 لم يلج في مسار الحل الفعلي ولم يشكل الخرق السياسي المطلوب لكن ما افرزه من وقائع وما حدده من أحجام وجدول أعمال كاف للقول بان ذهاب وفد الجمهورية العربية السورية إلى جنيف لم يكن سدى وانه لم يهدر الوقت والجهد في جنيف بل انه حقق ما يمكنه من البناء عليه لمصلحة سورية الدولة الواحدة السيدة المستقلة وأجري تناغما ممتعا بين السياسة والميدان الذي يبقى هو الأصل طالما ان ممثلي العدوان ليسوا جاهزين للدخول في حل لم ينضج لديهم بعد.

:::::

“الثورة”، دمشق

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.