تجدير الجدار

عادل سمارة

قرأت ما كتبته الفنانة مليحة مسلماني عن الفندق المحاصر بالجدار، الفندق المجدرن. لم اجد في ما كتبته ما يوجب نقدا لها، بل وجوب التقدير على لماحتها وخاصة تركيزها على علاقة المستعمِر والمستعمًر. وماذا يمكن لفلسطيني/ة أو أي إنسان سوي أن يكتب بغير هذا المعنى؟
استدعيت فرانز فانون وأنا أقرأها، الذي أرسى قاعدة بين المستعمِر والمستعمًر لم يجرؤ حتى عُتاة التنظير الاستعماري على رفضها، وهي ان الثورة تهدف إلى قتل الطرفين وإعادة خلق كل منهمامجددا وبشكل مختلف. قتل فيه حياة مختلفة. وهذا بالمفهوم الديالكتيكي يعني التناقض التناحري بين الطرفين.
الكيان الصهيوني الإشكنازي طبعا لا يقبل أطروحة فانون بل يعمل على محونا كليا وتماماً ولا يخفي هذا لا في الخطاب ولا بالحراب. ورغم ذلك يتلطى الكثيرون/ات منا متمسحا به محفوزا بنظرية “الاعتراف-أي اعترف بي سيدي” او ما اسميه “الاستقواء بالضعف” أي التظاهر بقبول العدو والثرثرة عن السلام معه، وباننا لا نريد قتله…الخ وهو تظاهر هش ومفرغ وكتيم وصامت ولدن.
لم تبدأ قضيتنا من جدار شارون. بل بدأت من جدار هرتسل. حين كتب بأن “الدولة اليهودية ستكون جدار يفصل الحضارة الغربية عن الشرق المتخلف/المتوحش”. هرتسل لم يقصد الفصل بين الفلسطينيين والكيان، بل بيننه وبين العرب بعد طرد كل الفلسطينيين او نثر بعض الفلوس عليهم ليتدبروا بها بعد الرحيل وصولا إلى الترحيل. وطبعا بعد ذلك يزحف الجدار حتى يصل الفرات.
الجدار هو سيكولوجيا الجيتو الذي لا يطيق غير ذاته ويتناسل بجماعه الذاتي كالدودة الوحيدة، لكنه يأكل من صحن غيره. هذا مرض الطفيلية وراس المال معا. والجيتو مجدرن لكن جداره قابل للتوسيع.
بعدجدار هرتسل هناك جدران عدة قبل الإسمنتي الحالي، وفندق يانسكي المجدرن: هناك جدار الجيش المسلح الذي جعل من كل قرية أو منزل في المحتل 1967 داخل جدار. ألا يقوم اربعة جنود بخلق جدار وهمي على قرية فلا يخرج منها احدا؟ وهناك جدار منع تصريف منتجاتنا في المحتل 48 سواء بلا سبب او بعدم الملائمة او بعدم استكمال شروط صحية . وهناك الجدار الثقافي، “العربي الوسخ –لخلاخ” وهناك جدار التبادل اللامتكافىء المسلح. لذا من الطبيعي أن ينتهي الأمر بالجدار الإسمنتي والذي لم يوضع إلا بسبب المقاومة.
المثير للدهشة والتقزز معا، أن هنك كثيرون يسمونه “جدار الفصل العنصري”؟ يا إلهي!!! المستعمَر مصاب بشبق ملاقاة سيده وقامعه وناهب أرضه! بمعنى ان نفسيةاستهلاكية متهدلة مهلهلة تبحث عن فتات الحركة والعلاقة ولا تبحث عن وطنها!.
هنا يحضرني جرامشي، فالجدار هو السيطرة، ومحاولة خلعه، مثابة تلخيص الصراع في دور الجدار وليس على الوطن، اي تحويل السيطرة إلى الهيمنة، أي القمع الناعم.
تحت الاستعمار الاستيطاني الاقتلاعي بالمطلق، ليست الأولوية فندقا حتى عاديا لأنه يحقق متعة لسائح/ة والدخل منه يذهب لشريحة طفيلية محلية ترصد الفائض في الخارج لأن عقلها كمبرادوري خدماتي لا إنتاجي. وإن كان لا بد من صرف مال فليكن على مواقع الإنتاج والتشغيل كي لا نرحل جوعا. رأس المال ليس الأساسي في التنمية حتى في دول السيادة، بل الأساس هم الناس والإنتاج لأن الأمن الاقتصادي اساس الأمن الوطني.
فندق مجدرن بتنسيق تمويلي دولي. تمام، رفعت الأقلام وجفت الصحف. اية دول؟ أليست الأنظمة الغربية التي تفاخر بخلق الكيان واحتضانه؟ وهل يمكن ان تقوم باية خطوة لا يضع الكيان اسسها ويقبض منافعها كشريك مضارب؟.
لا يهمني إن كان يانسكي شخصا فردا او شخصية معنوية او شركة، بل المهم أنه يلعب لعبة خبيثة ومكشوفة، “مصالحة الجيران”!
ولسنا جيران قطعا. نحن حالة قاتل وقتيل، سارق ومالك، مسالم وعدواني/ اصيل ودخيل.
أمثال يانسكي ينطلقون من لغم هائل، وإن كان على شكل لوحة فنية وهو: 11- الكيان وجود موضوعي مطلق لا نقاش في ذلك (موقف يبدا من نتنياهو ويصل عزمي بشارة) 2- سيطرة الكيان على الضفة الغربية لا إشكال فيها من أجل امن “إسرائيل” لكن مطلوب بعض المساحيق والمكياج. فأين الجيران هنا؟
يانسكي في الفن، شبيه دانييل بارنباوم في الموسيقى الذي عرض في القصر الثقافي في رام الله بعد أن ايد العدوان على غزة 2008-09 كتابة وشتم رحيل ياسر عرفات ولم تعترض القشرة لا في رام الله ولا في غزة التي استقبلته لاحقا! كلاهما مشروع تطبيعي استعمل بعض المحليين كحصان طروادة وهم مغتبطين بذلك يشعرون بأن قبول السيد لهم حولهم إلى نخبة وهم قشرة.
أختم بما وقع ذات يوم في “واحة السلام” قرب اللطرون حيث اقيمت لهذا النمط من التعايش وطبعا على الحدود كي تمسح جدار “الخط الأخضر” حين راى أحد المطبعين الفلسطينيين قتالا بين كلب لعربي وكلب ليهودي، فقال: “حتى الكلاب لا تتعيش”!

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.